
الموصل – الزمان
احتفى مثقفو الموصل بالمنجز السردي للقاص والكاتب العراقي فاتح عبد السلام، من خلال جلسة ثقافية تضمنت قراءات نقدية وتوثيقية وحفل توقيع كتاب (المنجز السردي لفاتح عبد السلام_ مختارات نقدية ودراسات) الذي أعدته وحررته الصحفية العراقية هدير الجبوري.
وشهدت الجلسة حضورا غفيرا ضم نخبة من المثقفين والأدباء والمهتمين بالشأن الثقافي والأدبي، فضلا عن عدد من ممثلي اتحاد الأدباء والكتاب في نينوى وشخصيات ثقافية وأدبية من الموصل، فيما تناولت القراءات المقدمة جوانب متعددة من الكتاب، وما تضمنه من دراسات ومختارات نقدية وتوثيقية تتصل بتجربة الدكتور فاتح عبد السلام ومنجزه السردي والصحفي، فضلا عن الوقوف عند عدد من المحطات المهمة في تجربته الأدبية والثقافية.

وقبل بدء القراءات النقدية، تحدثت الكاتبة والصحفية هدير الجبوري، معدة ومحررة الكتاب، عن فكرة إنجازه وهيكليته وطريقة تقسيم فصوله، موضحة أن العمل جاء بعد قراءات معمقة ومتعددة لكتب الدكتور فاتح عبد السلام ومنجزه السردي، وأن هذه القراءات أسهمت في توليد فكرة إعداد كتاب يوثق جوانب من تجربته الأدبية ويقدم قراءات نقدية في منجزه.
وأشارت الجبوري إلى أن ما شجعها على خوض هذه التجربة هو ما لمسته في أعمال الدكتور فاتح عبد السلام من حضور القاص الحقيقي، صاحب المنجز المتراكم الذي تشكل عبر سنوات طويلة من الاشتغال الأدبي، وهو ما عبّر عنه لاحقا الدكتور أحمد جار الله ياسين في مداخلته بوصفه قاصا حقيقياً.
وتحدثت كذلك عن مراحل إعداد الكتاب، وما تطلبه العمل من البحث عن مصادر ومواد لم تكن متوفرة لديها، مشيرة إلى تعاون عدد من الأدباء والباحثين الذين أسهموا في رفدها بالمصادر والمعلومات، وتوفير مواد ساعدت في استكمال الكتاب وإغناء محتواه.
وأوضحت أن الكتاب جمع بين الدراسات التي تناولت المنجز الروائي والقصصي المنشور، ودراسات أخرى لم يسبق نشرها، بما يعزز الجانب التوثيقي ويفتح المجال أمام قراءات نقدية متعددة لتجربة الكاتب.
وقدم الجلسة وشارك في تقديم القراءات كل من الدكتور أحمد جار الله ياسين ، والأستاذ جعفر عبد الله أحمد ، والأستاذ أحمد الحاج،
حيث تناولوا الكتاب بالقراءة والتحليل، وأضاءوا جوانب من مضامينه والجهد التوثيقي والنقدي الذي انطوى عليه.

وكان أول المتحدثين الدكتور أحمد جار الله ياسين، أستاذ الأدب العربي الحديث في كلية الآداب بجامعة الموصل، الذي استهل مداخلته بالحديث عن ظاهرة ظهور الطارئين على كتابة القصة، مؤكدا أن الحديث في هذه الجلسة ينصب على قاص حقيقي، في إشارة إلى الدكتور فاتح عبد السلام، الذي اكتمل منجزه ونما بصورة طبيعية على امتداد سنوات طويلة من الاشتغال الأدبي.
وأوضح أن تجربة عبد السلام ليست وليدة اللحظة أو وسائل التواصل الاجتماعي أو المجاملات والأخوانيات، وإنما هي نتاج إبداع حقيقي تراكم عبر مسيرة أدبية رصينة.
وأشار جار الله إلى أن حديثه يستند إلى معايشة قريبة للدكتور فاتح عبد السلام، الذي كان أستاذا له في مادة النقد الحديث خلال المرحلة الرابعة في قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة الموصل، مبينا أنه على يديه تعرف وزملاؤه آنذاك إلى البنيوية، وإلى عدد من أفكار الحداثة في النقد والعمل الإبداعي، ولا سيما في القصة القصيرة والرواية، والتي كان يقدمها لهم بأسلوب مبسط يتناسب مع أعمارهم وقدرتهم آنذاك على استيعاب التحولات التي شهدها عالم القصة القصيرة.
وربط جار الله هذه التجربة بالخلفية الأدبية للدكتور فاتح عبد السلام، مشيرا إلى أنه ينتمي إلى عائلة ذات امتداد أدبي، إذ كان خاله الشاعر المعروف الأستاذ الشاعر الرائد شاذل طاقة، فيما كان جده حسن البزاز من شعراء الموصل المعروفين.
وتوقف جار الله عند اختياره مجموعة عين لندن موضوعا لدراسته ضمن الاشتغال على منجز الدكتور فاتح عبد السلام، وهي الدراسة غير المنشورة التي تضمنها كتاب المنجز السردي لفاتح عبد السلام: مختارات نقدية ودراسات . وركز في قراءته على العالم الذي يقدمه فاتح عبد السلام بين الشرق والغرب، وعلى طبيعة النظرة المتبادلة بينهما، وكيف يمكن للإنسان أن يعيد النظر في صورة الآخر الذي كان يُنظر إليه في مراحل معينة بوصفه خصماً، ليتحول في النص إلى إنسان يمكن فهمه والتفاعل معه بعيدا عن الأحكام المسبقة.
وأوضح أن هذا المنظور الإنساني يتجلى في عدد من شخصيات قصص فاتح عبد السلام، التي تعيش تماساً مع الآخر وتكشف عبر تجربتها عن أسئلة تتجاوز حدود المكان والثقافة. وخلص إلى أن عين لندن ليست مجرد عنوان مكاني للمجموعة، وإنما إشارة إلى منظور شمولي واسع اتخذه الكاتب في النظر إلى العالم، وإلى العلاقة بين الشرق والغرب والإنسان والآخر، بما يفتح النص على أفق معرفي وثقافي يتجاوز حدود الحكاية.
أما استاذ الادب العربي في الكلية التربوية المفتوحة في الموصل جعفر عبد الله أحمد، فقد استعاد بداية تعرفه إلى الدكتور فاتح عبد السلام، موضحا أنها تعود إلى مرحلة دراسته للماجستير، حين تناول في رسالته موضوع المكان في روايات فاتح عبد السلام، مشيرا إلى أنه حصل آنذاك على ثلاث روايات للدكتور فاتح، هي حي لذكريات الطيور، التي تتناول جانبا من الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، واكتشاف زقورة، وعندما يسخن ظهر الحوت، وهي الرواية التي فاز عنها الدكتور فاتح بجائزة الدولة في العراق عام 1993.
وانتقل عبد الله إلى الحديث عن قصة برية في قطار، ضمن المجموعة القصصية قطارات تصعد نحو السماء التي أنجزها الدكتور فاتح عبد السلام عام 2019، موضحا أن دراسته تناولت أنماط المكان في هذه القصة، وما تحمله من رؤية مغايرة في توظيف المكان داخل العمل السردي.
وأشار إلى أن البرية تمثل المكان المفتوح والشاسع الذي يحتضن أمكنة متعددة، إلا أن الدكتور فاتح عبد السلام عكس هذه الصورة، فجعل القطار، بوصفه مكانا متحركا، يحمل المكان معه وينقله إلى أمكنة متعددة، لتصبح الصورة معكوسة إذ يتحول القطار إلى المكان المركزي الذي ينشطر ويتفرع إلى أمكنة عدة.
كما تناول في مداخلته أنماط المكان وعلاقتها بالبناء الحكائي، وتوقف عند حضور المكان في العمل وعلاقته بالحدث، إلى جانب الأنماط السردية والوصفية والحوارية التي اعتمدها الكاتب.
وأشار إلى أن الدكتور فاتح عبد السلام اتكأ في قصصه ورواياته على سرد مكثف وحواري، ونجح من خلاله في حشد عدد كبير من الأمكنة وتوظيفها داخل بنية النص، بحيث لا يبقى المكان مجرد إطار يحتضن الأحداث، بل يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل السرد، ولا سيما من خلال فكرة المكان المنشطر والمتفرع التي تتجلى بوضوح في قصة برية في قطار.
ومن جانبه، أشار الأستاذ أحمد الحاج، الذي شارك في تقديم الجلسة، إلى أن كتاب هدير الجبوري تضمن عدة فصول تناولت جوانب مختلفة من منجز الكاتب، مبينا أن الفصول الأولى تناولت المنجز الروائي والمنجز القصصي للدكتور فاتح عبد السلام، فيما خصص الفصل الأخير لدراسات لم يسبق نشرها، في حين كانت الأعمال الروائية والقصصية التي تناولها الكتاب في فصوله منشورة في الأصل.
وتناول الأديب أحمد الحاج في معرض مداخلته دراسته الخاصة بالمجموعة القصصية عين لندن، التي حملت عنوان المفارقة وسطوة الذاكرة في عين لندن، موضحا أن المجموعة تنفتح على أشكال متعددة من المفارقة، من خلال مستوياتها وأنواعها، وما يرتبط بها من المنهج الدلالي والسياق داخل الجملة السردية.

وتوقف الحاج عند مفهوم سطوة الذاكرة، موضحا أن اختياره لهذا المفهوم جاء انطلاقا من أن أغلب شخصيات المجموعة تظل مشدودة إلى هاجس الحرب، وما خلفته من آثار نفسية وإنسانية تواصل حضورها في ذاكرتها، ومن بينها الموت والفقد والإعاقة والهجرة والنزوح والخوف والهلع والشك. وأشار إلى أن الحرب تمثل الثيمة الرئيسية التي تجمع هذه الشخصيات، وتفسر استمرار حضور الذاكرة بوصفها قوة فاعلة في تشكيل سلوكها ورؤيتها للعالم.
واختتم الحاج مداخلته بالحديث عن مصطلح الأنطولوجيا وعلاقته بالسرد عند فاتح عبد السلام، متوقفا عند تاريخ المصطلح ودلالاته، وما يمكن أن يضيئه في قراءة المنجز السردي للكاتب.
وأكدت الجلسة أهمية التوثيق النقدي للمنجز الأدبي العراقي، ولا سيما التجارب التي امتدت لسنوات وأسهمت في المشهد الثقافي في البلد، فيما شهدت مداخلات ونقاشات من الحاضرين حول الكتاب وتجربة الدكتور فاتح عبد السلام.
واختتمت الفعالية بتوقيع نسخ من الكتاب، وسط تفاعل لافت من الحضور، في جلسة جمعت بين القراءة النقدية والتوثيق والاحتفاء بالمنجز الثقافي العراقي.
وأقيمت الفعالية مساء الأحد 27 أيلول 2026 على قاعة مؤسسة يوسف ذنون للثقافة والفنون في حي الأندلس بالموصل، بتنظيم من مؤسسة يوسف ذنون للثقافة والفنون وبالتعاون مع اتحاد الأدباء والكتاب في نينوى…