خفايا جامع النبي جرجيس وعلاقته بشيال العلم

 

 

اخلاص السليم

 

 

جامع نبي الله جرجيس عليه السلام مهوى قلوب أهل الموصل وأحد جوامعها التاريخية

أولا. الموقع والتاريخ

جامع نبي الله جرجيس عليه السلام مهوى قلوب أهل الموصل، وأحد جوامعها التاريخية. يقع في وسط مدينة الموصل القديمة، في قلبها النابض.

يعود تاريخ بناء هذا الجامع إلى القرن الثالث الهجري، كما هو مثبت على باب الجامع. وقيل إن بناءه يعود إلى زمن الخلافة العباسية.

وكان الجامع محط أنظار الرحالة العرب. فقد زاره الرحالة ابن بطوطة، والرحالة ابن جبير الذي قال: وقد شرفت مدينة الموصل بتربة نبي الله جرجيس.

ثانيا. الساعة الشمسية والبئر والمقتنيات

على يمين الداخل إلى الجامع ساعة شمسية. وعندما أعيد بناء الجامع بعد أحداث عام ألفين وأربعة عشر، قام الدكتور المهندس أحمد العمري بصنع ساعة شمسية موجودة على الجدار الأيمن.

وكان هناك بئر أيضا يشرب منه الناس، خاصة المرضى، رجاء الشفاء.

ومن مقتنيات الجامع كانت شعرات لحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيف يعود لمحمود باشا الجليلي.

ثالثا. ذكريات أهل الموصل

ولأهالي الموصل في هذا الجامع ذكريات جميلة. منها أنه في يوم مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم يجتمع الناس، نساء وأطفالا، في باحة الجامع لتوزيع الحلوى. ثم عند صلاة الظهر يقوم المسؤول عن الجامع بإخراج شعرات النبي صلى الله عليه وسلم لتقبيلها والتبرك بها.

وهكذا يجتمع الناس في ساحة الجامع وقت الأذان للإفطار، وكانوا يطعمون الفقراء. وعلى منارة الجامع المرتفعة، في زمان انعدام المكبرات، كان يخرج شخص يرفع علما إيذانا بدخول وقت الصلاة والإفطار.

وفي يوم الخميس كانوا يطوفون في الأزقة ويقولون: أيها الناس، غدا يوم الجمعة، بالصلاة على رسول الله، بادروا إلى الصلاة قبل الفوت، وبالتوبة قبل الموت.

رابعا. بيت شيال العلم

وهنا في مدينة الموصل عائلة تعرف ببيت شيال العلم.

قد يتبادر إلى الأذهان هذا العنوان، وربما يكون على صيغة سؤال ولا مجيب له. فمن هنا إليكم الخبر الأكيد، والوثائق الدامغة بالتفرد لهذا اللقب حصريا لأبناء هذه العشيرة. وللإجابة عن هذا السؤال نقول: شيال العلم.

لقب اقترن بعائلة موصلية من قبيلة المولى، حيث سكنت قلب الموصل عندما كانت تغلق أبواب حاراتها ومناطقها مساء، وتفتح عند الصباح. فكانت من سكان منطقة باب البيض، محلة المنصورية.

ولهذه العائلة صبغة دينية. عرفت بالرقية الشرعية على المرضى من الذين يعانون من ذهاب العقل. فكان للشيخ أحمد الشيخ ياسين الإشراف على المرضى ومعالجتهم بالرقية الشرعية، وتدريبهم نفسيا وعقائديا واجتماعيا. فكان المريض يمكث في دارهم وكأنه أحد أفراد العائلة حتى يتحسن ويتماثل للشفاء من مرضه، ليعود إلى أهله مشافى ومعافى.

وبالعودة إلى اللقب، فكان شيوخ هذه العائلة شيوخ طريقة، زاهدين في أمور الدنيا، حيث كان مقر تواجدهم في جامع النبي جرجيس عليه السلام.

خامسا. العلم الأخضر

وعن تاريخ العلم الذي اتكأ والتصق بهذا المنبر الشريف لأعوام بلغت أكثر من مئة وخمسين عاما، فالعلم أخضر اللون، تحيط به من الجهات الأربع أسماء الله الحسنى، وتتوسطه عبارة: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وكان يرفع في منارة الجامع، ويلوح به ويطاف به في الأسواق والمناطق في أيام الجمع والمناسبات الدينية والأعياد. ويلتف حوله الناس مهللين ومكبرين وذاكرين الله، ويواصلون المسير إلى جامع النبي جرجيس عليه السلام لأداء صلاة الجمعة أو العيد. وبعدها يوضع قرب المنبر.

وبقي هذا العلم إرثا تاريخيا لمدينة الموصل، ليخرج سنويا من مكانه في عيد مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، محتفلا مع محبي رسولنا الكريم بهذه المناسبة، ثم يعود ويتكئ بالمنبر حيث مكانه.

سادسا. بعد أحداث ألفين وأربعة عشر

وفي عام ألفين وأربعة عشر دفن هذا العلم تحت أنقاض الجامع بعد تفجيره من قبل داعش، لينام خمس سنوات ملتحفا الحجارة والتراب، حتى جاءت اللحظة بإعمار الجامع وإعادته صرحا تاريخيا ومعلما دينيا لمدينة الموصل.

فقام رجال عشيرة شيال العلم بتنظيم علم جديد بنفس المواصفات، وبجودة قماش أفضل، لهذا الإرث الديني، وليبقى الاسم والمسمى ملتصقا بهذا العلم الذي عاش مع أبنائه، واكتسبوا به طيب الصيت.

سابعا. من توالى على حمل العلم

وقد توالى على حمل العلم أشخاص عديدون. نذكر منهم الشيخ عبدالله بن الشيخ ياسين بن الشيخ طه، ثم ولده الشيخ عثمان بن الشيخ عبدالله بن الشيخ ياسين، ثم الشيخ محمود بن الشيخ أحمد، ومن ثم الشيخ محمود بن الشيخ عثمان بن الشيخ عبدالله، وهو آخر من حمل العلم.

وأقدم وثيقة سجلت للفخذ ترجع إلى عام ألف وتسعمائة وتسعة عشر، وتتضمن قرار المجلس العلمي لأوقاف الموصل بتكليف الشيخ محمود الشيخ عثمان بحمل العلم.

وتوقف العمل برفع العلم في عام ألف وتسعمائة واثنين وستين بقرار من الأوقاف، لظهور مكبرات الصوت.