واشنطن‭ ‬تختار‭ ‬الوظيفة‭ ‬الأمنية‭ ‬بدل‭ ‬امتلاك‭ ‬الجزيرة‭ ‬في‭ ‬القطب‭ ‬الشمالي

غرينلاند‭:‬‮«‬حاملة‭ ‬الطائرات‭ ‬الأميركية‭ ‬الثابتة‭ ‬غير‭ ‬القابلة‭ ‬للغرق‮»‬

الدكتور‭ ‬ثائر‭ ‬العجيلي

باحث‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬السياسي‭ ‬والاستراتيجي

لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭ ‬في‭ ‬غرينلاند‭: ‬هل‭ ‬تشتريها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أم‭ ‬تبقى‭ ‬تحت‭ ‬السيادة‭ ‬الدنماركية؟‭ ‬فقد‭ ‬انتقلت‭ ‬واشنطن‭ ‬عملياً‭ ‬إلى‭ ‬صيغة‭ ‬أكثر‭ ‬ذكاءً‭ ‬وأقل‭ ‬كلفة‭ ‬سياسياً‭: ‬عدم‭ ‬امتلاك‭ ‬الأرض،‭ ‬مع‭ ‬توسيع‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬وظيفتها‭ ‬الأمنية‭ ‬والاستراتيجية‭. ‬ففي‭ ‬قلب‭ ‬القطب‭ ‬الشمالي،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬مسارات‭ ‬الصواريخ‭ ‬العابرة‭ ‬للقارات،‭ ‬وحركة‭ ‬الغواصات‭ ‬الروسية،‭ ‬وممرات‭ ‬الملاحة‭ ‬الجديدة،‭ ‬وسلاسل‭ ‬المعادن‭ ‬الحرجة،‭ ‬تتحول‭ ‬أكبر‭ ‬جزيرة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬‮«‬حاملة‭ ‬طائرات‭ ‬أميركية‭ ‬ثابتة‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للغرق»؛‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الإبحار‭ ‬كي‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬القوة،‭ ‬لأن‭ ‬الجغرافيا‭ ‬نفسها‭ ‬تقوم‭ ‬مقام‭ ‬الأسطول‭. ‬وتزداد‭ ‬أهمية‭ ‬غرينلاند‭ ‬لأنها‭ ‬تشكل‭ ‬الضلع‭ ‬الغربي‭ ‬لما‭ ‬يُعرف‭ ‬عسكرياً‭ ‬بـفجوة‭ ‬GIUK،‭ ‬وهي‭ ‬نقطة‭ ‬اختناق‭ ‬بحرية‭ ‬حاسمة‭ ‬سُمّيت‭ ‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬غرينلاند‭ ‬Greenland‭ ‬وآيسلندا‭ ‬Iceland‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬United‭ ‬Kingdom،‭ ‬وتربط‭ ‬مياه‭ ‬القطب‭ ‬وبحر‭ ‬النرويج‭ ‬بشمال‭ ‬الأطلسي‭. ‬وخلال‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬طريق‭ ‬الغواصات‭ ‬السوفييتية‭ ‬الخارجة‭ ‬من‭ ‬قواعد‭ ‬شمال‭ ‬روسيا‭ ‬إلى‭ ‬الأطلسي،‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬المنطقة‭ ‬ذات‭ ‬أهمية‭ ‬مركزية‭ ‬لمراقبة‭ ‬الحركة‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬الجناح‭ ‬الشمالي‭ ‬للناتو‭. ‬

وهكذا‭ ‬انتقلت‭ ‬غرينلاند‭ ‬من‭ ‬هامش‭ ‬جليدي‭ ‬بعيد‭ ‬إلى‭ ‬عقدة‭ ‬قوة‭ ‬تجمع‭ ‬الإنذار‭ ‬الصاروخي،‭ ‬ومراقبة‭ ‬الفضاء،‭ ‬وفجوة‭ ‬GIUK،‭ ‬والممرات‭ ‬القطبية،‭ ‬والمعادن‭ ‬الحرجة‭ ‬في‭ ‬جغرافيا‭ ‬واحدة‭.‬

وفي‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬كانت‭ ‬الإمبراطوريات‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬امتلاك‭ ‬الأرض؛‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬فقد‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تمتلك‭ ‬وظيفة‭ ‬الأرض‭.‬

بيتوفيك‭: ‬العين‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬الضربة

إذا‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬حاملة‭ ‬الطائرات‮»‬‭ ‬استعارة،‭ ‬فإن‭ ‬قاعدة‭ ‬بيتوفيك‭ ‬الفضائية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬غربي‭ ‬غرينلاند‭ ‬هي‭ ‬سطحها‭ ‬العملياتي‭ ‬الحقيقي‭. ‬فهي‭ ‬المنشأة‭ ‬العسكرية‭ ‬التابعة‭ ‬لوزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الأميركية‭ ‬الأبعد‭ ‬شمالاً،‭ ‬وتدير‭ ‬فيها‭ ‬قوة‭ ‬الفضاء‭ ‬الأميركية‭ ‬رادار‭ ‬الإنذار‭ ‬المبكر‭ ‬المطوّر‭. ‬وتحدد‭ ‬المهمة‭ ‬الرسمية‭ ‬للسرب‭ ‬الفضائي‭ ‬الثاني‭ ‬عشر‭ ‬هناك‭ ‬بثلاث‭ ‬وظائف‭ ‬مباشرة‭: ‬الإنذار‭ ‬الصاروخي،‭ ‬دعم‭ ‬الدفاع‭ ‬الصاروخي،‭ ‬والوعي‭ ‬بالمجال‭ ‬الفضائي؛‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اكتشاف‭ ‬الصواريخ‭ ‬الباليستية‭ ‬العابرة‭ ‬للقارات‭ ‬والصواريخ‭ ‬المطلقة‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تهدد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أو‭ ‬كندا‭. ‬

ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬بيتوفيك‭ ‬على‭ ‬النظر‭ ‬نحو‭ ‬الأرض‭. ‬فقد‭ ‬أكدت‭ ‬قوة‭ ‬الفضاء‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬مايو‭/‬أيار‭ ‬2026‭ ‬أن‭ ‬الموقع‭ ‬يشكل‭ ‬عقدة‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬التحكم‭ ‬بالأقمار‭ ‬الصناعية،‭ ‬مستفيداً‭ ‬من‭ ‬موقعه‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬الشمال‭ ‬للاتصال‭ ‬المتكرر‭ ‬بالأقمار‭ ‬ذات‭ ‬المدارات‭ ‬القطبية‭ ‬ونقل‭ ‬بيانات‭ ‬الاستطلاع‭ ‬والإنذار‭ ‬الصاروخي‭. ‬وهنا‭ ‬تصبح‭ ‬الجغرافيا‭ ‬نفسها‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬السلاح‭: ‬الموقع‭ ‬يمنح‭ ‬الوقت،‭ ‬والوقت‭ ‬في‭ ‬الإنذار‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬القوة‭. ‬

غرينلاند‭: ‬بوابة‭ ‬مراقبة‭ ‬الأسطول‭ ‬الروسي‭ ‬نحو‭ ‬الأطلسي

ضمن‭ ‬فجوة‭ ‬GIUK،‭ ‬تمنح‭ ‬غرينلاند‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والناتو‭ ‬موقعاً‭ ‬متقدماً‭ ‬لمراقبة‭ ‬الحركة‭ ‬البحرية‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الشمال‭. ‬فالغواصات‭ ‬والقطع‭ ‬التابعة‭ ‬للأسطول‭ ‬الشمالي‭ ‬الروسي‭ ‬التي‭ ‬تتجه‭ ‬من‭ ‬قواعد‭ ‬شمال‭ ‬روسيا‭ ‬إلى‭ ‬المساحات‭ ‬المفتوحة‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬الأطلسي‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬الجغرافيا‭ ‬البحرية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬تاريخياً‭ ‬منطقة‭ ‬رئيسية‭ ‬للاستطلاع‭ ‬والحرب‭ ‬المضادة‭ ‬للغواصات‭. ‬والناتو‭ ‬نفسه‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يعد‭ ‬GIUK‭ ‬ممراً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬ومنطقة‭ ‬إنذار‭ ‬مبكر‭ ‬ذات‭ ‬أهمية‭ ‬مباشرة‭ ‬لحرية‭ ‬عمل‭ ‬الحلف‭ ‬وخطوط‭ ‬الاتصال‭ ‬بين‭ ‬أميركا‭ ‬الشمالية‭ ‬وأوروبا‭. ‬

غرينلاند‭ ‬إذن‭ ‬لا‭ ‬‮«‬تغلق‮»‬‭ ‬الأطلسي‭ ‬أمام‭ ‬روسيا‭ ‬وحدها،‭ ‬لكنها‭ ‬تشكل‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أضلاع‭ ‬الجغرافيا‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬عبور‭ ‬القوة‭ ‬البحرية‭ ‬الروسية‭ ‬أكثر‭ ‬قابلية‭ ‬للرصد‭ ‬والتتبع‭ ‬والاعتراض‭.‬

‮«‬الهيمنة‭ ‬الصامتة‮»‬‭: ‬من‭ ‬القاعدة‭ ‬إلى‭ ‬القنصلية

لكن‭ ‬واشنطن‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬غرينلاند‭ ‬بالسلاح‭ ‬وحده‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬2020‭ ‬أعادت‭ ‬فتح‭ ‬قنصليتها‭ ‬في‭ ‬نوك‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬منذ‭ ‬إغلاق‭ ‬القنصلية‭ ‬السابقة‭ ‬عام‭ ‬1953،‭ ‬وأعلنت‭ ‬أن‭ ‬الخطوة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تعميق‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬غرينلاند‭ ‬ومملكة‭ ‬الدنمارك‭ ‬وتعزيز‭ ‬المشاركة‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬القطب‭ ‬الشمالي‭. ‬

وهنا‭ ‬يمكن‭ ‬استخدام‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الهيمنة‭ ‬الصامتة‮»‬‭ ‬بوصفه‭ ‬قراءة‭ ‬استراتيجية،‭ ‬لا‭ ‬اسماً‭ ‬لعقيدة‭ ‬أميركية‭ ‬معلنة‭: ‬قاعدة‭ ‬فضائية،‭ ‬إنذار‭ ‬صاروخي،‭ ‬مراقبة‭ ‬بحرية،‭ ‬قنصلية،‭ ‬تعاون‭ ‬اقتصادي،‭ ‬ومنافسة‭ ‬على‭ ‬المعادن؛‭ ‬أدوات‭ ‬لا‭ ‬تنقل‭ ‬السيادة‭ ‬القانونية،‭ ‬لكنها‭ ‬توسع‭ ‬قدرة‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬البيئة‭ ‬الأمنية‭ ‬المحيطة‭ ‬بالجزيرة‭.‬

وفي‭ ‬الجهة‭ ‬المقابلة،‭ ‬أعلنت‭ ‬الصين‭ ‬رسمياً‭ ‬في‭ ‬وثيقتها‭ ‬القطبية‭ ‬لعام‭ ‬2018‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬دولة‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬القطب‭ ‬الشمالي‮»‬،‭ ‬وربطت‭ ‬مشاركتها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬بتطوير‭ ‬طرق‭ ‬الملاحة‭ ‬والموارد‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬ودعت‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬‮«‬طريق‭ ‬الحرير‭ ‬القطبي‮»‬‭. ‬وهكذا‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المنافسة‭ ‬حول‭ ‬غرينلاند‭ ‬عسكرية‭ ‬أميركية〝روسية‭ ‬فقط؛‭ ‬بل‭ ‬دخلتها‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والممرات‭ ‬والموارد‭. ‬

المعادن‭ ‬والممرات‭: ‬الجغرافيا‭ ‬تحت‭ ‬الجليد

وتحت‭ ‬سطح‭ ‬هذه‭ ‬الجغرافيا‭ ‬العسكرية‭ ‬توجد‭ ‬جغرافيا‭ ‬اقتصادية‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭. ‬فغرينلاند‭ ‬تحتوي‭ ‬موارد‭ ‬معدنية‭ ‬حرجة‭ ‬وعناصر‭ ‬أرضية‭ ‬نادرة‭ ‬مطلوبة‭ ‬للصناعات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والطاقة‭ ‬والتطبيقات‭ ‬الدفاعية،‭ ‬بينما‭ ‬ترى‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬القطبية‭ ‬مجالاً‭ ‬مستقبلياً‭ ‬للتجارة‭ ‬الدولية‭ ‬وتعلن‭ ‬رسمياً‭ ‬دعم‭ ‬مشاركة‭ ‬شركاتها‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والاستغلال‭ ‬القانوني‭ ‬للموارد‭. ‬لذلك‭ ‬يصبح‭ ‬منع‭ ‬نشوء‭ ‬اعتماد‭ ‬غربي‭ ‬جديد‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬توريد‭ ‬خاضعة‭ ‬للصين‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الحساب‭ ‬الأميركي‭ ‬الأوسع‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭. ‬

ومع‭ ‬تراجع‭ ‬الغطاء‭ ‬الجليدي‭ ‬وزيادة‭ ‬إمكانية‭ ‬استخدام‭ ‬طرق‭ ‬الملاحة‭ ‬الشمالية،‭ ‬تتضاعف‭ ‬قيمة‭ ‬غرينلاند‭: ‬عين‭ ‬على‭ ‬السماء،‭ ‬وضلع‭ ‬في‭ ‬بوابة‭ ‬الأطلسي،‭ ‬وموقع‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬الجديدة،‭ ‬وخزان‭ ‬محتمل‭ ‬لمواد‭ ‬يصنع‭ ‬بها‭ ‬اقتصاد‭ ‬وسلاح‭ ‬المستقبل‭.‬

الاتفاق‭ ‬الجديد‭: ‬السيادة‭ ‬تبقى‮…‬‭ ‬والوظيفة‭ ‬تتسع

في‭ ‬18‭ ‬أيلول‭/‬سبتمبر‭ ‬2026‭ ‬أعلنت‭ ‬الدنمارك‭ ‬وغرينلاند‭ ‬رسمياً‭ ‬أن‭ ‬الحكومات‭ ‬الثلاث‭ ‬ــ‭ ‬الدنمارك‭ ‬وغرينلاند‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ــ‭ ‬تتوقع‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬لتعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬القطب‭ ‬الشمالي‭ ‬وشمال‭ ‬الأطلسي‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬اجتماعات‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬بعد‭ ‬استكمال‭ ‬الإجراءات‭ ‬البرلمانية‭ ‬اللازمة‭. ‬وأكدت‭ ‬رئيسة‭ ‬الوزراء‭ ‬الدنماركية‭ ‬ميت‭ ‬فريدريكسن‭ ‬أن‭ ‬الاتفاق‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬سيادة‭ ‬المملكة‭ ‬وسلامة‭ ‬أراضيها‭ ‬وحق‭ ‬شعب‭ ‬غرينلاند‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬المصير،‭ ‬بينما‭ ‬وصف‭ ‬رئيس‭ ‬حكومة‭ ‬غرينلاند‭ ‬ينس‭ ‬فريدريك‭ ‬نيلسن‭ ‬الاتفاق‭ ‬بأنه‭ ‬يعزز‭ ‬أمن‭ ‬غرينلاند‭ ‬والدنمارك‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والتحالف‭ ‬الغربي‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬التفاصيل‭ ‬القانونية‭ ‬الكاملة‭ ‬للاتفاق‭ ‬منشورة‭ ‬في‭ ‬البيان‭ ‬الرسمي‭ ‬حتى‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ‭. ‬

وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬المفارقة‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬موضوع‭ ‬المقال‭ ‬كله‭: ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬غرينلاند‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬أرضاً‭ ‬أميركية‭ ‬لكي‭ ‬تصبح‭ ‬وظيفتها‭ ‬الأمنية‭ ‬أكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بالمنظومة‭ ‬الأميركية‭.‬

الخاتمة

عندما‭ ‬طرح‭ ‬ترامب‭ ‬سابقاً‭ ‬فكرة‭ ‬شراء‭ ‬غرينلاند،‭ ‬بدا‭ ‬الأمر‭ ‬عودة‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬جيوسياسي‭ ‬قديم‭: ‬امتلاك‭ ‬الأرض‭ ‬لكي‭ ‬تمتلك‭ ‬قيمتها‭. ‬أما‭ ‬المسار‭ ‬الحالي‭ ‬فيفتح‭ ‬نموذجاً‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً؛‭ ‬تبقى‭ ‬السيادة‭ ‬القانونية‭ ‬دنماركية،‭ ‬ويبقى‭ ‬لشعب‭ ‬غرينلاند‭ ‬حق‭ ‬تقرير‭ ‬المصير،‭ ‬بينما‭ ‬تتسع‭ ‬أهمية‭ ‬الجزيرة‭ ‬داخل‭ ‬منظومة‭ ‬الدفاع‭ ‬والفضاء‭ ‬والمراقبة‭ ‬الأميركية‭-‬الأطلسية‭.‬

لهذا‭ ‬لا‭ ‬تُشبه‭ ‬غرينلاند‭ ‬حاملة‭ ‬طائرات‭ ‬لأنها‭ ‬تحمل‭ ‬الطائرات‭ ‬فحسب؛‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬تجمع‭ ‬في‭ ‬كتلة‭ ‬جغرافية‭ ‬واحدة‭ ‬وظائف‭ ‬تحتاج‭ ‬القوة‭ ‬البحرية‭ ‬عادة‭ ‬إلى‭ ‬منظومات‭ ‬متعددة‭ ‬لتحقيقها‭: ‬الإنذار،‭ ‬والمراقبة،‭ ‬والتمركز،‭ ‬وحماية‭ ‬الممرات،‭ ‬والاقتراب‭ ‬من‭ ‬اتجاه‭ ‬التهديد‭.‬

واشنطن‭ ‬لم‭ ‬تشترِ‭ ‬غرينلاند؛‭ ‬لكنها‭ ‬اقتربت‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬الحساب‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬الشراء‭: ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬السيادة‭ ‬لغيرها،‭ ‬فيما‭ ‬تصبح‭ ‬وظيفة‭ ‬الجغرافيا‭ ‬جزءاً‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬منظومتها‭ ‬الأمنية‭.‬