لا تتركوا إقليم كردستان وحيداً يواجه العاصفة – د فيان فاروق

              

د فيان فاروق

اربيل

تُقاس الدول الراسخة والمستقرة بالثبات والحكمة في مواقفها السياسية الداخلية والخارجية، وكذلك التصرف على وفق قدراتها وفي ضوء ممكناتها، فضلًا عن  قراءة المستقبل بشأن منع الفوضى والاضطرابات قبل وقوعها، لا بعد أن تتفاقم وتتحول إلى ما لا يحمد عقباه، وفي هذا السياق جاءت تصريحات رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني لتضع الحقيقة أمام الجميع بلا رتوش.

فقد صرح لصحيفة الـ “الفايننشال تايمز” البريطانية،  بشأن تداعيات الانسحاب من العراق. أهم ما جاء فيها” تأكيده على أن تداعيات انسحاب القوات الأميركية، وقوات التحالف الدولية من العراق. والذي يأتي في توقيت شديد الحساسية، خصوصًا ترك الإقليم من دون توفير منظومات دفاعية، الأمر الذي يبعث على القلق، لاسيما في منطقة مشحونة بالتوتر، إذ تعرض فيها الإقليم لأكثر من ألف هجوم صاروخي، واعتداء بالطائرات المسيرة. فضلًا عن عدم الاستقرار السياسي والأمني في العراق، الأمر الذي يشكل تهديدًا حقيقيًا بالغ الخطورة لأسس النظام الاتحادي”.

لكن بالمقابل هذه ليست دعوة إلى الوصاية، ولا محاولة للتمسك بوجود عسكري أجنبي إلى ما لا نهاية. إنها مطالبة مسؤولة بألا يتحول الانسحاب إلى انسحاب من المسؤولية. فهناك فرق عميق بين انتقال أمني منظم يحفظ قدرات الردع، ويحمي المدنيين، وبين انسحاب متعجل يترك خلفه فراغًا تتسابق إلى ملئه الجماعات المسلحة، وشبكات الإرهاب العالمي، وصراعات النفوذ الإقليمي.

وبهذا السياق فإقليم كردستان له خبرات متراكمة عبر السنين، إذ إنه خَبر معنى الفراغ الأمني على مدى عقود طويلة، وقدم جراء ذلك قوافل من الشهداء، فدفع بذلك ضريبة ثقيلة، وتجرع إزاءها مرارة هذه المواقف، وفي هذه المرحلة، كذلك تقدم الصفوف في مواجهة داعش، عندما انهارت خطوط دفاع كثيرة، ودفع ثمنًا باهظاً كي لا يصل الإرهاب إلى مدن العراق والمنطقة. واليوم، لا يمكن مطالبة شعبه بأن يطمئن إلى مستقبلٍ لا تتوافر فيه ضمانات حقيقية لحماية السماء والحدود والمدن.

إن الخطر لا يكمن فقط في احتمال عودة تنظيم داعش، على الرغم من أن هذا الخطر لم يختفِ تمامًا، ولكن الأمر يتعلق بهشاشة الدولة مقابل السلاح المنفلت.

وبهذا الصدد مواقف مسرور بارزاني راسخة وصائبة ودقيقة جدًا، إذ إنه يرى أن كوردستان، لا تريد حربًا مع إيران، ولا تريد أن تكون قاعدةً لأي تهديد ضدها أو ضد أية دولة مجاورة. لكن هذا الموقف السلمي لا يعني القبول بأن تتحول أرض الإقليم إلى ساحة عقاب أو صندوق بريد للرسائل الإقليمية. وهنا تكمن أهمية الشراكة مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي. هذه الشراكة ليست مسألة عاطفية ولا اصطفافًا أيديولوجيًا، إنها شراكة أمنية وسياسية نشأت من تجربة مشتركة في مواجهة الإرهاب. وإذا كانت الإرادة الدولية جادة في درء الانتكاسات الأمنية المحتملة في العراق، فعليها ألا تتخلى عن شركائها الذين أثبتوا التزامهم، وقدرتهم على حماية الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق الشرق الأوسط تعقيدًا وحساسية.

إذًا، في العراق وعلى وفق هذه المعطيات، لا بد من معالجة جذر الأزمة، ألا وهو حصر السلاح بيد الدولة، وبناء منظومة أمنية وطنية لا تخضع للتجاذبات، وتسوية الملفات العالقة بين بغداد وأربيل على أساس الدستور والشراكة.

 إن حكومة الإقليم حين تؤيد جهود الحكومة الاتحادية في هذه الملفات، فإنها لا تدافع عن مصلحة كوردستان وحدها، ولكنها  تدافع عن فكرة العراق القادر على حماية جميع مكوناته.

العالم لا يحتاج إلى أزمة جديدة في العراق حتى يفهم مدى خطورة تجاهل التحذيرات. ومع ذلك إقليم كردستان لا يطلب من أحد أن يخوض حربًا بدلًا عنه، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن يُترك وحده أمام عاصفة يعرف الجميع مصدرها وحجم قوتها ومقدار خطورتها.

 وأمن كردستان ليس قضية محلية قابلة للتأجيل، إنه اختبار حقيقي لجدية العراق وشركائه في حماية السلام، واحترام من قاتل من أجله.