التطوير المهني في قلب التحول التربوي

حين يتغيّر المعلم… يتغيّر التعليم

دلال بشار عبدالله

في التعليم، لا تبدأ النهضة من الكتاب المدرسي، ولا من التكنولوجيا وحدها، ولا من ازدحام الفصول بأحدث الوسائل؛ بل تبدأ من الإنسان الذي يقف أمام الطالب كل صباح

من هنا، اختارت مدارس المعرفة الأهلية أن تنظر إلى التطوير المهني بوصفه جزءاً أصيلاً من رسالتها التعليمية، وأن تجعل من تدريب كوادرها مساحة لإعادة التفكير في معنى التدريس نفسه: كيف ننتقل من تقديم المعرفة إلى صناعة التعلم؟ وكيف يتحول المعلم من ناقل للمعلومة إلى مصمم لتجربة تعليمية تترك أثراً؟

وانطلاقاً من هذه الرؤية، احتضنت مدارس المعرفة الأهلية ورشة تدريبية متخصصة بعنوان (ممارسات التعلم الدولية: من التدريس إلى التعليم) قدمها المدرب الدولي الأستاذ خطاب نزار عبدالله

لم تكن الورشة مجرد ساعات تدريبية تضاف إلى سجل التطوير المهني، بل جاءت بوصفها مساحة للتأمل والممارسة وإعادة قراءة العملية التعليمية من منظور أكثر حداثة وفاعلية. فقد انطلقت من سؤال جوهري يتجاوز حدود الطريقة التقليدية في التدريس ماذا يحدث فعلاً عندما يدخل الطالب الصف؟

فالفرق بين أن يشرح المعلم الدرس وأن يتعلم الطالب، هو بالضبط المسافة التي تحاول الممارسات التعليمية الحديثة تضييقها
وخلال الورشة، التقت الخبرة المهنية بالممارسة العملية، وفتح النقاش أمام الكادر التدريسي أبواباً جديدة للتفكير في التخطيط، وإستراتيجيات التعلم، ودور الطالب، وفاعلية البيئة الصفية، وكيف يمكن تحويل الممارسات اليومية إلى تجارب تعليمية أكثر عمقاً وتأثيراً
وفي هذا السياق، تبدو فلسفة مدارس المعرفة الأهلية واضحة: المعلم الذي يتعلم بإستمرار، يستطيع ان يعلم بصورة مختلفة
إن الاستثمار في المعلم ليس نشاطاً جانبياً في المؤسسة التعليمية؛ إنه استثمار مباشر في مستقبل الطالب. فكل فكرة جديدة يكتسبها المعلم، وكل ممارسة يعيد النظر فيها، وكل سؤال يطرحه على طريقته في التعليم، يمكن أن يتحول في النهاية إلى تجربة مختلفة يعيشها الطالب داخل الصف

ولعل القيمة الأهم في مثل هذه الورش لا تكمن فيما ينتهي بانتهاء الجلسة التدريبية، وإنما فيما يبقى بعدها؛ في الطريقة التي يعيد بها المعلم تصميم درسه، وفي السؤال الذي أصبح يطرحه على نفسه قبل أن يبدأ: هل أنا أدرس لكي أنهي المحتوى، أم أعلم لكي أبني تعلماً حقيقياً؟

وهنا تتجاوز مدارس المعرفة الأهلية مفهوم التدريب بمعناه التقليدي، لتتبنى ثقافة مؤسسية ترى أن التطوير عملية مستمرة، وأن جودة التعليم لا تُبنى بقرار واحد، وإنما تتشكل تدريجياً من خلال المعرفة، والممارسة، والتقييم، والتجديد
وفي عالم تتغير فيه المعرفة بسرعة، وتتطور فيه أدوات التعليم بصورة متسارعة، لم يعد كافياً أن نُعد الطالب لعالم اليوم؛ بل أصبح على المدرسة أن تهيئه لعالم لم يتشكل بعد

وهذا يتطلب معلماً لا يتوقف عن التعلم

إن إقامة هذه الورشة في مدارس المعرفة الأهلية تعكس توجهاً يتجاوز التدريب إلى بناء ثقافة تعليمية قادرة على مواكبة التحولات العالمية في التربية، وتؤكد أن المدرسة التي تريد أن تصنع مستقبلاً مختلفاً لطلبتها، عليها أولاً أن تمنح معلميها فرصة مستمرة لصناعة مستقبلهم المهني

فالتعليم الحقيقي لا يبدأ حين يفتح الطالب كتابه..

بل يبدأ حين يقرر المعلم أن يتعلم من جديد

ومن هذه الفكرة، تواصل مدارس المعرفة الأهلية بناء رؤيتها التعليمية؛ رؤية تؤمن بأن المدرسة ليست مكاناً يتلقى فيه الطالب المعرفة فحسب، وإنما بيئة يتعلم فيها الجميع: الطالب، والمعلم، والمؤسسة نفسها..

معاً لصناعة مستقبل واعد.