أوربا تعيد الاعتبار للكتب وتمنع التلاميذ من الهواتف

ستوكهولم‭ – ‬فاروق‭ ‬الدباغ

بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الاندفاع‭ ‬نحو‭ ‬رقمنة‭ ‬التعليم‭ ‬وتوزيع‭ ‬الأجهزة‭ ‬اللوحية‭ ‬على‭ ‬التلاميذ،‭ ‬بدأت‭ ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬مراجعة‭ ‬علاقتها‭ ‬بالشاشات‭ ‬داخل‭ ‬المدارس‭. ‬السويد‭ ‬تعيد‭ ‬الكتاب‭ ‬الورقي‭ ‬والكتابة‭ ‬اليدوية‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية،‭ ‬فيما‭ ‬تفرض‭ ‬فنلندا‭ ‬وفرنسا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬قيوداً‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬الهواتف،‭ ‬وتسعى‭ ‬الدنمارك‭ ‬إلى‭ ‬جعل‭ ‬المدارس‭ ‬ونوادي‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الدوام‭ ‬خالية‭ ‬منها‭. ‬ولا‭ ‬تعني‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬إعلان‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬بل‭ ‬محاولة‭ ‬لاستعادة‭ ‬تركيز‭ ‬التلميذ‭ ‬ومنح‭ ‬المعلم‭ ‬سلطة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬البيئة‭ ‬التعليمية‭.‬

كانت‭ ‬السويد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الدول‭ ‬حماسة‭ ‬لإدخال‭ ‬الأجهزة‭ ‬الرقمية‭ ‬إلى‭ ‬المدارس،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الدراسية‭ ‬الأولى‭. ‬لكن‭ ‬تراجع‭ ‬نتائج‭ ‬القراءة،‭ ‬وازدياد‭ ‬ملاحظات‭ ‬المعلمين‭ ‬حول‭ ‬تشتت‭ ‬الانتباه،‭ ‬دفعا‭ ‬الحكومة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭. ‬ولم‭ ‬يعتمد‭ ‬القرار‭ ‬على‭ ‬دراسة‭ ‬واحدة‭ ‬تحكم‭ ‬بأن‭ ‬الشاشة‭ ‬سيئة‭ ‬والورق‭ ‬جيد،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬نتائج‭ ‬الاختبارات‭ ‬الدولية‭ ‬وآراء‭ ‬الهيئات‭ ‬العلمية‭ ‬ودراسات‭ ‬قارنت‭ ‬بين‭ ‬القراءة‭ ‬من‭ ‬الورق‭ ‬والقراءة‭ ‬عبر‭ ‬الشاشات‭.‬وتشير‭ ‬مراجعات‭ ‬بحثية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الورق‭ ‬يساعد،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬النصوص‭ ‬الطويلة‭ ‬وفهمها‭ ‬وتذكّر‭ ‬تسلسل‭ ‬المعلومات،‭ ‬بينما‭ ‬قد‭ ‬تشجع‭ ‬الشاشة‭ ‬على‭ ‬القراءة‭ ‬السريعة‭ ‬والتنقل‭ ‬المستمر‭ ‬بين‭ ‬المحتويات‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الكتابة‭ ‬باليد‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬تسجيل‭ ‬الكلمات؛‭ ‬فالطالب‭ ‬يختصر‭ ‬ويعيد‭ ‬الصياغة‭ ‬ويربط‭ ‬الأفكار،‭ ‬وهي‭ ‬عمليات‭ ‬ذهنية‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬تثبيت‭ ‬المعلومات‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭. ‬لهذا‭ ‬خصصت‭ ‬الحكومة‭ ‬السويدية‭ ‬مبالغ‭ ‬كبيرة‭ ‬لشراء‭ ‬الكتب‭ ‬الدراسية‭ ‬المطبوعة‭ ‬ودعم‭ ‬المكتبات‭ ‬المدرسية‭ ‬وزيادة‭ ‬وقت‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة‭ ‬اليدوية،‭ ‬مع‭ ‬تقليل‭ ‬استخدام‭ ‬الشاشات‭ ‬في‭ ‬رياض‭ ‬الأطفال‭ ‬والسنوات‭ ‬الأولى‭. ‬كما‭ ‬شُدّدت‭ ‬القواعد‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالهواتف‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬الإلزامية،‭ ‬ليصبح‭ ‬الأصل‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬اليوم‭ ‬الدراسي‭ ‬خالياً‭ ‬منها،‭ ‬مع‭ ‬استثناءات‭ ‬تعليمية‭ ‬وصحية‭ ‬محددة‭. ‬فالسويد‭ ‬لا‭ ‬تقول‭ ‬وداعاً‭ ‬للتكنولوجيا،‭ ‬بل‭ ‬للاستخدام‭ ‬غير‭ ‬المنضبط‭ ‬لها‭. ‬وفي‭ ‬فنلندا،‭ ‬التي‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬نماذج‭ ‬التعليم‭ ‬الحديث،‭ ‬دخل‭ ‬قانون‭ ‬جديد‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬آب‭ ‬2025‭ ‬يقيد‭ ‬استخدام‭ ‬الهواتف‭ ‬والأجهزة‭ ‬المحمولة‭ ‬أثناء‭ ‬الدروس‭. ‬ولا‭ ‬يستطيع‭ ‬التلميذ‭ ‬استعمال‭ ‬هاتفه‭ ‬إلا‭ ‬بإذن‭ ‬المعلم‭ ‬ولغرض‭ ‬تعليمي‭ ‬أو‭ ‬صحي‭. ‬كما‭ ‬يستطيع‭ ‬المعلم‭ ‬أو‭ ‬مدير‭ ‬المدرسة‭ ‬أخذ‭ ‬الجهاز‭ ‬إذا‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬تعطيل‭ ‬الحصة،‭ ‬وأصبحت‭ ‬المدارس‭ ‬ملزمة‭ ‬بوضع‭ ‬قواعد‭ ‬واضحة‭ ‬لاستخدام‭ ‬الهواتف‭ ‬خلال‭ ‬الاستراحات‭ ‬وبقية‭ ‬اليوم‭ ‬الدراسي‭. ‬ويكشف‭ ‬النموذج‭ ‬الفنلندي‭ ‬عن‭ ‬تمييز‭ ‬مهم‭ ‬بين‭ ‬جهاز‭ ‬تختاره‭ ‬المدرسة‭ ‬لتحقيق‭ ‬هدف‭ ‬تعليمي،‭ ‬وهاتف‭ ‬شخصي‭ ‬محمّل‭ ‬بالألعاب‭ ‬والرسائل‭ ‬ومقاطع‭ ‬الفيديو‭ ‬وإشعارات‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭. ‬فالمشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الشاشة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬انتقال‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬انتباه‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬المعلم‭ ‬والكتاب‭ ‬إلى‭ ‬شركات‭ ‬رقمية‭ ‬صُممت‭ ‬تطبيقاتها‭ ‬لإبقائه‭ ‬متصلاً‭ ‬أطول‭ ‬مدة‭ ‬ممكنة‭. ‬أما‭ ‬الدنمارك‭ ‬فنقلت‭ ‬النقاش‭ ‬من‭ ‬غرفة‭ ‬الدرس‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬الرقمية‭ ‬للأطفال‭ ‬بأكملها‭. ‬فقد‭ ‬أوصت‭ ‬لجنة‭ ‬حكومية‭ ‬معنية‭ ‬برفاه‭ ‬الأطفال‭ ‬والشباب‭ ‬بجعل‭ ‬المدارس‭ ‬الابتدائية‭ ‬والإعدادية‭ ‬ونوادي‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الدوام‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الهواتف،‭ ‬مع‭ ‬استثناءات‭ ‬للحالات‭ ‬التعليمية‭ ‬والصحية‭ ‬والخاصة‭. ‬وكشفت‭ ‬اللجنة‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬94‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬الدنماركيين‭ ‬أنشأوا‭ ‬حسابات‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬قبل‭ ‬بلوغ‭ ‬الثالثة‭ ‬عشرة،‭ ‬رغم‭ ‬القيود‭ ‬العمرية‭ ‬التي‭ ‬تعلنها‭ ‬المنصات‭ ‬نفسها‭. ‬كما‭ ‬أوصت‭ ‬اللجنة‭ ‬بألا‭ ‬يمتلك‭ ‬الأطفال‭ ‬دون‭ ‬الثالثة‭ ‬عشرة‭ ‬هواتف‭ ‬ذكية‭ ‬أو‭ ‬أجهزة‭ ‬لوحية‭ ‬خاصة‭ ‬بهم،‭ ‬وطرحت‭ ‬الحكومة‭ ‬تقييد‭ ‬دخول‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬دون‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة‭ ‬إلى‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل،‭ ‬مع‭ ‬إمكان‭ ‬منح‭ ‬الوالدين‭ ‬استثناءات‭ ‬محددة‭ ‬للفئة‭ ‬بين‭ ‬الثالثة‭ ‬عشرة‭ ‬والرابعة‭ ‬عشرة‭. ‬لكن‭ ‬الإجراءات‭ ‬الدنماركية‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تمر‭ ‬بمراحل‭ ‬تشريعية‭ ‬وتنظيمية،‭ ‬ولذلك‭ ‬ينبغي‭ ‬عدم‭ ‬تقديمها‭ ‬باعتبارها‭ ‬حظراً‭ ‬نهائياً‭ ‬مطبقاً‭ ‬بالصورة‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المدارس‭. ‬وفي‭ ‬فرنسا،‭ ‬مُنع‭ ‬استخدام‭ ‬الهواتف‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬الابتدائية‭ ‬والمتوسطة‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2018،‭ ‬لكن‭ ‬التجربة‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬كتابة‭ ‬المنع‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬إذا‭ ‬بقي‭ ‬الهاتف‭ ‬في‭ ‬جيب‭ ‬التلميذ‭. ‬لذلك‭ ‬أطلقت‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬تجربة‭ ‬‮«‬الاستراحة‭ ‬الرقمية‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬فصل‭ ‬التلميذ‭ ‬فعلياً‭ ‬عن‭ ‬هاتفه‭ ‬عند‭ ‬دخوله‭ ‬المدرسة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬خزائن‭ ‬أو‭ ‬حافظات‭ ‬مقفلة‭ ‬أو‭ ‬وسائل‭ ‬تخزين‭ ‬أخرى‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬تطبيق‭ ‬التجربة‭ ‬متساوياً‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المدارس،‭ ‬بسبب‭ ‬تحفظات‭ ‬تتعلق‭ ‬بالكلفة‭ ‬والتنظيم‭ ‬ومسؤولية‭ ‬حفظ‭ ‬الأجهزة‭. ‬كما‭ ‬حاولت‭ ‬فرنسا‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬توسيع‭ ‬القيود‭ ‬لتشمل‭ ‬المدارس‭ ‬الثانوية‭ ‬وربطها‭ ‬بمشروع‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬دون‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المجلس‭ ‬الدستوري‭ ‬اعترض‭ ‬على‭ ‬الصيغة‭ ‬القانونية‭ ‬للمشروع،‭ ‬معتبراً‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تحقق‭ ‬التوازن‭ ‬المطلوب‭ ‬بين‭ ‬حماية‭ ‬القاصرين‭ ‬وحريتي‭ ‬التعبير‭ ‬والاتصال‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الاعتراض‭ ‬رفضاً‭ ‬لمبدأ‭ ‬الحماية،‭ ‬بل‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬صياغة‭ ‬قانونية‭ ‬أكثر‭ ‬دقة‭.‬

وسارت‭ ‬إيطاليا‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعليمات‭ ‬وزارية‭ ‬بدأت‭ ‬بالمدارس‭ ‬الابتدائية‭ ‬والمتوسطة،‭ ‬ثم‭ ‬امتدت‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬2025‭-‬2026‭ ‬إلى‭ ‬المدارس‭ ‬الثانوية‭. ‬وتحظر‭ ‬التعليمات‭ ‬استخدام‭ ‬الهاتف‭ ‬أثناء‭ ‬الدروس،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬يُقال‭ ‬إن‭ ‬الغرض‭ ‬تعليمي،‭ ‬لأن‭ ‬المدرسة‭ ‬تستطيع‭ ‬توفير‭ ‬الأجهزة‭ ‬التي‭ ‬يحتاجها‭ ‬التلاميذ‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬المعلمين‭. ‬أما‭ ‬الحواسيب‭ ‬والأجهزة‭ ‬اللوحية‭ ‬فيمكن‭ ‬استخدامها‭ ‬ضمن‭ ‬خطة‭ ‬تعليمية‭ ‬واضحة‭ ‬وبموافقة‭ ‬المدرسة‭.‬

ولا‭ ‬تقول‭ ‬البحوث‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬شاشة‭ ‬مضرة‭ ‬أو‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬استخدام‭ ‬للكتاب‭ ‬الورقي‭ ‬يؤدي‭ ‬تلقائياً‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬أفضل‭. ‬فالأثر‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬عمر‭ ‬التلميذ،‭ ‬ونوع‭ ‬المادة،‭ ‬ومدة‭ ‬الاستخدام،‭ ‬وطبيعة‭ ‬المحتوى،‭ ‬ووجود‭ ‬المعلم‭. ‬لكن‭ ‬عدداً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬يتفق‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬القراءة‭ ‬الورقية‭ ‬أكثر‭ ‬ملاءمة‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬كثيرة‭ ‬للنصوص‭ ‬الطويلة‭ ‬والفهم‭ ‬المتعمق،‭ ‬وأن‭ ‬الكتابة‭ ‬باليد‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬المعلومات‭ ‬وتذكرها،‭ ‬فيما‭ ‬يتحول‭ ‬الهاتف‭ ‬الشخصي‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬دائم‭ ‬للتشتيت‭ ‬والانتظار‭ ‬والقلق‭. ‬وحذرت‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للتربية‭ ‬والعلم‭ ‬والثقافة‭ ‬‮«‬اليونسكو‮»‬‭ ‬من‭ ‬إدخال‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬إلى‭ ‬المدارس‭ ‬لمجرد‭ ‬أنها‭ ‬حديثة،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬فائدتها‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تثبت‭ ‬تعليمياً،‭ ‬وأن‭ ‬تخدم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المعلم‭ ‬والتلميذ‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تحل‭ ‬محلها‭. ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬تحويل‭ ‬الكتاب‭ ‬إلى‭ ‬شاشة‭ ‬لا‭ ‬يمثل،‭ ‬بحد‭ ‬ذاته،‭ ‬تطويراً‭ ‬للعملية‭ ‬التعليمية‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬السويد‭ ‬وفنلندا‭ ‬والدنمارك‭ ‬وفرنسا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬ليس‭ ‬عودة‭ ‬إلى‭ ‬مدرسة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الإنترنت،‭ ‬بل‭ ‬محاولة‭ ‬لاستعادة‭ ‬سلطة‭ ‬المدرسة‭ ‬على‭ ‬وقت‭ ‬التلميذ‭ ‬وانتباهه‭. ‬فالكتاب‭ ‬يعود‭ ‬لأنه‭ ‬يوفر‭ ‬قراءة‭ ‬هادئة‭ ‬لا‭ ‬تقاطعها‭ ‬الإعلانات‭ ‬والإشعارات،‭ ‬والقلم‭ ‬يعود‭ ‬لأن‭ ‬الكتابة‭ ‬عملية‭ ‬تفكير‭ ‬واختيار‭ ‬وترتيب،‭ ‬والهاتف‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬الصف‭ ‬لأنه‭ ‬جهاز‭ ‬شخصي‭ ‬صُمم‭ ‬لجذب‭ ‬الانتباه،‭ ‬بينما‭ ‬يحتاج‭ ‬التعليم‭ ‬إلى‭ ‬انتباه‭ ‬طويل‭ ‬ومستقر‭.‬

وأصبحت‭ ‬حماية‭ ‬الأطفال‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬المرحلة‭ ‬التالية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭. ‬فقد‭ ‬طرحت‭ ‬المفوضية‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬أيلول‭ ‬2026،‭ ‬ضمن‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬قانون‭ ‬الأطفال‮»‬،‭ ‬منع‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬دون‭ ‬الثالثة‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل،‭ ‬والسماح‭ ‬للفئة‭ ‬بين‭ ‬الثالثة‭ ‬عشرة‭ ‬والخامسة‭ ‬عشرة‭ ‬بحسابات‭ ‬محدودة‭ ‬وتحت‭ ‬إشراف‭ ‬الوالدين‭. ‬لكنه‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬مشروعاً‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬المرور‭ ‬بالمراحل‭ ‬التشريعية،‭ ‬وليس‭ ‬قانوناً‭ ‬نافذاً‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬دول‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭.‬

وتستحق‭ ‬هذه‭ ‬المراجعة‭ ‬اهتمام‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬أنفقت‭ ‬مبالغ‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬الأجهزة‭ ‬والمنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تقيّم‭ ‬دائماً‭ ‬أثرها‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬القراءة‭ ‬والتركيز‭ ‬والتحصيل‭. ‬فالتعليم‭ ‬الحديث‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بعدد‭ ‬الشاشات‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬الصف،‭ ‬بل‭ ‬بقدرة‭ ‬الطالب‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬والتحليل‭ ‬والتذكر‭. ‬والرسالة‭ ‬الأوروبية‭ ‬الجديدة‭ ‬واضحة‭: ‬المدرسة‭ ‬لا‭ ‬ترفض‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬لكنها‭ ‬ترفض‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬التلميذ‭ ‬إلى‭ ‬أسير‭ ‬لها‭.‬

المصادر

‭- ‬‮«‬الحكومة‭ ‬السويدية‭: ‬زيادة‭ ‬وقت‭ ‬القراءة‭ ‬وتقليل‭ ‬وقت‭ ‬الشاشة‮»‬‭ (‬https‭://‬www.government.se/articles/2024/02‭/‬government-investing-in-more-reading-time-and-less-screen-time‭/)‬

‭- ‬‮«‬فنلندا‭ ‬وتقييد‭ ‬الهواتف‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬منذ‭ ‬آب‭ ‬2025‮»‬‭ (‬https‭://‬www.theguardian.com/education/2025‭/‬apr/30‭/‬finland-restricts-use-of-mobile-phones-during-school-day‭)‬

‭- ‬‮«‬الدنمارك‭ ‬وخطة‭ ‬جعل‭ ‬المدارس‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الهواتف‮»‬‭ (‬https‭://‬www.theguardian.com/world/2025‭/‬feb/25‭/‬denmark-to-ban-mobile-phones-in-schools-and-after-school-clubs‭)‬

‭- ‬‮«‬اعتراض‭ ‬المجلس‭ ‬الدستوري‭ ‬الفرنسي‭ ‬على‭ ‬صيغة‭ ‬حظر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‮»‬‭ (‬https‭://‬apnews.com/article/a4e96488d1eb913c7a039eb5e4fc1e18‭)‬

‭- ‬‮«‬مشروع‭ ‬فرنسا‭ ‬لتوسيع‭ ‬قيود‭ ‬الهواتف‭ ‬إلى‭ ‬المدارس‭ ‬الثانوية‮»‬‭ (‬https‭://‬www.reuters.com/world/france-aims-ban-under-15s-social-media-september-2026-le-monde-reports-2025-12-31‭/)‬

‭- ‬‮«‬تقرير‭ ‬اليونسكو‭ ‬العالمي‭ ‬عن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬التعليم‮»‬‭ (‬https‭://‬www.unesco.org/gem-report/en/technology‭)‬

‭- ‬‮«‬مشروع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬لحماية‭ ‬الأطفال‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‮»‬‭ (‬https‭://‬www.reuters.com/legal/litigation/what-is-eus-planned-kids-act-2026-09-17‭/)‬