الكائن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الجديد

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

إذا‭ ‬لم‭ ‬يفهم‭ ‬الناشرون‭ ‬انّ‭ ‬الكتاب‭ ‬كائن‭ ‬اجتماعي‭ ‬له‭ ‬حيز‭ ‬معتبر‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يحل‭ ‬فيه‭ ‬او‭ ‬يروم‭ ‬الانتقال‭ ‬اليه،‭ ‬فتلك‭ ‬هي‭ ‬مشكلة‭ ‬بنيوية‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬عملية‭ ‬النشر‭ ‬وممارسة‭ ‬هذه‭ ‬المهنة‭ ‬الأكثر‭ ‬تعرضا‭ ‬للاختراق‭ ‬والتشويه‭.‬

هناك‭ ‬حد‭ ‬أدنى،‭ ‬تجري‭ ‬ممارسته‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬قليلة،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬الناشرين‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يمارسه‭ ‬أصلاً،‭ ‬وهو‭ ‬حفل‭ ‬توقيع‭ ‬الكتب‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المؤلفين،‭ ‬وهذا‭ ‬ينقسم‭ ‬على‭ ‬جانبين،‭ ‬الأول،‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬شيوعاً،‭ ‬ويكون‭ ‬في‭ ‬خلال‭ ‬مشاركة‭ ‬الناشرين‭ ‬في‭ ‬معارض‭ ‬الكتب‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬تقام‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬عشرة‭ ‬عاصمة‭ ‬عربية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عام‭. ‬وفي‭ ‬المعارض‭ ‬يختار‭ ‬الناشر‭ ‬عدداً‭ ‬محدوداً‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬يحضر‭ ‬مؤلفوها‭ ‬للتوقيع‭ ‬بحسب‭ ‬رواج‭ ‬الكتاب‭ ‬او‭ ‬المؤلف‭ ‬او‭ ‬المناسبة‭.‬

والجانب‭ ‬الثاني،‭ ‬هو‭ ‬حفل‭ ‬توقيع‭ ‬الكتب‭ ‬الخاص‭ ‬الذي‭ ‬يقام‭ ‬في‭ ‬صالة‭ ‬خاصة‭ ‬وتدعى‭ ‬له‭ ‬شخصيات‭ ‬أدبية‭ ‬وفكرية‭ ‬وفنية‭ ‬واكاديمية،‭ ‬ويكون‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تنسيق‭ ‬بين‭ ‬الناشر‭ ‬والمؤلف،‭ ‬وقد‭ ‬مرّ‭ ‬أمامي‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الاحتفالات‭ ‬التي‭ ‬يكون‭ ‬المؤلف‭ ‬ذاته‭ ‬مموّلا‭ ‬له،‭ ‬وانّ‭ ‬الناشر‭ ‬يفرح‭ ‬بها‭ ‬ويسير‭ ‬معها‭ ‬كونه‭ ‬لن‭ ‬يخسر‭ ‬شيئا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬طرف‭ ‬الرابح‭ ‬من‭ ‬التواقيع‭ ‬والتوزيع‭. ‬وهنا‭ ‬يكون‭ ‬الكتاب‭ ‬المقصود‭ ‬قد‭ ‬اجتاز‭ ‬العتبة‭ ‬التقليدية‭ ‬للمعارض‭ ‬ونقاط‭ ‬التوزيع‭ ‬الى‭ ‬حيز‭ ‬اجتماعي،‭ ‬لن‭ ‬يبلغه‭ ‬أي‭ ‬مؤلف‭ ‬الا‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬متمكناً‭ ‬مالياً‭ ‬من‭ ‬تمويل‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة،‭ ‬أو‭ ‬انّ‭ ‬هناك‭ ‬وزارة‭ ‬أو‭ ‬هيئة‭ ‬أو‭ ‬مركز‭ ‬يقوم‭ ‬بتنظيم‭ ‬الحفل‭ ‬وتمويله‭. ‬وتصحب‭ ‬عمليات‭ ‬التوقيع‭ ‬في‭ ‬معارض‭ ‬الكتب‭ ‬اصدار‭ ‬بوسترات‭ ‬بالكتب‭ ‬المعنية‭. ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬هناك‭ ‬وقت‭ ‬محدود‭ ‬لأيام‭ ‬المعرض‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تستوعب‭ ‬اجراء‭ ‬احتفالات‭ ‬توقيع‭ ‬لجميع‭ ‬المؤلفين‭ ‬الذين‭ ‬لهم‭ ‬كتب‭ ‬جديدة‭.‬

ان‭ ‬وزارات‭ ‬الثقافة‭ ‬والتربية‭ ‬والتعليم‭ ‬العالي‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬في‭ ‬الانتقال‭ ‬بالكتاب‭ ‬الى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حيز‭ ‬اجتماعي‭ ‬او‭ ‬جامعي‭ ‬او‭ ‬مدرسي،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬المهمات‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬تقيم‭ ‬الصلات‭ ‬الصحيحة‭ ‬مع‭ ‬النشء‭ ‬الجديد‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬التعلق‭ ‬بالكتاب‭ ‬كخطوة‭ ‬أولى‭ ‬نحو‭ ‬التفكير‭ ‬السليم،‭ ‬وعدم‭ ‬ترك‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬موصدا،‭ ‬ونرى‭ ‬ما‭ ‬ينتج‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬شبه‭ ‬كامل‭ ‬للكتب‭ ‬خارج‭ ‬المقررات‭ ‬الدراسية‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬والمعاهد‭ ‬والمدارس‭. ‬وهناك‭ ‬دور‭ ‬غائب‭ ‬للناشرين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يمتلكون‭ ‬رؤى‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬الاسهام‭ ‬بدور‭ ‬ثقافي‭ ‬وعلمي‭ ‬مجتمعي،‭ ‬اذ‭ ‬نرى‭ ‬مخازنهم‭ ‬مليئة‭ ‬بالكتب‭ ‬التي‭ ‬مر‭ ‬على‭ ‬مرورها‭ ‬عشرون‭ ‬سنة‭ ‬وطواها‭ ‬النسيان‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬انّ‭ ‬المجال‭ ‬سيكون‭ ‬مفتوحا‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬رحاب‭ ‬الجامعات‭ ‬وأماكن‭ ‬الطلبة‭ ‬لو‭ ‬اعيد‭ ‬تسعيرها‭ ‬بشكل‭ ‬رمزي‭ ‬او‭ ‬تقدم‭ ‬كهدايا‭ ‬بوصفها‭ ‬مساهمات‭ ‬اجتماعية،‭ ‬وجرى‭ ‬التنسيق‭ ‬مع‭ ‬المؤسسات‭ ‬في‭ ‬الترويج‭ ‬لها‭.‬

لقد‭ ‬اتسعت‭ ‬دائرة‭ ‬الأمية‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية،‭ ‬واثرت‭ ‬الحروب‭ ‬وعمليات‭ ‬التهجير‭ ‬القسري‭ ‬والنزوح‭ ‬الجماعي‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬مهب‭ ‬الريح‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التعليم‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬العتبة‭ ‬الأولى‭ ‬للعبور‭ ‬نحو‭ ‬الكتاب‭ ‬وإقامة‭ ‬علاقة‭ ‬معه‭. ‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية