

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
لا يأتي التفكيك في رواية حد الغواية للروائي عمرو عافية بوصفه هدماً للحكاية، وإنما بوصفه طريقة أخرى لرؤيتها، وهذه هي النقطة التي تلتقي فيها الرواية بالفن التكعيبي التقاءً عميقاً. فالفنان التكعيبي لا يكتفي بالنظر إلى الشيء من زاوية واحدة، بل يفكك صورته المستقرة، ويعرض جوانبه المتعددة في سطح واحد، بحيث تصبح العين مطالبة بإعادة تركيب ما تراه. وعلى نحو مماثل، يفكك عمرو عرفة عالمه الروائي إلى أمكنة وأزمنة وذكريات ووجوه ومواقف، ثم يترك بينها مسافات مقصودة لا لكي يضلل القارئ، وإنما لكي يجعله شريكاً في صناعة الدلالة. باريس ليست باريس وحدها، والإسكندرية ليست الإسكندرية وحدها، فكل مكان يحمل فوق سطحه مكاناً آخر، وكل لحظة تستدعي زمناً غائباً، وكل شخصية تبدو وكأنها تحمل في داخلها شخصياتها الممكنة والماضية والمخفية. وحتى طارق لا يظهر في صورة نفسية مكتملة، بل يتوزع بين الصحفي والعاشق والمتردد والباحث والهارب من الحقيقة، ولذلك فإن الشخصية، مثل الوجه التكعيبي، لا تستنفدها زاوية واحدة. ومن هنا يصبح التفكيك في الرواية فعل كشف لا فعل إلغاء: يفكك الكاتب الصورة المألوفة لكي يكشف ما تخفيه، ويفكك الزمن لكي يكشف أثر الماضي في الحاضر، ويفكك المكان لكي يكشف طبقاته الإنسانية، ويفكك الشخصية لكي يصل إلى تناقضاتها العميقة. وإذا كانت اللوحة التكعيبية تعيد تشكيل الواقع بعد تفكيكه، فإن رواية “حدّ الغواية” تفعل الشيء نفسه باللغة، إنها لا تمنحنا العالم جاهزاً، بل تمنحنا شظاياه، ثم تدع القارئ يجمعها ليكتشف أن الصورة التي ظنها مكتملة في البداية لم تكن إلا وجهاً واحداً من وجوه الحقيقة.
– لو طلبت منك الآن أن تختصر حد الغواية في سؤال فلسفي واحد لا في جملة أدبية ، فما السؤال الذي ستضعه أمام القارئ؟
كثيرا ما يكون وضع الأسئلة أصعب من البحث عن الإجابات وربما أكثر أهمية منها. فلنتذكر مثلا كتاب مثل ( الهوامل والشوامل) فكثيرون يجدون أن أسئلة أبي حيان التوحيدي أكثر أهمية وإعمالا للعقل من إجابات ابن مسكويه التي كانت إلى حد كبير نمطية وملتزمة بالقواعد الفلسفية العامة، عكس الأسئلة التي كانت صادمة متنوعة تعكس قلقا وجوديا وذكاء حادا.
ولذلك ما هو السؤال الفلسفي الذي من الممكن أن نضعه هنا لاختصار رواية ـ حد الغواية ؟ هل الإنسان يختار غواياته بحرية، أم أن حاجته إلى الحب والمعنى والانتماء هي التي تختار عنه؟وأظن أن السؤال لا يخص شخصية واحدة فقط، بل يمكن إسقاطه على هاشم، وطارق، وسارة، وأيمن، وسميحة، بل وعلى كل شخصية تبدو وكأنها تتخذ قرارًا فتدفعنا إلى التساؤل:هل كان ذلك قرارًا حرًا فعلًا، أم استجابةً لحاجة أعمق منها؟
وبصيغة أكثر فلسفية وتجريدًا: أين تنتهي حرية الإنسان ويبدأ خضوعه لما يرغب فيه؟ إنه سؤال عن الحد الفاصل بين الاختيار والافتتان. وكما هو مبين في العتبة الثانية في الرواية.( للغوايةِ حدٌ. فإن عبرتَ غـُرت أو طِرت.)في بعض المواضيع يبدو أن الجغرافيا الاجتماعية للمدينة تكشف البنية الأخلاقية للمجتمع . هل كان الاهتمام بالعشوائيات مثلا اهتماما بالمكان أم بالإنسان الذي أخفته المدينة خلف صورتها الرسمية ؟
إذا أخذنا حضور العشوائيات والأحياء الهامشية في الرواية بوصفه اختيارًا فنيًا لا مجرد وصف مكاني، فإن الاهتمام لا يبدو منصبًا على المكان في ذاته بقدر ما هو منصب على الإنسان الذي تكشفه المدينة حين تسقط عنها واجهتها الرسمية.فالمدينة في الرواية يمكن قراءتها على مستويين:
أولا: المدينة الظاهرة: الشوارع، الأماكن المعروفة، صورتها الحضارية والاجتماعية وبالطبع تاريخها التليد.
ثانيا: المدينة المستترة: المناطق العشوائية، الفقراء، المهمشون، والأشخاص الذين لا يدخلون عادة في تقديم المدينة لنفسها.
لكن في نفس الوقت لا تصبح الجغرافيا جغرافيا أخلاقية أو ذات أحكام حادة أو تمييزية. ربما كانت المدينة نفسها تتجمل بشكل ما ولا تحكم بالإقصاء إلا عندما يتدخل أخرون في التحكم بها. فنرى الصحفي طارق في بداية الأمر لا يعرف إن كان يكتب مديحا أو قدحا على نقل المهمشين من العشش التي يسكنونها على شريط القطار في منطقة في وسط البلد إلى منطقة أكثر تحضرا وإن كانت بعيدة عن المركز وهامشية لكنها تشكل حيا منظما وليس عششا عشوائية. هذا يتصل مباشرة ببنية الرواية نفسها.
فـ «حدّ الغواية» لا تهتم كثيرًا بالسطح المستقر للشخصيات، بل تبحث دائمًا عما يوجد خلفه. فخلف التدين يوجد الصراع، وخلف الحب توجد الحاجة، وخلف الهوية توجد أزمة الانتماء، وخلف المدينة الرسمية يوجد الإنسان الذي لا تريد أن تراه.
فيمكننا القول إن العشوائية هنا ليست مجرد فقر مكاني، بل استعارة لبنية اجتماعية أوسع. ولمناطق عشوائية هامشية توجد أيضا داخل الإنسان يحاول إن يخفيها عن الرائي بعدة طرق واعية وغير واعية، حتى ضمن استخدام اللغة التي يتحدث بها الأشخاص. هنا تصبح الجغرافيا في مكان في الرواية ليست فقط مكانا للعيش بل امتدادا للشخصيات نفسها.
– ما الذي نستطيع أن نقوله عن العلاقة بين الحرية والمسؤولية في هذه الرواية؟ وهل يستطيع الإنسان أن يظل حرا إذا ظل يؤجل لحظة الاختيار؟
يمكن النظر إلى الحرية والمسؤولية باعتبارهما متلازمتين لا متعارضتين. فالحرية في الرواية ليست مجرد القدرة على أن يقول الإنسان «أريد»، وإنما القدرة على أن يتحمل نتائج ما اختاره.ولهذا قد يصبح تأجيل الاختيار مسألة فلسفية مهمة جدًا. لأن تأجيل الاختيار قد يكون هو أيضا اختيارا ما.لكن الرواية تضع هذه الفكرة موضع الشك.
طارق شاهين مثال واضح على ذلك. هو يريد أن يحتفظ بإمكانية الاختيار، ولذلك يتردد ويؤجل الحسم. لكنه أيضا مستعد أن يدخل في رهان غير مأمون الجانب. ونتيجة هذا الرهان العشوائي هي التي سوف تحدد له مصيره. أن يتزوج إيناس أو يظل محتفظا بحريته. والرهان الذي قبله ليس له علاقة إطلاقا باختياراته هو أو باختيارات إيناس خطيبته، لكن في نفس الوقت لا نستطيع أن نحذف فكرة مهمة ، هو أن لا وعيه هو الذي قبل هذا الرهان كأنه كان يعرف النتيجة التي سيصل إليها، وهي نتيجة ستكون مرضية له حتى دون علمه.بل نحن قادرون على القول ليس فقط تأجيل الاختيار هو اختيار ما بل أن عدم الاختيار اختيارٌ أيضًا؟
لأن الإنسان حين يؤجل القرار لا يخرج من دائرة المسؤولية؛ فهو، في الحقيقة، يختار أن يترك الأشياء تحدث بدلًا من أن يقرر كيف تحدث. وهنا تكمن المفارقة. لأن محاولة الاحتفاظ بكل الاحتمالات قد تنتهي إلى فقدان القدرة على اختيار أي احتمال. وهنا تكمن أهمية أن يتحمل الإنسان نتيجة كل أنواع الاختيارات التي يقرر أن يخوضها. وهنا تظهر الغواية وعلاقتها بالحرية. الغواية لا تسلب الإنسان حريته بالقوة؛ بل تجعل الأمر يبدو وكأنه اختيار حر..
الشخصية تُغرى بشيء تحبه أو تحتاج إليه، ثم تبدأ في تقديم تنازلات صغيرة. وكل تنازل يبدو في لحظته اختياريًا، إلى أن تجد الشخصية نفسها وقد أصبحت داخل مسار لم تعد قادرة على الخروج منه بسهولة. وهذا ينطبق مثلا على سميحة وأخيها يوسف ووالدهما إبراهيم وصديقهما إفراييم. فكل واحد منهم ذهب إلي فلسطين أو إسرائيل من وجهة نظر مختلفة وبسبب غواية مختلفة. فالأب أراد أن يدفن فيها لأنه تصور أن الأرض مقدسة ورسالتها السلام، أما ابنه يوسف أراد أن يقيم دولة على حساب شعب مسالم، وسميحة رأت أنها ليست الأرض التي سوف يسودها السلام فعادت إلى بلدها مصر، وإفراييم كان يريد أن ينقذ صديقه يوسف من ضلالات التعصب التي وقع فيها. وكل واحد فيهم تحمل مسؤولية اتخاذ قراره بعدما وقع في غوايته. لكن كل منهم انتهي نهاية مختلفة لأن الانسياق للغواية تجعلنا إما أن نغور في سابع أرض أو نطير إلى سابع سماء كما قلنا من قبل.
إذن السؤال ليس هل نحن أحرار؟ بل إلى أي حد يظل اختيارنا حرا عندما تكون رغباتنا ومخاوفنا واحتياجاتنا هي التي تدفعنا إليه؟ تحتاج الحرية إلى لحظة يتحول فيها الاحتمال إلى موقف.الذي يرفض أن يختار كي يظل حرًا، قد ينتهي إلى أن يصبح أسيرًا لما اختاره الآخرون أو لما فرضته الظروف.وهذا يجعل المسؤولية الوجه الآخر للحرية.أن تكون حرًا يعني أن تقبل أنك لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد في منطقة الاحتمالات.
_ هل كان اختيار الطب والفلسفة والصحافة والسينما مقصودا لصناعة شبكة معرفية واحدة ، أم أن هذه المجالات دخلت الرواية لأنها جزء من تجربتك واهتماماتك الشخصية ؟
ربما كانت كل تلك الاختيارات في اللاوعي عندما كنت أكتب. وكوني خريج كلية الطب وإيضا كلية الأداب قسم فلسفة فلابد أن يكون لهما التأثير الأكبر في كتاباتي بوجه عام. ولأن أيضا الفنون ككل خاصة الموسيقى والسينما من اهتماماتي الأساسية فلابد أن يكون لهما أيضا حظ في تجربتي الأدبية. إما عن الصحافة فاختيار أن تكون مهنة الشخصية التي تربط الأحداث ببعضها هي شخصية صحفي فكان هذا لسبب تكنيكي يخدم الرواية والحبكة. فمن غير الصحفي يكون عنده الاهتمام بالأمور العامة خاصة لو أمسك بخيط ملغز أو قضية لم تحل فسيجري بها حتى يصل إلى النهاية والحقيقة كي يعرضها على نفسه أولا ثم على الآخرين؟
فذكرياتي عن الدراسة في كلية الطب ساعدتني دون شك على رسم شخصيات الأبطال الثلاثة الأساس في الرواية وهم سارة وهاشم وأيمن في نهاية سبعينات القرن الماضي. أما مرحلة الأربعينيات والخمسينيات في الجزء الخاص بقيام دولة إسرائيل والفرق بين يهود مصر وردود فعلهم على قيام تلك الدولة فكانت نتيجة لدراسة تاريخ تلك المرحلة جيدا.
– هل تأثرت بفكرة تعدد الحقيقة في السينما، حيث يمكن للحدث الواحد أن يمتلك أكثر من رواية ، أم أن هذا التعدد جاء طبيعيا من طبيعة الشخصيات نفسها؟
بالطبع. وليس بالسينما فقط بل بالحياة ذاتها. وأيضا لأن الشخصيات ليست مسطحة بسيطة واضحة. فأعماق الشخصية قد تحوي متضادات شديدة حتى الشخصية نفسها قد لا تكون على علم بين بها. أولا لأن الحقيقة لها عدة أوجه، وربما لا نجد الوجه الذي نبحث عنه أبدا.
كما أن الحقيقة الآن أصبحت مهددة جدا كلما مر بنا الزمن وتغلغل الذكاء الاصطناعي في عالمنا. سيكون من الأصعب بمقدار كبير معرفة الحقيقة بعد كل التزييف الذي نراه حولنا، وسيزيد الطين بله حتى ستصبح الأرض كلها وحلا واكتشاف الحقيقة ستصبح رابع المستحيلات بعد الثلاثة المشاهير.
– المكان عندك لا يبدو خلفية للأحداث باريس والإسكندرية تكادان تكونان شخصيتين مستقلتين . هل تكتب المكان أولا بوصفه جغرافيا ، أم بوصفه حالة نفسية؟
بالطبع المكان مهم جدا في هذه الرواية. فكل فصل من الرواية يقع في مكان مختلف عن الأخر. ويتراوح المكان من القاهرة وأسوان ومرسى مطروح في مصر، والقدس في فلسطين، وباريس ولاني سور مارن في فرنسا. لكن الإسكندرية وباريس أكثر مدينتين يتكرر ذكرهما أكثر من مرة. فالأحداث الأساسية تقع فيهما. الإسكندرية هي بداية اللغز وباريس هي محاولة إيجاد حل له. ولأني سكندري قح فلابد أن يكون لهذه المدينة وجود محوري أساس ليس فقط بوصفها مكان تدور به الأحداث لكن لها التأثير الأكبر على الشخصيات وطباعها. وفي رأيي أن على الكاتب عندما يكون للمكان ثقل واضح لابد ألا يكتفي بوصفه وصفا خارجيا حتى ولو كان دقيقا أو جميلا أو مفعما بالمشاعر، لكن المدينة نفسها هي التي يجب أن يظهر تأثيرها المباشر وغير المباشر على الشخصيات والأحداث التي تقع بها. فوقع الإسكندرية على طارق وإيناس في بداية الألفية الجديدة مختلف تماما عن وقعها على سارة وهاشم وطارق في نهاية السبعينيات، بل أن تأثيرها على كل واحد فيهم مختلف اختلاف بين. وقاهرة النصف الثاني للقرن التاسع عشر مع احتلال الإنجليز مختلف تأثيرها على سارة الجدة عن تأثيرها على ابنها إبراهيم والد سميحة ويوسف. وتأثير القدس على كل من سميحة ويوسف وإفراييم وليا وشمعون…إلخ.
حتى المكان الذي اختفي تماما من الوجود مثل الأندلس المندثر تاريخيا الموجود جغرافيا له تأثير فعال جدا على مسير الرواية ومصير الأبطال. فحلم الأندلس القديم يكاد يكون هو السبب في وقوع سميحة ومحمود حفني في الحب.
المكان نفسه يختلف اسمه من وجهة نظر الأشخاص وإحساسهم به، فمرة أورشليم يأتي بعدها فلسطين، وفي فصل أخر يأتي بعدها إسرائيل. فسميحة تعلم وتنسب أورشليم إلى فلسطين لكنها أدركت أنها مهددة بالضياع لذلك عادت إلى مصر ولم تنخدع بالحلم الصهيوني، أما يوسف أخوها فينسبها إلى إسرائيل لإيمانه بالعكس.
– هل تقبل مصطلح الرواية التكعيبية لوصف أحدى رواياتك بمعنى الرواية التي تعرض الواقع من أكثر من زاوية في الوقت نفسه، أم ترى أن المصطلح يظل استعارة نقدية لا تنتمي إلى مشروعك بصورة مباشرة؟
أولا أنا أقبل من الناقد مقولاته مهما كانت مختلفة عني أو عما قصدته لأن الناقد الحقيقي يستطيع دون شك أن يوضح حتى للكاتب ما خفي عنه في بعض الأحيان. لقد أثنى علي هذا الشكل الكاتب الكبير جميل عطية إبراهيم في مجلة الهلال يناير .2005 وفي الأصل لقد كتبت تحت عنوان الرواية جملة ـ رواية في شكل مزررـ . واعترض ساعتها الناشر على كلمة مزرر ولمح أن القارئ لن يفهم ما هو المزرر وربما سخر من الكلمة. لكنني صممت عليها.
والمزرر في العمارة وخاصة الإسلامية والتراثية مثل المملوكية والفاطمية ، يطلق على ـ العقد المزرر وهو أسلوب هندسي دقيق لتعشيق الحجارة، خاصة الأقواس وفوق الأبواب والنوافذ . وتكون الحجارة الملونة التي يتم قطعها ونحتها بأشكال متعرجة أو نتوءات وفراغات تدخل في بعضها البعض بدقة بالغة مثل الأزرار والعراوي، لضمان تماسكها الميكانيكي الشديد دون الاعتماد الكي على الملاط ( المونة) ولإعطاء مظهر زخرفي فخم. والمزرر أيضا هو الشيء الذي تم أغلاقه وضمه بطريقة الأزرار. تتكون الرواية من 18 فصلا. كل فصل يقع في مكان وزمان مختلفين. ولا تتابع الفصول بشكل زمني مستقيم كرولونوجي
فالفصول كالآني:
باريس يوليو 1998
الإسكندرية مارس 1997
الإسكندرية نوفمبر 1976
الإسكندرية أكتوبر 1980
فلسطين أورشليم أبريل 1948
الإسكندرية يناير 1978
الدار البيضاء ديسمبر 1949
مرسى مطروح يناير 1979
الأندلس فبراير 1950
أورشليم إسرائيل مايو 1948
الإسكندرية أغسطس 1979
القاهرة سبتمبر 1887
الإسكندرية نوفمبر 1982
الإسكندرية أكتوبر 1981
أسوان فبراير 1980
الإسكندرية سبتمبر 1979
الإسكندرية يونيو 1998
فرنسا لاني سور مًرن يوليو 1998
وكما نرى كل الفصول تتعاشق مع بعضها لتكوين معمار جمالي دقيق. ولا يحتاج لمونة الزمن لربطها برباط تصاعدي ولكن كل فصل يتماسك بشكل مباشر وبشدة مع الفصول الأخرى لتكون اللوحة العامة التي لو نظر إليها من بعيد لفهم الرائي الشكل المركب الكلي واستشعر جمال التكوين.وللتسهيل جعلت الفصلين الأولين والأخرين كأنها زوايا اللوحة الأربع الذي يجمعها بداية الألفية الجديدة.أما الشكل الداخلي فتتداخل به الأحداث والشخصيات والمشاعر على طوال قرن ونصف تقريبا.
أو كأن القارئ يضغط كل مرة على زر مختلف في المكان والزمان فيظهر له جزء من الجدارية الكبيرة ليستطيع أن يجمها كلها في ذهنه بعد انتهاء القراءة.
فهل نستطيع أن نصفها بالتكعيبية . لم لا؟ خاصة أن لكل زر منظورا مختلفا، لكنه على صعوبته يعطي القارئ الدؤوب الجاد رؤية عامة المفروض أن تكون مشبعة في نهاية الأمر.
واستطيع أن أقول أنني استعملت تكتيكا مشابها لذلك في رواية ـ رقصات الرؤى المشوشةـ حيث كل فصل يعرض الحدث من وجهة نظر أحد أبطال الرواية الثلاثة.وأيضا استعملت ما يقرب لهذا في رواية ـ بعد أن يسدل الستارـ فانقسمت الرواية إلى ثلاثة فصول مسرحية واستغللت ضربات المسرح الثلاث ووجود فواصل بين الفصول و النهاية لعرض أوجه نظر أشخاص المسرحية الستة في أحداثها.