النفط‭ ‬لن‭ ‬يحمي‭ ‬البلد

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

لنتحدث‭ ‬بالممكن‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬الباحث‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬اقتصادية،‭ ‬لست‭ ‬متأكداً‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬باحثاً‭ ‬عنها‭ ‬بالفعل؟

‭ ‬العراق‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬كونه‭ ‬دولة‭ ‬ذات‭ ‬سمة‭ ‬صناعية،‭ ‬ولا‭ ‬أقول‭ ‬صناعية،‭ ‬ولا‭ ‬توجد‭ ‬علامات‭ ‬تدلل‭ ‬على‭ ‬إمكانية‭ ‬عودته‭ ‬لذلك‭ ‬الموقع‭. ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬الى‭ ‬معامل‭ ‬معدودة‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭ ‬للإسمنت‭ ‬والنسيج‭ ‬يرجع‭ ‬تاريخها‭ ‬الى‭ ‬الاربعينات‭ ‬والخمسينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬على‭ ‬انها‭ ‬قاعدة‭ ‬انتاجية‭ ‬تناسب‭ ‬العصر‭ ‬في‭ ‬الصناعة‭.‬

بقيت‭ ‬لدينا‭ ‬الزراعة،‭ ‬التي‭ ‬تقترن‭ ‬منذ‭ ‬فجر‭ ‬التاريخ‭ ‬ببلاد‭ ‬الرافدين،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يستطيع‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬العقدين‭ ‬الأخيرين‭ ‬من‭ ‬استرجاع‭ ‬تلك‭ ‬السمة،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬الأراضي‭ ‬الخصبة‭ ‬والتوفر‭ ‬النسبي‭ ‬والعالي‭ ‬أحياناً‭ ‬للمياه‭ ‬مع‭ ‬أثر‭ ‬أزمة‭ ‬الجفاف‭ ‬وتغير‭ ‬المناخ‭ ‬العالمية‭.‬

لماذا‭ ‬لا‭ ‬يضع‭ ‬العراق‭ ‬ثقله‭ ‬كله،‭ ‬موازنة‭ ‬وتعبئة‭ ‬وإمكانية‭ ‬وانتاجاً‭ ‬وتسويقاً‭ ‬وعلاقات‭ ‬دولية‭ ‬واستثمارية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحويل‭ ‬البلد‭ ‬الى‭ ‬صاحب‭ ‬هوية‭ ‬زراعية‭ ‬قابلة‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬بالبلد‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬النفطي‭ ‬الأحادي‭ ‬مع‭ ‬التقدم‭ ‬الزمني،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬توفر‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬والضامن‭ ‬للأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬مع‭ ‬خاصية‭ ‬التصدير‭.‬

لنتعلم‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الجوار،‭ ‬فتركيا‭ ‬التي‭ ‬تفخر‭ ‬بانها‭ ‬دولة‭ ‬صناعية‭ ‬صاعدة،‭ ‬هي‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬الزراعة‭ ‬وتغزو‭ ‬منتجاتها‭ ‬الزراعية‭ ‬موائد‭ ‬الاوربيين‭ ‬كل‭ ‬صباح‭.‬

لنتعلم‭ ‬من‭ ‬سوريا،‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬طحنته‭ ‬الحرب،‭ ‬خرج‭ ‬بعد‭ ‬سنة‭ ‬ونصف‭ ‬السنة‭ ‬من‭ ‬التحرير‭ ‬ليعلن‭ ‬اكتفاءه‭ ‬من‭ ‬انتاج‭ ‬القمح‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬انّ‭ ‬وزارات‭ ‬الزراعة‭ ‬المتعاقبة‭ ‬التي‭ ‬مرّت‭ ‬بالبلد‭ ‬لا‭ ‬تتورع‭ ‬عن‭ ‬استيراد‭ ‬البصل‭ ‬والبطاطا‭ ‬والفجل،‭ ‬وهي‭ ‬مواد‭ ‬يمكن‭ ‬انتاجها‭ ‬وتصديرها‭ ‬بكميات‭ ‬مهولة،‭ ‬كما‭ ‬تفعل‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭.‬

أعرف‭ ‬جيداً،‭ ‬انّ‭ ‬وزيراً‭ ‬قادماً‭ ‬من‭ ‬اكمام‭ ‬المحاصصة‭ ‬بالكاد‭ ‬يرى‭ ‬طريقه،‭ ‬هو‭ ‬حتما‭ ‬غير‭ ‬مؤهل‭ ‬مهما‭ ‬كان،‭ ‬بالقيام‭ ‬بدور‭ ‬استراتيجي‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬دولة‭ ‬كاملة‭ ‬وراءه‭ ‬للارتقاء‭ ‬بالعراق‭ ‬الى‭ ‬هوية‭ ‬زراعية‭ ‬تكون‭ ‬له‭ ‬ضمانة‭ ‬سيادية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المستقبلي‭ ‬حتى‭ ‬تتوافر‭ ‬إمكانية‭ ‬الانتقال‭ ‬الى‭ ‬مرحلة‭ ‬التصنيع‭ ‬المتوسط‭ ‬والثقيل‭ ‬في‭ ‬عقود‭ ‬أو‭ ‬قرون‭ ‬مقبلة،‭ ‬إذا‭ ‬بقينا‭ ‬تحت‭ ‬رحمة‭ ‬معادلة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬جارية،‭ ‬ولا‭ ‬حاجة‭ ‬الى‭ ‬إعادة‭ ‬تفصيل‭ ‬القول‭ ‬فيها‭.‬

النفط‭ ‬لن‭ ‬يحمي‭ ‬بلدنا،‭ ‬سواء‭ ‬صدرنا‭ ‬ثلاثة‭ ‬ملايين‭ ‬برميل‭ ‬أو‭ ‬عشرة‭ ‬ملايين‭ ‬برميل‭. ‬هذه‭ ‬الثروة‭ ‬كانت‭ ‬مفتاحا‭ ‬لأبواب‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬ولم‭ ‬يكسب‭ ‬الشعب‭ ‬منها‭ ‬سوى‭ ‬القليل‭ .‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية