
ستوكهولم – فاروق الدباغ
بعد سنوات من الاندفاع نحو رقمنة التعليم وتوزيع الأجهزة اللوحية على التلاميذ، بدأت دول أوروبية مراجعة علاقتها بالشاشات داخل المدارس. السويد تعيد الكتاب الورقي والكتابة اليدوية إلى مركز العملية التعليمية، فيما تفرض فنلندا وفرنسا وإيطاليا قيوداً متزايدة على الهواتف، وتسعى الدنمارك إلى جعل المدارس ونوادي ما بعد الدوام خالية منها. ولا تعني هذه الإجراءات إعلان الحرب على التكنولوجيا، بل محاولة لاستعادة تركيز التلميذ ومنح المعلم سلطة أكبر على البيئة التعليمية.
كانت السويد من أكثر الدول حماسة لإدخال الأجهزة الرقمية إلى المدارس، حتى في السنوات الدراسية الأولى. لكن تراجع نتائج القراءة، وازدياد ملاحظات المعلمين حول تشتت الانتباه، دفعا الحكومة إلى إعادة النظر في هذا التوجه. ولم يعتمد القرار على دراسة واحدة تحكم بأن الشاشة سيئة والورق جيد، بل على نتائج الاختبارات الدولية وآراء الهيئات العلمية ودراسات قارنت بين القراءة من الورق والقراءة عبر الشاشات.وتشير مراجعات بحثية إلى أن الورق يساعد، في كثير من الحالات، على قراءة النصوص الطويلة وفهمها وتذكّر تسلسل المعلومات، بينما قد تشجع الشاشة على القراءة السريعة والتنقل المستمر بين المحتويات. كما أن الكتابة باليد لا تقتصر على تسجيل الكلمات؛ فالطالب يختصر ويعيد الصياغة ويربط الأفكار، وهي عمليات ذهنية تساعد على تثبيت المعلومات في الذاكرة. لهذا خصصت الحكومة السويدية مبالغ كبيرة لشراء الكتب الدراسية المطبوعة ودعم المكتبات المدرسية وزيادة وقت القراءة والكتابة اليدوية، مع تقليل استخدام الشاشات في رياض الأطفال والسنوات الأولى. كما شُدّدت القواعد المتعلقة بالهواتف في المدارس الإلزامية، ليصبح الأصل أن يبقى اليوم الدراسي خالياً منها، مع استثناءات تعليمية وصحية محددة. فالسويد لا تقول وداعاً للتكنولوجيا، بل للاستخدام غير المنضبط لها. وفي فنلندا، التي تُعد من أبرز نماذج التعليم الحديث، دخل قانون جديد حيز التنفيذ في الأول من آب 2025 يقيد استخدام الهواتف والأجهزة المحمولة أثناء الدروس. ولا يستطيع التلميذ استعمال هاتفه إلا بإذن المعلم ولغرض تعليمي أو صحي. كما يستطيع المعلم أو مدير المدرسة أخذ الجهاز إذا تسبب في تعطيل الحصة، وأصبحت المدارس ملزمة بوضع قواعد واضحة لاستخدام الهواتف خلال الاستراحات وبقية اليوم الدراسي. ويكشف النموذج الفنلندي عن تمييز مهم بين جهاز تختاره المدرسة لتحقيق هدف تعليمي، وهاتف شخصي محمّل بالألعاب والرسائل ومقاطع الفيديو وإشعارات وسائل التواصل. فالمشكلة ليست في الشاشة وحدها، بل في انتقال المنافسة على انتباه الطفل من المعلم والكتاب إلى شركات رقمية صُممت تطبيقاتها لإبقائه متصلاً أطول مدة ممكنة. أما الدنمارك فنقلت النقاش من غرفة الدرس إلى الحياة الرقمية للأطفال بأكملها. فقد أوصت لجنة حكومية معنية برفاه الأطفال والشباب بجعل المدارس الابتدائية والإعدادية ونوادي ما بعد الدوام خالية من الهواتف، مع استثناءات للحالات التعليمية والصحية والخاصة. وكشفت اللجنة أن نحو 94 في المئة من الأطفال الدنماركيين أنشأوا حسابات في وسائل التواصل قبل بلوغ الثالثة عشرة، رغم القيود العمرية التي تعلنها المنصات نفسها. كما أوصت اللجنة بألا يمتلك الأطفال دون الثالثة عشرة هواتف ذكية أو أجهزة لوحية خاصة بهم، وطرحت الحكومة تقييد دخول من هم دون الخامسة عشرة إلى وسائل التواصل، مع إمكان منح الوالدين استثناءات محددة للفئة بين الثالثة عشرة والرابعة عشرة. لكن الإجراءات الدنماركية ما زالت تمر بمراحل تشريعية وتنظيمية، ولذلك ينبغي عدم تقديمها باعتبارها حظراً نهائياً مطبقاً بالصورة نفسها في جميع المدارس. وفي فرنسا، مُنع استخدام الهواتف في المدارس الابتدائية والمتوسطة منذ عام 2018، لكن التجربة أظهرت أن كتابة المنع في القانون لا تكفي إذا بقي الهاتف في جيب التلميذ. لذلك أطلقت وزارة التربية تجربة «الاستراحة الرقمية»، التي تقوم على فصل التلميذ فعلياً عن هاتفه عند دخوله المدرسة، من خلال خزائن أو حافظات مقفلة أو وسائل تخزين أخرى. ولم يكن تطبيق التجربة متساوياً في جميع المدارس، بسبب تحفظات تتعلق بالكلفة والتنظيم ومسؤولية حفظ الأجهزة. كما حاولت فرنسا عام 2026 توسيع القيود لتشمل المدارس الثانوية وربطها بمشروع يمنع من هم دون الخامسة عشرة من دخول وسائل التواصل، إلا أن المجلس الدستوري اعترض على الصيغة القانونية للمشروع، معتبراً أنها لا تحقق التوازن المطلوب بين حماية القاصرين وحريتي التعبير والاتصال. ولم يكن الاعتراض رفضاً لمبدأ الحماية، بل دعوة إلى صياغة قانونية أكثر دقة.
وسارت إيطاليا في الاتجاه نفسه من خلال تعليمات وزارية بدأت بالمدارس الابتدائية والمتوسطة، ثم امتدت في العام الدراسي 2025-2026 إلى المدارس الثانوية. وتحظر التعليمات استخدام الهاتف أثناء الدروس، حتى عندما يُقال إن الغرض تعليمي، لأن المدرسة تستطيع توفير الأجهزة التي يحتاجها التلاميذ تحت إشراف المعلمين. أما الحواسيب والأجهزة اللوحية فيمكن استخدامها ضمن خطة تعليمية واضحة وبموافقة المدرسة.
ولا تقول البحوث إن كل شاشة مضرة أو إن كل استخدام للكتاب الورقي يؤدي تلقائياً إلى نتائج أفضل. فالأثر يتوقف على عمر التلميذ، ونوع المادة، ومدة الاستخدام، وطبيعة المحتوى، ووجود المعلم. لكن عدداً كبيراً من الدراسات يتفق على أن القراءة الورقية أكثر ملاءمة في حالات كثيرة للنصوص الطويلة والفهم المتعمق، وأن الكتابة باليد تساعد على معالجة المعلومات وتذكرها، فيما يتحول الهاتف الشخصي إلى مصدر دائم للتشتيت والانتظار والقلق. وحذرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» من إدخال التكنولوجيا إلى المدارس لمجرد أنها حديثة، مؤكدة أن فائدتها يجب أن تثبت تعليمياً، وأن تخدم العلاقة بين المعلم والتلميذ بدلاً من أن تحل محلها. وقد أثبتت التجربة أن تحويل الكتاب إلى شاشة لا يمثل، بحد ذاته، تطويراً للعملية التعليمية.
إن ما يجري في السويد وفنلندا والدنمارك وفرنسا وإيطاليا ليس عودة إلى مدرسة ما قبل الإنترنت، بل محاولة لاستعادة سلطة المدرسة على وقت التلميذ وانتباهه. فالكتاب يعود لأنه يوفر قراءة هادئة لا تقاطعها الإعلانات والإشعارات، والقلم يعود لأن الكتابة عملية تفكير واختيار وترتيب، والهاتف يخرج من الصف لأنه جهاز شخصي صُمم لجذب الانتباه، بينما يحتاج التعليم إلى انتباه طويل ومستقر.
وأصبحت حماية الأطفال من وسائل التواصل المرحلة التالية في هذا التوجه. فقد طرحت المفوضية الأوروبية في أيلول 2026، ضمن مشروع «قانون الأطفال»، منع من هم دون الثالثة عشرة من دخول وسائل التواصل، والسماح للفئة بين الثالثة عشرة والخامسة عشرة بحسابات محدودة وتحت إشراف الوالدين. لكنه ما زال مشروعاً يحتاج إلى المرور بالمراحل التشريعية، وليس قانوناً نافذاً في جميع دول الاتحاد الأوروبي.
وتستحق هذه المراجعة اهتمام الدول العربية التي أنفقت مبالغ كبيرة على الأجهزة والمنصات الرقمية من دون أن تقيّم دائماً أثرها الحقيقي في القراءة والتركيز والتحصيل. فالتعليم الحديث لا يُقاس بعدد الشاشات الموجودة في الصف، بل بقدرة الطالب على الفهم والتحليل والتذكر. والرسالة الأوروبية الجديدة واضحة: المدرسة لا ترفض التكنولوجيا، لكنها ترفض أن يتحول التلميذ إلى أسير لها.
المصادر
- «الحكومة السويدية: زيادة وقت القراءة وتقليل وقت الشاشة» (https://www.government.se/articles/2024/02/government-investing-in-more-reading-time-and-less-screen-time/)
- «فنلندا وتقييد الهواتف في المدارس منذ آب 2025» (https://www.theguardian.com/education/2025/apr/30/finland-restricts-use-of-mobile-phones-during-school-day)
- «الدنمارك وخطة جعل المدارس خالية من الهواتف» (https://www.theguardian.com/world/2025/feb/25/denmark-to-ban-mobile-phones-in-schools-and-after-school-clubs)
- «اعتراض المجلس الدستوري الفرنسي على صيغة حظر وسائل التواصل» (https://apnews.com/article/a4e96488d1eb913c7a039eb5e4fc1e18)
- «مشروع فرنسا لتوسيع قيود الهواتف إلى المدارس الثانوية» (https://www.reuters.com/world/france-aims-ban-under-15s-social-media-september-2026-le-monde-reports-2025-12-31/)
- «تقرير اليونسكو العالمي عن التكنولوجيا في التعليم» (https://www.unesco.org/gem-report/en/technology)
- «مشروع الاتحاد الأوروبي لحماية الأطفال على الإنترنت» (https://www.reuters.com/legal/litigation/what-is-eus-planned-kids-act-2026-09-17/)