الذكاء الاصطناعي في خدمة الاستكشافات وعلم الاثار

    

عاهد الحمامي

شهد علم الاثار خلال السنوات الاخيرة تحولا واضحا مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات التوثيق والتحليل والترميم والمحاكاة. الفكرة الاساسية التي اطرحها هي ان الذكاء الاصطناعي يمكن ان يتحول من اداة تقنية عامة الى وسيلة مساعدة للباحث الاثري في قراءة المادة الاثرية وفهمها واعادة تصور ما تعرض للتلف او الاندثار. ويظهر في العرض اهتمام خاص بالمحاكاة الرقمية، وبإمكان استخدام النماذج الذكية للوصول الى تمثيلات اقرب ما يمكن الى الحقيقة للمنحوتات واللقى الاثرية.

عندما نتحدث عن الاثار، فإن احدى المشكلات الاساسية تتمثل في ان الباحث غالبا ما يتعامل مع مادة ناقصة. قد تكون المنحوتة مكسورة، او تكون ملامح الوجه غير واضحة، او تتعرض الكتابة الاثرية للتلف بفعل الزمن. هنا يمكن للذكاء الاصطناعي ان يساعد في تحليل الجزء المتبقي ومقارنته ببيانات وصور ونماذج اخرى، ثم اقتراح تصور رقمي للجزء المفقود. المثال الذي يظهر في المحاضرة يرتبط باستخدام تقنيات المحاكاة لإنتاج نماذج قريبة من الحقيقة للمنحوتات الاثرية. هذه النماذج لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقيقة تاريخية نهائية، وانما باعتبارها تمثيلا رقميا مبنيا على البيانات المتاحة.

يمكن تصور تطبيق عملي لذلك في تمثال اثري فقد جزءا من الوجه. يدخل الباحث صور التمثال المتاحة، ويستخدم خوارزمية قادرة على تحليل الشكل والتماثل والتفاصيل الموجودة، ثم ينتج عدة احتمالات رقمية للجزء المفقود. يستطيع الآثاري بعد ذلك مقارنة هذه الاحتمالات بالمصادر التاريخية وبمنحوتات مشابهة من الفترة نفسها. بهذه الطريقة يصبح الذكاء الاصطناعي شريكا في عملية الاستدلال، بينما يبقى القرار العلمي للباحث.

ومن التطبيقات المهمة ايضا تحليل الصور والوثائق الاثرية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع المساعدة في التعرف على الانماط المتكررة داخل الصور، وتصنيف القطع بحسب خصائصها، وتحسين بعض الصور القديمة، واستخراج معلومات من مواد يصعب تحليلها يدويا. يمكن مثلا تدريب نموذج على مجموعة من الفخار الاثري المصنف مسبقا، بحيث يتعلم الفروق في الاشكال والزخارف والالوان، ثم يستخدم لمساعدة الباحث في تصنيف قطعة جديدة. قيمة هذه العملية تظهر خصوصا عندما تكون قواعد البيانات كبيرة ويصبح الفحص اليدوي بطيئا ومجهدا.

تظهر اهمية تقنيات الذكاء الاصطناعي كذلك في اعادة بناء المواقع الاثرية رقميا. فعندما تتوفر صور فوتوغرافية، ومخططات، وقياسات، ونماذج ثلاثية الابعاد، يمكن دمج هذه البيانات لبناء تصور رقمي لموقع اثري او مبنى تاريخي. ويمكن بعد ذلك استخدام المحاكاة لعرض الشكل المحتمل للموقع قبل تعرضه للدمار. هذا النوع من العمل لا يخدم البحث وحده، بل يفتح المجال امام التعليم والمتاحف والسياحة الثقافية، لان الزائر يستطيع رؤية الاثر في صورة تفاعلية اقرب الى حالته التاريخية المفترضة.

ارتباط هذا المجال بتقنيات ومؤسسات متقدمة في الذكاء الاصطناعي، ومنها Google DeepMind، يعكس اتساع المجال من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التقليدية الى مجالات معرفية متخصصة مثل التراث والاثار.


هناك نقطة علمية لا يمكن تجاوزها. الصورة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي قد تبدو مقنعة جدا، لكنها لا تعني بالضرورة انها صحيحة تاريخيا. فالخوارزمية تتعلم من البيانات التي اعطيت لها، وقد تنتج نتيجة منطقية بصريا لكنها غير مدعومة بدليل اثري. لذلك يجب الفصل بين التوثيق وبين اعادة البناء الافتراضي. عندما نعيد بناء وجه تمثال مفقود بواسطة الذكاء الاصطناعي، يجب ان نوضح ان النموذج يمثل فرضية مبنية على الادلة، وليس نسخة مؤكدة لما كان عليه الاثر.

من هنا يمكن فهم القيمة الحقيقية للمحاضرة. الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور الآثاري، ولا يحول الاحتمال الى حقيقة، لكنه يوسع قدرة الباحث على التعامل مع كميات كبيرة من البيانات، ويساعده في اختبار الفرضيات، ويمنحه وسائل جديدة لتوثيق التراث ومحاكاته وعرضه. المستقبل في هذا المجال يبدو مرتبطا بالتعاون بين المعرفة الاثارية والخبرة التقنية، بحيث يعمل الباحث والآلة ضمن عملية واحدة يكون فيها الدليل هو المرجع الاول.

** تقني ومدرب ذكاء اصطناعي معتمد
**المحاضرة القيت في مجلس د. جزيل الجومرد  بتاريخ 19-8-2026