

تجربة فاوست: كيف يودّع كِنت ناغانو هامبورغ بأوبرا عن فيزياء الكمّ والتحليل النفسي
د. محمد غاني
في الثامن عشر من مايو 2025 قاد كِنت ناغانو على خشبة دار أوبرا هامبورغ العرض الأول العالمي لأوبرا «الوجه المظلم للقمر» للمؤلّفة الكورية الجنوبية أونسوك تشين، وهي أوبرتها الثانية بعد نجاح «أليس في بلاد العجائب». وهذا العرض هو آخر إنتاج جديد يقوده ناغانو بهامبورع. اللافت أن ناغانو نفسه كان قد قاد سنة 2007 العرض الأول لأوبرا تشين الأولى؛ أي أن الرجل يفتتح مسيرتها الأوبرالية ويختم بها فترته.
المادة الأولية للعمل واقعة موثّقة: افتتنت المؤلفة بسيرة فيزيائي الكمّ الحائز نوبل فولفغانغ باولي، الذي لجأ في أزمة نفسية إلى المحللل النفسي كارل غوستاف يونغ. غير أن هذا الأصل التاريخي ييستهلك سريعا على الخشبة: فبطلا الأوبرا الفيزيائي المرموق الدكتور كييرون، و«غورو» الروح والعافية المدعو أستاروت لم يعودا يمتّان بصلة إلى السيرتين الحقيقيتين، إذ صارا شخصيتين سلبيتين متعطّشتين للسلطة ومحتقرتين للبشر.
بالضبط ما يجعل شرايبر يقرأ العمل تحت عنوان «تجربة فاوست»: تشين تحول لقاء الفيزياء بالتحليل النفسي إلى بنية فاوستية مكتملة الأركان عالم عبقري في صدره روحان، وميفستوفيليس باسم أستاروت، وثلاث نساء لسن شخصيات بقدر ما هنّ إسقاطات نفسية يونغية: الأنيما، وكائن الضوء، والفتاة المحبوبة. وقد لخصت مجلة دي دويتشه بونه الأمر نفسه بعبارة: أوبرا توطن مأساة فاوست بين غطرسة العلوم الطبيعية وتأويل الأحلام التحليلي النفسي.
يسجل الناقد إعجابا صريحا بالنسيج الصوتي: موسيقى «معقدة متلألئة، عنيفة، جبّارة»، بألوان أوركسترالية متوهجة تجعل الأوبرا في لحظاتها الأفضل حالةَ حلمٍ سمعي. لكنه لا يجامل في النقطة الجوهرية: نقلُ التوتر الفكري بين حقلين معرفيَين إلى خشبة المسرح يظل عسير التتبّع، والحبكة التي تزوِج الفيزياء بالأسطورة تنتهي إلى ما يسميه «غروتيسكية ملتبسة» دائرة كبيرة من الأحلام والصدمات والأنات المدوية، لا نهاية مقنعة لها. وهو يقر بأن الأمر يتحقق «بمشقة، وبقدر محدود».
ما يميز مقال شرايبر أنه يقف في منطقة وسطى بين موقفين متطرفين في الصحافة الألمانية. فقد عنونت هامبورغر أبندبلات أن هذا العرض الأول «إهانة للجمهور»، وقالت إذاعة BR Klassik إن الأوبرا مخيبة للأمل وخلصت إلى أنها «متعة مفقودة، مشلة وصاخبة»، فيما اكتفت NDR بوصفها «عرضا يستقطب الآراء».
على الطرف الآخر، دافع يورن شميت في موقع كلاسيك بيغايسترت عن العمل دفاعا مشروطا: اعترف بأن الموسيقى طويلة وصاخبة ومكررة وأن النصّ الغنائي ملتو أكثر مما ينبغي وأنه يوقع على ملاحظات زملائه لكنه رأى أن قيادة ناغانو وقسم الإيقاع يكشفان عن الإمكان الكامن في العمل، وأن أحكام الإعدام سابقة لأوانها. أما مجلة نويه موزيك تسايتونغ فسجلت وقائع من نوع آخر: تصفيق حار ووقوف كثيرين في القاعة بعد العرض الأول.
وثمة إجماع، رغم الخلاف، على نقطتين. الأولى تخصّ الحجم: ثلاث ساعات ونصف لسرد قصة الباحث الذي يعقد ميثاقا مشؤوما مع الغورو أستاروت. والباريتون الأمريكي توماس ليمان، في دور كييرون، لا يكاد يحظى باستراحة غنائية واحدة طوال العرض؛ أدى المهمة باقتدار صوتي، لكنه بدا متعثرا بعض الشيء في كتلة النص الهائلة الملقاة على عاتقه. والثانية تخصّ الأوركسترا: ستة عازفي إيقاع بأكثر من مئة آلة، هم عصب هذا العمل، قادهم ناغانو في آخر إعداد أوبرالي له في هامبورغ. ورأت باخ تراك أن التأليف يبني عالما صوتيًا طيفيًّا بالغ الدقة، شاسعًا وحميميًّا في آن، لكن الكتابة الغنائية تحوم بين التعويذة والإلقاء الحرّ والترنيم التنويمي فتحرم المستمع من أي انفراج لحني وهو ما ينسجم مع نبرة العمل الاستبطانية لكنه يخاطر بالرتابة الشعورية. وخلصت المجلة إلى أن العمل يقاوم أي تأويل خطي، وأن محاولة تفسيره عبر السيرة الذاتية أو الدراماتورجيا التقليدية محكومة بالفشل.
أما الإخراج، فيكاد يكون الجانب الأقل إثارة للخلاف: تولاه الثنائي الإيرلندي «ديد سنتر» — بوش موكارزل، الذي درس التحليل النفسي بنفسه، وبن كيد بلعبٍ على الضوء والعتمة والصعود والسقوط والوحدة والقرب، وبكاميرا محمولة تبث إسقاطات حيّة، وبأزياء لـيانينا برينكمان في الرمادي والبني والأسود والأبيض تعكس عالم العلم الجافّ والوضوح المزعوم للتحليل النفسي. ويذكر أن تشين كتبت النص بنفسها بالتعاون مع كرستين شوسلر باخ.
قيمة المقال لا تفهم تماما من دون معرفة صاحبه. فولفغانغ شرايبر من مواليد كوبلنتس سنة 1939، نشأ في بينغِن وتعلّم في ثانوية شتيفان غيورغه، ودرس الفلسفة والأدب الألماني والتاريخ وعلوم الموسيقى في ماينتس وميلانو وريغنسبورغ، وعمل سبع سنوات مراسلًا في فيينا للصحف والمجلات والإذاعات، قبل أن ينتقل سنة 1978 إلى ميونيخ محرّرًا وناقدًا موسيقيًّا في زود دويتشه تسايتونغ، ثم يتفرّغ منذ 2002 للكتابة الحرّة بين ميونيخ وبرلين. أي أنه أمضى في تحرير فويتون الصحيفة نفسها ما يقارب ربع قرن (1978–2002).

وله في المكتبة الموسيقية الألمانية حضور راسخ: كتابه التعريفي عن غوستاف مالر، الصادر عن دار روفولت سنة 1971 ضمن سلسلة «الشهادات الذاتية والوثائق المصوّرة»، أُعيد طبعه مرارًا؛ وشارك سنة 1992 مع كونراد روفوس مولر وهارالد إيغِّبرِشت في كتاب عن سيرجو تشيليبيداكه؛ وأصدر سنة 2005 عن دار بيبر كتاب «قادة الأوركسترا الكبار» في 530 صفحة بمقدّمة السير بيتر جوناس، متناولًا سحر «سَحَرة العصا» على الجمهور وعلاقة عازفي الأوركسترا بهم بين الحبّ والتبجيل والكراهية؛ ثم وضع أول سيرة شاملة لكلاوديو أبّادو، وهو الذي تابع مساره عن قرب منذ سبعينيات القرن الماضي.
هذه السيرة تفسر نبرة المقال. الرجل الذي كتب كتابا كاملً عن المايسترو بوصفه ظاهرة سلطة وفتنة يعرف تمامًا كيف يفصل بين جودة القيادة الموسيقية وجودة العمل المُقاد. ولهذا يمكن قراءة «تجربة فاوست» على أنها، في العمق، مقالة وداعٍ لناغانو أكثر منها حكمًا نهائيًّا على تشين: الأوركسترا تلمع، والقائد يمسك بمادة عسيرة إمساكًا مُحكمًا — أما السؤال عمّا إذا كان بوسع الأوبرا أن تحمل على كتفيها حوارًا بين ميكانيكا الكمّ واللاوعي الجمعي، فيتركه شرايبر مفتوحًا، بجملة واحدة عن نهايةٍ «غروتيسكية ملتبسة» تكفي وتزيد. تقرير عن مقالة فولفغانغ شرايبر ” Das Faust Experiment ” على صفحات الجريدة الألمانية
” Süddeutsche Zeitung ” عدد 115 .المنشور , يوم الثلاثاء 20 ماي 2025 على ركن “Feuilleton” صفحة 10