
الرباط- حاوره: عبدالحق بن رحمون
يسلط الخبير والمحلل السياسي أمين السعيد أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس، في حواره مع (الزمان) الضوء على أفق الخريطة السياسية المغربية بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية 2026 ، في ظل غياب بدائل سياسية وحزبية جديدة قوية ، حيث هنا يتضح في تحليله السياسي أن التصويت المبني على البرامج والمواقف السياسية يتراجع مقابل التصويت الشخصي والمحلي المرتبط بقوة المرشح وشبكاته وعلاقاته داخل الدائرة. وفي ما يلي تفاصيل الحوار الذي أجرته (الزمان) : مع أمين السعيد ، العضو بعدد من المؤسسات والمراكز العلمية من بينها؛ مختبر الدراسات القانونية والسياسية، ومنتدى كفاءات المغرب، والمركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات: تتجه الأربعاء المقبل، أنظار المراقبين والملاحظين والمحللين السياسيين الدوليين إلى المغرب، في أفق الإعلان عن الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها بالمغرب في 23 أيلول (شتنبر)،وفي هذا الاطار كشف لـ (الزمان) الدولية، أمين السعيد أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس، أن هذه «الانتخابات وفق تحليله، قد تكون أقرب إلى إعادة ترتيب الخريطة السياسية المغربية القائمة منها إلى إحداث تحول جذري فيها، وربط ذلك لأسباب أساسية منها ، ضعف المشاركة الانتخابية، خصوصًا لدى الشباب، وتراجع الثقة في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، وغياب بدائل سياسية وحزبية جديدة قوية. ونتيجة لذلك، يرى أن التصويت المبني على البرامج والمواقف السياسية يتراجع مقابل التصويت الشخصي والمحلي المرتبط بقوة المرشح وشبكاته وعلاقاته داخل الدائرة.»
وأكد المحلل السياسي أمين السعيد، أن 21 دائرة انتخابية ذات مقعدين، والتي توجد فيها المنافسة فيها أكثر حدة، «وقد يكون لعدد محدود جدًا من المقاعد، لها تأثير كبير في الترتيب الوطني للأحزاب. « ويرى في حوابه على أسئلة (الزمان) أن «قوة الأحزاب الكبرى في هذه الدوائر قد تعتمد بدرجة كبيرة على قوة المرشحين وشبكاتهم المحلية، وليس فقط على البرامج أو الحصيلة الحكومية.» وهنا سجل أن الرتبتين الأولى والثانية في نتائج الانتخابات ، «قد تتأثر بفوارق محدودة في المقاعد، والدوائر الجهوية المخصصة للنساء، وكذلك بالمنازعات الانتخابية وقرارات المحكمة الدستورية.».
ويرى أمين السعيد أنه لا يتوقع، بناءً على المعطيات التي يعرضها، تغييرًا جذريًا في موازين القوى مقارنة بانتخابات 2021، «إلا إذا حدث ارتفاع قوي وغير متوقع في المشاركة السياسية يمكن أن يغيّر دينامية التصويت والنتائج.» وقال الخبير أمين السعيد، عضو مختبر الدراسات القانونية والسياسية في جوابه على أسئلة (الزمان) الدولية أن انتخابات 23 أيلول (شتنبر) 2026 «لا تبدو في ضوء هذه المعطيات، أمام لحظة سياسية تؤسس لخريطة حزبية جديدة بقدر ما تبدو أمام لحظة لإعادة ترتيب الخريطة القائمة. فغياب البديل السياسي الجديد، واستمرار الأحزاب التقليدية، وتراجع التصويت السياسي، واتساع مساحة التصويت الشخصي، كلها تجعل العامل الانتخابي المحلي أكثر حضورا من العامل السياسي الوطني في عدد من الدوائر.»
كما أوضح الأستاذ الجامعي، أمين السعيد ، بعض المفارقات الأساسية لانتخابات 23 أيلول (شتنبر) 2026 تلك الصعوبات التي ظلت ما تواجهه عدد من الأحزاب الصغيرة في تحقيق تمثيل برلماني قوي، وقال إن هذه الانتخابات ّتجري في ظل غياب واضح لبدائل سياسية جديدة بالمعنى الذي يمكن أن يحدث قطيعة مع الخريطة القائمة.» فالأحزاب التي تدخل المنافسة هي، في معظمها، الأحزاب نفسها التي ظلت تؤثث المشهد السياسي المغربي خلال العقدين الأخيرين، ولا يظهر في الساحة الانتخابية حزب جديد يحمل مشروعا سياسياً مختلفا وقادرا على استقطاب الكتلة الناخبة التي ابتعدت عن الأحزاب التقليدية.
ويرى الخبير أمين السعيد، الذي ألف العديد من الكتب المتعلقة بالعلوم السياسية والقانون الدستوري، في حواره مع (الزمان) أن المشهد السياسي المغربي، «لا يعرف بروز تيارات سياسية جديدة ذات امتداد سياسي قوي، سواء تلك التي يمكن أن تكون قد انبثقت من الحركات الاحتجاجية أو من الديناميات الاجتماعية الجديدة، ولا تعرف المنافسة حضورا وازنا للوائح مستقلة قادرة على التعبير عن نفس شبابي أو عن تيار سياسي مستقل عن البنية الحزبية التقليدية.»
وأضح أن الناخب، في جزء مهم من الدوائر، «لا يجد نفسه أمام مفاضلة بين مشاريع سياسية متباينة، حيث يجد نفسه أمام المفاضلة بين أحزاب ومرشحين جرى اختبار جزء كبير منهم في تجارب سابقة.»
غير أن آفاق عدد من الأحزاب السياسية الأخرى بالنظر إليه تبقى «محدودة في الحصول على تمثيلية برلمانية قوية، بالنظر إلى عدم نجاحها في استقطاب مرشحين جاهزين وذوي حضور انتخابي قادر على المنافسة في الدوائر المحلية، ومن أبرزها حزب الديمقراطيون الجدد، وحزب جبهة القوى الديمقراطية، والحزب المغربي الحر، والحزب الديمقراطي الوطني، وحزب الشورى والاستقلال، وحزب البيئة والتنمية المستدامة، وحزب المجتمع الديمقراطي، وحزب الوسط الاجتماعي، وحزب الأمل، وحزب الوحدة والديمقراطية، وحزب الحرية والعدالة الاجتماعية، وحزب الإنصاف، وحزب العمل، وحزب النهضة، والاتحاد المغربي للديمقراطية، وحزب الإصلاح والتنمية، وحزب الخضر المغربي،. ولذلك، يظل الأفق الانتخابي لهذه الأحزاب أقرب إلى تحقيق تمثيلية جد محدودة في مجلس النواب، في حين يبدو أن حزب الاتحاد الدستوري وحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية يملكان هامشاً أكبر للتقدم ومضاعفة عدد مقاعدهما، مستفيدين من الاستقطابات السياسية والانتخابية التي قاما بها خلال الأسابيع الأخيرة، والتي مكنتهما من تعزيز لوائحهما بمرشحين ذوي حضور محلي وقدرة أكبر على المنافسة.»
وسجل أمين السعيد في حواره مع (الزمان) أن حزب الحركة الشعبية، «قد تأثر بدوره بظاهرة الترحال السياسي، بعدما فقد بعض مرشحيه الأقوياء، من بينهم، على سبيل المثال، رئيس فريقه سابقا بمجلس النواب الذي انتقل إلى حزب الاستقلال، لكنه استفاد في المقابل من الظاهرة نفسها باستقطاب عدد من المرشحين في بعض الدوائر، ومنها، على سبيل المثال، دائرة فاس الجنوبية، حيث استقطب مرشحا عن حزب التجمع الوطني للأحرار. ولذلك، فإن الرهان الأساسي للحركة الشعبية في هذه الانتخابات لا يبدو مرتبطا بتحقيق اختراق كبير، وإنما يتمثل في الصمود والحفاظ على موقعه في المرتبة الخامسة ضمن الخريطة البرلمانية.»
وفي معرض جوابه على أسئلة (الزمان) توقف المحلل السياسي والأكاديمي أمين السعيد، حول ما يعرفه المشهد السياسي المغربي، وقال «هذا المشهد يعرف معركة تكتيكية خطيرة غير معلنة حول الدوائر الانتخابية المحلية ذات المقعدين. فهذه الدوائر، وعددها 21 دائرة، وهي: (مديونة، سيدي إفني، اليوسوفية، أوسرد، تيزنيت، وادي الذهب، مولاي يعقوب، كرسيف، كلميم، الحاجب، وجدة، أسا الزاك، الفحص أنجرة، طاطا، تاوريرت، طرفاية، المضيق الفنيدق، السمارة، إفران، طانطان وجرادة)، تكتسي أهمية خاصة في تحديد ترتيب الأحزاب السياسية.»
وأوضح أن أهمية هذا المعطى تزداد في ظل «هيمنة التصويت الشخصي على جزء من هذه الدوائر. فكلما تراجع التصويت المبني على الاختيار السياسي والتصويت العقابي، ارتفعت أهمية الشبكات المحلية التي يمتلكها المرشح، سواء تعلق الأمر بشبكة المنتخبين المحليين، أو رؤساء الجماعات، أو المستشارين، أو العلاقات العائلية والاجتماعية، أو شبكات المعارف المحلية. وتتحول هذه الشبكات، في سياق العزوف الانتخابي إلى مورد انتخابي بالغ الأهمية؛ لأن المعركة لا تدور بالضرورة حول إقناع كتلة انتخابية واسعة، وإنما حول تعبئة الكتلة القادرة فعليا على الذهاب إلى صناديق الاقتراع.»
وتابع المحلل السياسي أمين السعيد، أن هذا المعطى « يكتسي أهمية أكبر بالنظر إلى طبيعة توزيع المقاعد داخل الدوائر الانتخابية المحلية؛ فالنظام الانتخابي يتيح للأحزاب السياسية إمكانية الظفر بمقعد واحد في الدوائر التي تضم أربعة أو خمسة أو ستة مقاعد، بما يسمح بتوزيع التمثيلية بين عدد من الأحزاب السياسية ويجعل المنافسة فيها أقل ارتباطا بحسم الترتيب العام بين الأحزاب. لذلك تنتقل شراسة المنافسة إلى الدوائر التي تضم ثلاثة مقاعد، وبدرجة أكبر إلى الدوائر ذات المقعدين (التي سبقت الإشارة إليها)، باعتبارها دوائر لا تسمح، في الغالب، إلا بفوز حزبين، وهو ما يجعل كل مقعد فيها ذا أثر مباشر على الترتيب الوطني. وفي هذا السياق، تبدو الأحزاب الثلاثة الأولى في المشهد الحالي، أي التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، صاحبة الحظوظ الأبرز في عدد من هذه الدوائر الثنائية (21 دائرة محلية)، غير أن مصدر قوتها الانتخابية فيها لا يرتبط، بالضرورة بحصيلتها الحكومية أو بما أنجزته خلال الولاية أو بما تقدمه من برامج أو بخطابها التواصلي، بقدر ما يرتبط بدرجة رئيسية وأساسية على طبيعة المرشحين الذين دفعت بهم وقدرتهم على تحويل الرصيد الشخصي والعلاقات والشبكات المحلية إلى أصوات ومقاعد. وهو ما يجعل المنافسة بين أضلاع التحالف الحكومي منافسة شديدة وحادة، خصوصا في الدوائر التي يمكن أن ينتقل فيها المقعد من حزب إلى آخر بفارق محدود من الأصوات.
وجوابا على سؤال : أن الانتخابات التشريعية 2026 تشبه نسختها الانتخابات السابقة التي عرفت ترشيح نفس الوجوه، حيث بقيت نفس العقلية القديمة تحتكر الترشيح، والتي تعمل على استقطاب الاعيان، واعتبار الوسط القروي خزان انتخابي.. ومع هذا المعطى تتكرر سيناريوهات الانتخابات، هل لهذا تأثير على حصيلة التقارب في النتائج ؟
وأبرز في هذا السياق المحلل السياسي، أمين السعيد، أن «التقارب المحتمل في عدد المقاعد يجعل معركة الرتبة الأولى والثانية مفتوحة على أكثر من احتمال؛ فقد لا يكون الفارق بين الأحزاب المتنافسة كبيرا بما يكفي لحسم الترتيب منذ إعلان النتائج الأولية، وقد تلعب الدوائر الجهوية المخصصة للنساء دورا مهما في تحديد الفارق النهائي، كما يمكن أن تزداد درجة التعقيد في حال تسجيل منازعات انتخابية أمام المحكمة الدستورية وما قد يترتب عنها من إلغاء بعض المقاعد أو إعادة ترتيب النتائج.»
كما أوضح أن المعركة الانتخابية قد تتحول «من منافسة على عدد كبير من المقاعد إلى منافسة على عدد محدود جدا من الدوائر الحاسمة؛ إذ إن خسارة دائرة واحدة أو دائرتين أو ثلاث دوائر في هذا النوع من الدوائر قد تكون كافية لقلب الترتيب بين الحزب المتصدر والحزب الذي يليه.»
وسجل في تحليله السياسي، أمين السعيد أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس، أن «هامشا ضيقا من المقاعد قد يصنع الفارق السياسي الأكبر، وربما تجعل نتائج بعض الدوائر المحدودة، إلى جانب مآل المنازعات الانتخابية، مسألة الرتبة الأولى والثانية مفتوحة إلى حين اكتمال الصورة النهائية للتمثيلية البرلمانية داخل مجلس النواب، مما قد يسمح بقراءة جديدة وتفسير مختلف للفقرة الأولى من الفصل 47 من دستور 2011.»
وخلص في حواره مع (الزمان) أن الانتخابات، تبقى بطبيعتها، مرآة للمفاجآت وقابلة لإفراز نتائج غير متوقعة؛
مؤكدا أنه إذا حدث «ارتفاع قوي وغير متوقع في المشاركة السياسية يمكن أن يغيّر دينامية التصويت والنتائج.»
وقال «إذ لا يمكن استبعاد أن تتمكن أحزاب مثل فيدرالية اليسار الديمقراطي، والعدالة والتنمية، والتقدم والاشتراكية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من تحقيق انتصارات سياسية، خاصة إذا شهدت المشاركة السياسية إقبالا قويا ومكثفا.»
وأوضح أن هذا المعطى لا يبدو واردا في ضوء المعطيات الحالية. وفي غياب التصويت السياسي، وضعف المشاركة، وتواضع القواعد الانتخابية للأحزاب التي تعول على هذا النوع من التصويت، فإن الأرجح أن يظل المشهد الانتخابي محافظا، في خطوطه العامة، على ملامحه الأساسية التي أفرزتها انتخابات 2021، دون تغيير جذري في موازين القوى السياسية.