‭ ‬تحرّش‭ ‬سياسي‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬وقته

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

‭ ‬لم‭ ‬تمر‭ ‬العلاقات‭ ‬الامريكية‭ ‬مع‭ ‬أوربا‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬أسوأ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يتورع‭ ‬في‭ ‬خلالها‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬عن‭ ‬التهكم‭ ‬على‭ ‬أوربا‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬مهادناً‭ ‬ومجاملاً‭ ‬في‭ ‬تصريحاته،‭ ‬الا‭ ‬انه‭ ‬يلوح‭ ‬بقوة‭ ‬وجدية‭ ‬بعدم‭ ‬الحاجة‭ ‬لشراكات‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬الأوربية‭ ‬بعد‭ ‬انجاز‭ ‬اتفاق‭ ‬الشراكة‭ ‬الامريكية‭ ‬الكندية‭.‬

‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المفصل‭ ‬الزمني‭ ‬التاريخي‭ ‬الخطير‭ ‬الذي‭ ‬يشعر‭ ‬الامريكان‭ ‬فيه‭ ‬انهم‭ ‬مستهدفون‭ ‬من‭ ‬الجميع،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬اذ‭ ‬أنهم‭ ‬عالقون‭ ‬في‭ ‬مأزق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬المكلف‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬وأنهم‭ ‬معرّضون‭ ‬لسهام‭ ‬تجارية‭ ‬نافذة‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬وامواج‭ ‬بحرها‭ ‬غير‭ ‬المستقرة‭ ‬حول‭ ‬حلفائهم‭ ‬هناك‭.‬‭ ‬كما‭ ‬انهم‭ ‬يواجهون‭ ‬نفوراً‭ ‬أو‭ ‬تململاً‭ ‬أو‭ ‬وضعاً‭ ‬غير‭ ‬مريح،‭ ‬ولو‭ ‬بخفوت،‭ ‬من‭ ‬الحلفاء‭ ‬التقليديين‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬يضاف‭ ‬الى‭ ‬ذلك‭ ‬انسحاب‭ ‬عسكري‭ ‬مفروض‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬العراق،‭ ‬قلب‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الذي‭ ‬صنعوا‭ ‬عافيته‭ ‬بعملية‭ ‬القلب‭ ‬المفتوح‭ ‬الشهيرة‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬2003‭. ‬

في‭ ‬هذا‭ ‬التوقيت‭ ‬النادر‭ ‬تاريخياً‭ ‬وليس‭ ‬سواه،‭ ‬يندفع‭ ‬العراق‭ ‬لفتح‭ ‬الباب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أية‭ ‬شروط،‭ ‬وبتسهيلات‭ ‬كبيرة،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬“خطابية”‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬للشركات‭ ‬الألمانية‭ ‬لملء‭ ‬الفراغ‭ ‬الاستثماري‭ ‬والتصنيعي‭ ‬والتنموي‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬مع‭ ‬إشارة‭ ‬خفية‭ ‬الى‭ ‬انهم‭ ‬مفضلون‭ ‬على‭ ‬سواهم‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬يريدون‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬هنا،‭ ‬ولكن‭ ‬العراقيين‭ ‬غير‭ ‬راغبين‭ ‬بهم،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬التصريح‭ ‬بأسمائهم‭.‬

اللغة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬ظهر‭ ‬فيها‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الزيارتين‭ ‬المتتابعتين‭ ‬لفرنسا‭ ‬وألمانيا،‭ ‬توحي‭ ‬بأنّ‭ ‬التفاهمات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬زيارة‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬وعروض‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬الامريكية،‭ ‬أصبحت‭ ‬من‭ ‬الماضي،‭ ‬أو‭ ‬انها‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للتفعيل،‭ ‬وإلا‭ ‬ما‭ ‬هذا‭ ‬الاستعجال‭ ‬لفتح‭ ‬الباب‮»‬‭ ‬المحظور‮»‬‭ ‬أمام‭ ‬الاوربيين‭ ‬في‭ ‬توقيت‭ ‬يستثير‭ ‬الانزعاج‭ ‬الامريكي‭ ‬لا‭ ‬محالة‭.‬

‭ ‬انّ‭ ‬أيّ‭ ‬مراقب‭ ‬يستغرب‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬تحسّب‭ ‬سياسي‭ ‬يضبط‭ ‬العلاقات‭ ‬الخارجية‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬الخيط‭ ‬الامريكي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُستبعد‭ ‬أن‭ ‬ينقطع‭ ‬لكثرة‭ ‬الطرق،‭ ‬وهنا،‭ ‬سوف‭ ‬ينقطع‭ ‬علينا‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬سوانا‭.‬

ما‭ ‬يجري‭ ‬يذكّرنا‭ ‬بوقفة‭ ‬أسوأ‭ ‬رئيس‭ ‬حكومة‭ ‬مرّ‭ ‬بالعراق،‭ ‬حين‭ ‬وقف‭ ‬بخشوع‭ ‬ومذلة‭ ‬وحنين‭ ‬أمام‭ ‬ضريح‭ ‬ماو‭ ‬تسي‭ ‬تونغ،‭ ‬فاتحاً‭ ‬ذراعيه‭ ‬وخزينة‭ ‬الدولة‭ ‬الفارغة‭ ‬للشركات‭ ‬الصينية‭ ‬لكي‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬البديل‭ ‬للأمريكان‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اية‭ ‬قراءة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لما‭ ‬يحيط‭ ‬بالعراق‭ ‬وما‭ ‬يعانيه‭ ‬البلد‭ ‬من‭ ‬مشكلات‭ ‬جوهرية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مفاتيحها‭ ‬بيد‭ ‬واشنطن‭ ‬حصراً‭.‬

هناك‭ ‬خطوات‭ ‬صعبة‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مجدية‭ ‬اذا‭ ‬امتلكت‭ ‬توقيتها‭ ‬المناسب‭ ‬ومراعاة‭ ‬ما‭ ‬يحيط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬ومتربصين‭.‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية