
عندما اقتربت من مقهى أم كلثوم، لم أسمع (الحب كله) أو (أنت عمري)، كان صوت فيروز يغطي كل شيء وهي تغني (تذكر آخر مره شو قلتلي… فيك تظلي وممكن فيك تفلي) (زعلت بوقته وما حللته… هيدا انته… ملا انته… كيفك انته)…
تعمل ذاكرتي هذه الأيام مثل أمواج بحر على وشك النضوب، بحر متهالك وملوث يلفظ أحشاءه سأما وسقما. موجة متعبة قذقت لمخيلتي زبدا وربما ما يلبث في الأرض، أرضي بالطبع، أرضي المهجورة أو مينائي القديم، فارتسم محاطا بهالة من نور أبيض (أبو ميناء)، أبو ميناء لا يمكن اعتباره صديقا أبدا، فما بيننا زمالة عمل نافلة ومن الممكن أنها تطورت إلى تبادل السلام والتحيات لوهلة قبل وفاته، كل هذا قبل أربعين سنة ويزيد.
كنت نسيت ذكر أبي ميناء تماما، تماما، فكيف زارني طيفه بغموضه وكرشه الكبير وحزنه وسخريته أيضا؟ هناك ثقب ما، وأكاد ألامسه بيد أو أصابع تفرك التراب.
نهاية عقد السبعينات وأوائل الثمانينات أصبحت وكيلا للشركة الأفريقية، وهو عمل أقدمت عليه بكل هيبة المغامرة، وكان لهذه الشركة فرعان أو تجارتان، تجارة المواد المنزلية (ثلاجات وتلفزيونات وغيرها) والأخرى تجارة مواد الإنارة، وهو عالم واسع يبتدئ بمصابيح الإنارة ومآخذ توصيل الكهرباء ومفاتيحها وكذلك القابلوات والأسلاك وأشياء أخرى تكاد لا تنتهي.
بعد حصولي على الإجازة (وهو عمل محدد بشروط) نتردد على دائرة المبيعات فتقدم هذه قوائم المواد المتوفرة لديها والتي تعد بالمئات، فنقدم قائمة بالذي يريده (الوكيل)، وهذا صباحا، وفي منتصف الظهيرة نأتي لاستلام قوائم المواد بعد دفع أثمانها نقدا.
تلك الأيام، كان مقر الشركة يقع في شارع الرشيد في مبنى يقابل فندق تايكرس بالاس في منطقة السنك، وفي قاعة الانتظار يتم التعارف على بقية الوكلاء وحتى التخادم والبيع والشراء، ولم يكن أصحاب الصوت الأعلى هم أنفسهم أهم الوكلاء، بل وكلاء آخرون، يتميزون بالظرف وخفة الدم والفضول، وكان أحدهم أبو ميناء، قد يكون الأكبر سنا بيننا، بكرش عظيم وقميص أبيض ترهل ليتسع لجرمه الهائل، أبيض متسخ دائما، وجهه أحمر حفره حب الشباب وأشياء أخرى.
نسيت اسمه لكن لقبه (البغدادي)، وله أخوان، تشاء الأقدار أني أعرفهما أيضا، بصراحة، الآن فقط، وأنا أكتب انبثق في وعيي أخوه الثالث، الأصغر.
إني أتحدث عن ثلاث شخصيات لا علاقة لها بي مباشرة، لكنهم حضروا للزيارة أو المحاكمة وأجدني غير قادر على إهمال هذا الحضور.
لا يمتلك أبو ميناء دكانا يمارس تجارته فيه، أو هذا ما يبدو، يحمل حقيبة كبيرة ومتهرئة فيها نقوده وحاجيات أخرى، وقد تكون بين تلك الحاجيات قنينة عرق. لمحته مرة وأنا في طريقي لاستلام قائمتي منتصف الظهيرة، وهو يجلس في زاوية معتمة لإحدى حانات البيرة في حافظ القاضي، فالتقطت رأس الخيط.
لقد كان أبو ميناء بوهيميا على طريقته. حسنا، كان له على ما يبدو دكان في عقد النصارى، بل ودكان كبير أيضا يتخذه كمخزن يضع فيه بضاعته، لكن عمله الرئيسي شراء قوائم الوكلاء الآخرين ومن ثم بيعها.
كانت أيام وفرة وقتذاك، والشركة تستورد كل شيء، ومن بينها القابلوات الضخمة الناقلة للطاقة الكهربائية بالفولتية العالية.
حسنا مرة أخرى، حصل تقارب بيننا فأصبح يتوقف عند مكان عملي وعينه على الضفة الأخرى حيث يقع دكان يعود لأخيه، وكانا على خلاف وخصام. كان أخوه واسمه محمد صديقا لي بحكم الجيرة وزبونا من عملي السابق كبائع لبطاقات اليانصيب، وتجارته تختص بصنع وبيع ثريات الإنارة وما كنا نسميه (براكيتات) تزيين الضوء في البيوت والمكاتب.
كانت طبائع محمد مختلفة جدا عن أبي ميناء، فهو متدين وملتزم دينيا، وقد تكون خلافاتهما تعود لقضايا إرث.
فجأة مات أبو ميناء، وترك في نفسي حسرة وتساؤلا وغربة وجودية. وأنا أكتب، ظهر على هذا المسرح أخ ثالث لهما. هذا ليس مسرحا، هذه مصائر معلقة في فراغ الوجود، كيف اندثرت وكيف عادت هذا اليوم وقبله.
الأخ الثالث هو الأصغر، وهو مختلف عن الاثنين، شديد الوسامة والأناقة بقامة ممشوقة تليق بممثل هوليوودي، قد يشبه كريكوري بيك. عذرا، نسيت اسمه بشكل مطلق، لكنه دخل السوق بعد وفاة أبي ميناء ولم أصدق ما سمعته كونه أخاه.
دخل السوق برأسمال كبير، فيشتري ويبيع ويقيم الصفقات الكبرى، فذاع صيته وأصبح الجميع يستقبله، فأراه بطوله الفارع وأناقته اللافتة وهو يدخل محلات التجار كسفير ملكي، وكان يتحاشى النظر أيضا إلى تلك الضفة التي فيها دكان أخيه محمد.
وما هي إلا أسابيع حتى أقام لنفسه مكتبا في السوق بأثاث فاخر، وأصبح ملتقى للسماسرة والانتهازيين والتجار الوصوليين، لكن داء أخيه الأكبر استوطنه بقوة وحشية، فأخذ بالحضور ورائحة الخمر تفوح منه.
ومثل شهاب سريع في سماء عكرة كان مروره. أخذت أناقته بالتراجع، وإن ظلت فاقعة للأبصار، وفرغت حقيبته السمسونايت الراقية والتي امتلأت دوما برزمات النقود.
قام بشراء بعض الصفقات الخاسرة، وبانت قلة خبرته ونفد رصيده. لم تجمعنا صفقة أو مجلس أبدا، وإن كنت أتمنى التعرف عليه، وفجأة اختفى من المشهد والسوق، وقيل بسبب شيكات من غير رصيد، وغاب أثره، غير أني سمعت بأنه يدير مكتبه التجاري في عمان.
لن أبرر لأحد كتابتي هذي أو اهتمامي بأطياف، ربما لم تهتم يوما لأمري أو هي أصلا عديمة الأهمية ظاهريا.
هناك مثل شائع ويقول (بوجه الله ما يضيع)، لكني أترجمه بالشكل التالي (لا وجه يضيع).
في السليمانية التي قصدتها قبل أسبوعين تفجر أرشيفي عن صديق قديم فقدت أثره منذ أكثر من أربعين عاما أيضا، حسن عارف، وقد يكون هذا هو الثقب الذي تسلل منه أبو ميناء.
حسن عارف أيضا كان في عقد النصارى، كردي نتشارك أفكارنا، وهو أكثر احترافا مني في (الكار)، لكن دكانه في مكان كان قصيا وبعيدا عن السوق، أذهب إليه وبالكاد أجد ما أجلس عليه، فمكانه مخزن خردوات.
بصراحة وبلا ادعاء، خلال شهور جعلت كل هؤلاء خلفي، فتوسع علمي وأبدعت فيه ليشمل المحافظات. كان هناك تجار يمتلكون إجازات استيراد، وهذه مدعومة بالعملة الصعبة وبسعر الصرف الرسمي، وهذا يعني فرقا كبيرا.
كنت أشتري إجازاتهم بدفع ثمن نصف المستورد مقدما، وكنت أنا نفسي أقترح عليهم ما يستوردون، وكنت أذهب إلى كربلاء والنجف والحلة لشراء تلك الإجازات.
ذهبت إلى أربيل يومها مرتين لشراء إجازتين من تاجر كردي، في داخلي هدف آخر لتلك الرحلة، كان أخي مع (الأنصار) الشيوعيين، وكانت رسائل أكثر من ساعي بريد تأتيني منه.
ذهبت بعيدا لأكون قريبا منه، وفي أربيل جاءني هاجس وأظنه صادقا، كنا قريبين يومذاك أكثر من أي يوم آخر، بل حتى اليوم.
في السليمانية، بحثت عن حسن عارف، ليس شوقا فحسب بل لسؤاله: هل افترقنا متخاصمين؟ وما سبب الخصام؟ لا شك أنا المذنب يا حسن، فأنت وبابتسامتك العذبة لا يمكن أن تؤذي أحدا.
يومها، كما تعلم يا حسن، كنت محصنا ولا أحد يستطيع إيذائي.
يجاور محل حسن عارف مخزن كبير يديره رجل متخصص بتجارة وصلات القابلوات الضخمة، تلك التي تنقل الطاقة بين البلدات والأحياء وما شاكل ذلك. لهذا الرجل روح نكتة وقدرة على تلميع حديثه بـ (بذاءات)، اسمه فوزي الدليمي، ولم تحصل بيننا كما أتذكر تجارة ولا تعارف، لكن إدارة الفيسبوك تقترحه لي صديقا هذه الأيام، وكأن خيوط الماضي لا تنقطع، بل تنمو و(تخضر) وتعشوشب وتثمر ثمارا من اللاجدوى.
ها أنا ألهث، راكضا متعبا منهكا ونهما في غابة الوجوه هذه، لا أريد إغلاقها، بل من أي أبوابها دخلت؟ أما الخروج، فمستحيل.
هناك أيضا صفحة في الفيسبوك بعنوان (الصدرية)، فتفحصتها، جذبني فيها أنها لا تتحدث عن مطاعم الصدرية العامرة بشرهها اليوم، بل بشخوصها وأهلها، ومن بين هؤلاء خصصت صفحة الصدرية لـ (سعيد خلف) أبو زمن حيزا لائقا.
عندما تركت السوق أصبح سعيد خلف من كبار تجار عقد النصارى، لكن في تلك الأيام، كان يمتلك سيارة نصف نقل بحمولة طن واحد، وعمله هو استلام قوائم الوكلاء ويجلب بضائعنا من المخازن وإيصالها لنا.
أعرف سعيد خلف قبل هذا بوقت طويل، ولم يخدمني بجلب بضاعتي إلا مرتين أو ثلاث لصعوبة دخول سيارته في شارع الرشيد حيث عملي، لكن أبا زمن يقوم بركن سيارته بالقرب من مخزن حسن عارف وفوزي الدليمي، ويبدأ المزاح الثقيل بين سعيد وفوزي.
مات سعيد خلف مبكرا، واسمه سيقودني لاخويه، نوري، ووليد، وقبل ذلك حارث جورج، صديقي في إعدادية النضال والذي هاجر إلى أمريكا مبكرا، وكان سعيد خلف معجب بأداء حارث جورج كلاعب كرة قدم في ملاعب العوينة ويتوقع له مستقبلا باهرا.
لكن حارث جورج غادر العراق بالشافعات إلى أمريكا وكرشه لا يمت بشيء لكرة القدم. بالمناسبة، حارث جورج أخ للمطرب رائد جورج.
كل هذه الدوخه يا صديقي لأحدثك عما حصل لي البارحة.
عرضت، فيما تعرض علي إدارة الفيسبوك من صور لأشخاص (قد يهمهم أمري)، صورة عبرتها بسرعة ثم عدت عليها. لا الوجه يمكن أن يعني لي شيئا، ولا اللقب والاسم الأول عادي جدا، لكن هذه العادية عادت بي إلى ما قبل ستة عقود ونصف، 65 سنة.
إنه الصديق الأول لي على الإطلاق، عصام، زميلي في الصفوف الأولى من الدراسة الابتدائية حيث جمعتنا مدرسة (الغسانية).
كان عصام أبيض البشرة أشقر الشعر، يختلف عني بالطبع، ولا أدري كيف جمعتنا تلك الصداقة القوية فتميزت بميزة خاصة.
كان بيتنا بعيدا عن المدرسة نسبيا، بيتنا في باب الأغا وكان بيت عصام في قنبر علي. ما زلت أتذكر بيتهم، بعتبته العالية وبابه الخشبي وتلك الستارة التي تفصل الزائر أو السائل إذا ما فتح الباب عن بقية البيت.
كانت صداقتنا قوية بحيث تستقبلني أمه في البيت بكل الترحاب. يا ألله ما أجمل أم عصام ورقيها وعطفها علي، تستقبلني بـ (أهلا كامل).
كان الصديق الأول، لكن الصداقة لم تستمر عندما أفهمتني أم عصام بأنهم لن يستطيعوا استقبالي بعد الآن بسبب انتقالهم من قنبر علي إلى منطقة المنصور غربي بغداد.
كنت أعرف أباه بلباسه المديني الجاد وأناقته العملية. كان أبو عصام وحيدا دائما عندما ألمحه، وجادا جدا وكأنه يلحق قطارا أزف موعد انطلاقه، بل ظللت أراه حتى عندما اختفى عصام بعد أن ودعني وودعته باكيين ونحن في حلاوة الطفولة وميوعة الحياة.
تشاء الأقدار أن ننتقل نحن أيضا إلى المنصور بعد سنتين أو ثلاث. لم أبحث عن عصام، لكنه يظهر لي كل عدد من السنين في منعطف ما.
اختلفت الطرق وسلكت أنا طريقا خشنا رغم عادية معيشي. كنا نلتقي أحيانا فنعرف بعضنا، نبتسم، فيبادر هو: هلو كامل… هلو عصام.
في العقد الثالث والرابع أراه دائما مرتديا طقما بقطعتين ولا يخلو من هندام واعتناء، لكني أراه على الضفة الأخرى أو بالأحرى أنا الذي في الضفة الأخرى من كل شيء.
اختفى عصام ربما لأربعين سنة وأزيد حتى البارحة، حيث ضغطت على بروفايله طالبا صداقته. وافق عصام على الفور، كتبت له ثم تحدثنا طويلا.
لم يصدق عصام أني وجدته بين أنقاض زمن متعثر ومتفجر وتحت أطلال مدرسة بائدة اسمها الغسانية، مثل دولتي الغساسنة والمناذرة، ومن قنبر علي.
عصام يقيم خارج العراق ويبني جوامع أو مساجد في توغو وأوغندا متبرعا لعله، كما يقول ضاحكا، يحذف من صفحة سيئاته عددا من قناني الويسكي، فيما أفكر بفتح واحدة جديدة منها هذا المساء.
آه يا صديقي عصام، من يدعوني لترك هذا عليه أن يعيدني إلى قنبر علي.
هاهو صوت فيروز يعود بقوة لا تليق بها… شو بدي بالبلاد… الله يخلي الأولاد… كيفك انته.