قانون‭ ‬المحبة – محمد زكي ابراهيم

تعلمنا‭ ‬ونحن‭ ‬صغار،‭ ‬أن‭ ‬نحترم‭ ‬الكبير،‭ ‬ونهابه،‭ ‬ونتودد‭ ‬إليه،‭ ‬ولا‭ ‬ندع‭ ‬وسيلة‭ ‬لإظهار‭ ‬تقديرنا‭ ‬له‭ ‬إلا‭ ‬سلكناها،‭ ‬ولا‭ ‬بوابة‭ ‬لإظهار‭ ‬الولاء‭ ‬إلا‭ ‬طرقناها،‭ ‬لأن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬السلوك،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أنه‭ ‬دليل‭ ‬التربية‭ ‬الحسنة،‭ ‬والنشأة‭ ‬الراقية،‭ ‬فإنه‭ ‬يجلب‭ ‬عطف‭ ‬الآخر،‭ ‬ومحبته،‭ ‬وتسامحه،‭ ‬واهتمامه‭.‬

وحينما‭ ‬كبرنا،‭ ‬وجدنا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التعامل‭ ‬هو‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬وتربوية‭ ‬ومهنية،‭ ‬وأن‭ ‬الموظف‭ ‬الصغير‭ ‬الذي‭ ‬يتصرف‭ ‬بأدب‭ ‬جم‭ ‬مع‭ ‬رؤسائه،‭ ‬ويؤدي‭ ‬واجبه‭ ‬بكل‭ ‬حرص‭ ‬وأمانة،‭ ‬يجد‭ ‬لديهم‭ ‬الشعور‭ ‬ذاته،‭ ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬أظهر‭ ‬بعض‭ ‬الفظاظة،‭ ‬أو‭ ‬تصرف‭ ‬بخشونة‭ ‬طبع،‭ ‬أو‭ ‬طفح‭ ‬به‭ ‬الكيل‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬ما،‭ ‬فلن‭ ‬يناله‭ ‬سوى‭ ‬الإجحاف،‭ ‬ورد‭ ‬الفعل‭ ‬القاسي،‭ ‬وأحياناً‭ ‬العقوبة‭ ‬المشددة‭.‬

مثل‭ ‬هذه‭ ‬الظواهر‭ ‬يعرفها‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬لأنهم‭ ‬مروا‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬بأنماط‭ ‬منها،‭ ‬وتصل‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الزعامات‭ ‬والقيادات‭ ‬الإدارية،‭ ‬فما‭ ‬يصح‭ ‬على‭ ‬الموظف‭ ‬المسكين،‭ ‬يصح‭ ‬على‭ ‬ولاة‭ ‬أمره‭ ‬أيضاً،‭ ‬وما‭ ‬يتعرض‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬تعنيف‭ ‬أو‭ ‬لوم،‭ ‬يتعرض‭ ‬له‭ ‬هؤلاء‭ ‬بالعزل،‭ ‬أو‭ ‬السجن،‭ ‬وأحياناً‭ ‬الإعدام‭!.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬جال‭ ‬في‭ ‬خاطري‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بالأفراد‭ ‬وحدهم،‭ ‬بل‭ ‬بالمجتمعات‭ ‬ككل‭.‬

فهناك‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬مجموعات‭ ‬صغيرة،‭ ‬وأغلبية‭ ‬كبيرة‭.‬

ويتحكم‭ ‬مبدأ‭ ‬الاحترام‭ ‬والانقياد‭ ‬بالوضع‭ ‬ذاته،‭ ‬فليس‭ ‬من‭ ‬المناسب‭ ‬أن‭ ‬تحاول‭ ‬الأولى‭ ‬استفزاز‭ ‬الثانية،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬تتمدد‭ ‬على‭ ‬حسابها‭.‬

وليس‭ ‬من‭ ‬المعقول‭ ‬أن‭ ‬تعبث‭ ‬بالأمن‭ ‬والنظام،‭ ‬بحجة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى،‭ ‬وهي‭ ‬تعلم‭ ‬أنها‭ ‬لن‭ ‬تحصل‭ ‬بذلك‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تريده‭.‬

وربما‭ ‬يحيق‭ ‬بها‭ ‬الضرر‭ ‬أو‭ ‬ينزل‭ ‬بها‭ ‬العقاب،‭ ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬تصرفت‭ ‬بشكل‭ ‬ودي،‭ ‬ومدت‭ ‬جسور‭ ‬المحبة،‭ ‬وتناست‭ ‬خلافاتها‭ ‬العقائدية‭ ‬وامتداداتها‭ ‬العرقية،‭ ‬فستحصد‭ ‬نتيجة‭ ‬ذلك‭ ‬الدعم‭ ‬والمحبة‭ ‬والتبجيل‭.‬

والأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬كثيرة‭. ‬فقد‭ ‬مرت‭ ‬شعوب‭ ‬أوربا‭ ‬بظروف‭ ‬شاذة،‭ ‬وتعرضت‭ ‬لانقسامات‭ ‬مذهبية،‭ ‬وعصفت‭ ‬بها‭ ‬الإقطاعات‭ ‬والإمارات‭ ‬الصغيرة،‭ ‬لكنها‭ ‬وجدت‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تحصد‭ ‬سوى‭ ‬الفوضى‭ ‬والخراب‭.‬

وكان‭ ‬أن‭ ‬وضعت‭ ‬كل‭ ‬مقدراتها‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬الأغلبية،‭ ‬وآمنت‭ ‬أنها‭ ‬ستنهض‭ ‬بالبلاد‭ ‬والعباد،‭ ‬وتقيم‭ ‬العدل‭ ‬والإنصاف‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬وروسيا،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الشمال‭.‬

وقد‭ ‬مر‭ ‬العراق‭ ‬بظروف‭ ‬مشابهة‭ ‬بعد‭ ‬تفكك‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬العثمانية،‭ ‬التي‭ ‬أثقل‭ ‬وجودها‭ ‬كاهل‭ ‬العراقيين،‭ ‬وتنفسوا‭ ‬الصعداء‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة،‭ ‬عرفوا‭ ‬فيها‭ ‬طعم‭ ‬الوداد‭ ‬والمحبة،‭ ‬ولو‭ ‬في‭ ‬درجاته‭ ‬الدنيا‭.‬

لكن‭ ‬الأمور‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬انقلبت‭ ‬رأساً‭ ‬على‭ ‬عقب‭ ‬بعد‭ ‬مدة،‭ ‬وبدأت‭ ‬الأقليات‭ ‬بالتعامل‭ ‬مع‭ ‬الجماعة‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬التمرد،‭ ‬والقمع،‭ ‬وإثارة‭ ‬الفتن،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬قوانين‭ ‬التاريخ‭ ‬لا‭ ‬تتغير،‭ ‬وأن‭ ‬التعامل‭ ‬بقدر‭ ‬من‭ ‬الولاء‭ ‬والاحترام،‭ ‬سيرفع‭ ‬من‭ ‬رصيدها‭ ‬الشعبي‭.‬

ومن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يستغل‭ ‬الأعداء‭ ‬هذه‭ ‬الظروف،‭ ‬ويثيروا‭ ‬الفتن،‭ ‬ويشجعوا‭ ‬المجموعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬على‭ ‬الثورة،‭ ‬فتبتهج‭ ‬بعض‭ ‬الأطراف،‭ ‬وتملؤها‭ ‬الفرحة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تدرك‭ ‬أنها‭ ‬الخاسر‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الأحوال،‭ ‬لأنها‭ ‬ستفقد‭ ‬أثمن‭ ‬ما‭ ‬تملكه،‭ ‬وهو‭ ‬محبة‭ ‬الغير،‭ ‬والاندماج‭ ‬مع‭ ‬الأخوة،‭ ‬والشروع‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الحضارة،‭ ‬وتقوم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ذلك‭ ‬بالتحالف‭ ‬مع‭ ‬قوى‭ ‬خارجية،‭ ‬لزحزحة‭ ‬الكبار‭ ‬عن‭ ‬موقع‭ ‬القرار،‭ ‬وهي‭ ‬تعلم‭ ‬أنها‭ ‬ستتخلى‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام‭.‬

إن‭ ‬الخلافات‭ ‬والفتن‭ ‬والحروب‭ ‬لا‭ ‬يوقفها‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬الأعداء،‭ ‬بل‭ ‬الاندماج‭ ‬مع‭ ‬الأقرباء،‭ ‬والثورة‭ ‬الناجحة‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬برفع‭ ‬السلاح،‭ ‬وإثارة‭ ‬الخصومات،‭ ‬بل‭ ‬بالمحبة‭ ‬والتعاون‭ ‬مع‭ ‬الأشقاء،‭ ‬فهؤلاء‭ ‬بحكم‭ ‬كثرتهم‭ ‬العددية،‭ ‬ووجودهم‭ ‬الكثيف‭ ‬سيكونون‭ ‬ميالين‭ ‬لمن‭ ‬يبادلهم‭ ‬الود،‭ ‬ويمحضهم‭ ‬النصيحة‭.‬

ولست‭ ‬أرى‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬ما‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬قليل‭ ‬أو‭ ‬كثير،‭ ‬فإن‭ ‬خفض‭ ‬الصوت‭ ‬لا‭ ‬يشي‭ ‬الضعف،‭ ‬والانقياد‭ ‬للكبير‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الذل،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬العميق‭ ‬لقوانين‭ ‬التاريخ،‭ ‬وهو‭ ‬السبيل‭ ‬الوحيد‭ ‬والأمثل‭ ‬لبناء‭ ‬مجتمع‭ ‬فاضل،‭ ‬هانئ‭ ‬ومستقر،‭ ‬يعيش‭ ‬أبناؤه‭ ‬في‭ ‬طمأنينة‭ ‬وعز،‭ ‬ويسيرون‭ ‬بثبات‭ ‬نحو‭ ‬الرفاهية‭ ‬والتقدم‭. ‬