مسجد يروي قصة الإسلام في جزيرة مايوت

باريس‭ (‬فرنسا‭) (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬في‭ ‬تسينغوني‭ ‬على‭ ‬الساحل‭ ‬الشرقي‭ ‬لجزيرة‭ ‬مايوت‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي،‭ ‬تروي‭ ‬الحفريات‭ ‬الأثرية‭ ‬في‭ ‬أقدم‭ ‬مسجد‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬فرنسيّة‭ ‬قصة‭ ‬استيطان‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة‭ ‬وتطورها‭ ‬حتى‭ ‬قيام‭ ‬سلطنة‭ ‬فيها،‭ ‬كما‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬تفاعل‭ ‬الاعتقاد‭ ‬الإسلامي‭ ‬مع‭ ‬المعتقدات‭ ‬المحلية‭ ‬هناك‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تسعة‭ ‬قرون‭.‬

تُشكل‭ ‬مايوت‭ ‬المقاطعة‭ ‬الفرنسية‭ ‬الرقم‭ ‬101،‭ ‬وتقع‭ ‬قبالة‭ ‬الساحل‭ ‬الشرقي‭ ‬للقارة‭ ‬الإفريقية،‭ ‬قرب‭ ‬جُزر‭ ‬القمر‭.‬

ويرتفع‭ ‬في‭ ‬تسينغوني‭ ‬مسجد‭ ‬هو‭ ‬الأقدم‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الفرنسية‭. ‬وكان‭ ‬قبل‭ ‬خمسة‭ ‬قرون‭ ‬رمزا‭ ‬لقوة‭ ‬السلاطين‭ ‬الذي‭ ‬جعلوا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬عاصمة‭ ‬لهم‭.‬

وتجري‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسجد‭ ‬المصنّف‭ ‬ضمن‭ ‬المعالم‭ ‬التاريخية‭ ‬الفرنسيّة‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2015،‭ ‬أعمال‭ ‬ترميم‭ ‬تشرف‭ ‬عليه‭ ‬البلدية‭. ‬وأجرى‭ ‬المعهد‭ ‬الوطني‭ ‬الفرنسي‭ ‬للأبحاث‭ ‬الأثرية‭ ‬الوقائية‭ (‬Inrap‭) ‬عام‭ ‬2023‭ ‬أول‭ ‬حفريات‭ ‬أثرية‭ ‬تُنفذ‭ ‬داخل‭ ‬مسجد‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬فرنسية،‭ ‬بعدما‭ ‬حظي‭ ‬بموافقة‭ ‬السكان‭.‬

وتقول‭ ‬جوستين‭ ‬سعدي‭ ‬المسؤولة‭ ‬العلمية‭ ‬عن‭ ‬المشروع‭ “‬إن‭ ‬سكان‭ ‬مايوت‭ ‬مهتمون‭ ‬بتراثهم‭ ‬وبأصولهم‭ ‬الأسترونيزية‭ ‬والبانتوية‭ ‬والسواحلية‭… ‬فهذا‭ ‬المزيج‭ ‬الثقافي‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يميزهم‭”.‬

تقول‭ ‬الدراسات‭ ‬إن‭ ‬استيطان‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة‭ ‬وجزر‭ ‬القمر‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬أواخر‭ ‬الألفية‭ ‬الأولى‭ ‬للميلاد‭.‬

ويروي‭ ‬المؤرخ‭ ‬مارسيال‭ ‬بولي،‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬المعهد‭ ‬الوطني‭ ‬للغات‭ ‬والحضارات‭ ‬الشرقية‭ (‬Inalco‭)‬،‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬مايوت‭ ‬عبر‭ ‬الطرق‭ ‬التجارية‭ ‬البحرية‭.‬

ويضيف‭ “‬يُرجّح‭ ‬أن‭ ‬بحارة‭ ‬من‭ ‬عُمان‭ ‬وربما‭ ‬من‭ ‬فارس‭ ‬أيضا،‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬نقلوا‭ ‬الإسلام‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭. ‬لكننا‭ ‬نعلم‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬المعتقدات‭ ‬الأرواحيّة‭ ‬التقليدية‭ ‬ظلت‭ ‬قائمة‭ ‬لوقت‭ ‬طويل‭”.‬

ويرى‭ ‬أن‭ ‬الأدلة‭ ‬الأثرية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اعتناق‭ ‬السكان‭ ‬للإسلام‭ ‬جرى‭ ‬تدريجا‭ ‬خلال‭ ‬القرنين‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬والثاني‭ ‬عشر‭.‬

بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحفريات،‭ ‬تمكن‭ ‬الباحثون‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬تركيب‭ ‬التسلسل‭ ‬التاريخي‭ ‬للمسجد،‭ ‬وأثبتوا‭ ‬أن‭ ‬وجوده‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬قرون‭ ‬أقدم‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬يُعتقد‭.‬

يظن‭ ‬الباحثون‭ ‬أن‭ ‬المسجد‭ ‬بُني‭ ‬أولا‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬عشر‭ ‬بمواد‭ ‬لا‭ ‬تُعمّر‭ ‬كثيرا‭. ‬ثم‭ ‬شيّد‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬عشر‭ ‬باستخدام‭ ‬الحجر‭ ‬الرملي‭ ‬الساحلي‭ ‬والمرجان‭ ‬والبازلت‭.‬

ويعتبر‭ ‬علماء‭ ‬الآثار‭ ‬استخدام‭ ‬المرجان‭ “‬مؤشرا‭ ‬زمنيا‭ ‬إقليميا‭”‬،‭ ‬إذ‭ ‬استُخدم‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬مساجد‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬الساحل‭ ‬الشرقي‭ ‬لإفريقيا‭ ‬وفي‭ ‬منطقة‭ ‬قناة‭ ‬موزمبيق‭ ‬خلال‭ ‬الحقبة‭ ‬نفسها‭.‬

ولاحظ‭ ‬الباحثون‭ ‬أيضا‭ ‬تغييرات‭ ‬معمارية‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬عشر،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬آثار‭ ‬حريق‭ ‬يُرجح‭ ‬أنه‭ ‬أتى‭ ‬على‭ ‬السقف‭ ‬الخشبي‭.‬

وفي‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬دخل‭ ‬المسجد‭ ‬مرحلة‭ ‬التوسع‭ ‬العمراني‭ ‬الكبير،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬الازدهار‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بحيث‭ ‬تضاعفت‭ ‬مساحاته‭ ‬وشُيّد‭ ‬فيه‭ ‬محراب‭.‬

ويعود‭ ‬تاريخ‭ ‬هذا‭ ‬المحراب‭ ‬إلى‭ ‬عام‭ ‬1538،‭ ‬فأحد‭ ‬النقوش‭ ‬يحمل‭ ‬اسم‭ ‬السلطان‭ ‬علي‭ ‬محمد،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬حاكما‭ ‬في‭ ‬ذاك‭ ‬الوقت‭.‬

ويقول‭ ‬بولي‭ “‬تقول‭ ‬الروايات‭ ‬التقليدية‭ ‬إن‭ ‬الإسلام‭ ‬وصل‭ ‬الى‭ ‬الجزيرة‭ ‬في‭ ‬ذاك‭ ‬الوقت،‭ ‬وإن‭ ‬السلاطين‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬نشروا‭ ‬الإسلام‭ ‬والحضارة‭”.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الأدلة‭ ‬الأثرية‭ ‬تروي‭ ‬قصة‭ ‬مختلفة،‭ ‬إذ‭ ‬تُظهر‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬كان‭ ‬موجودا‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭ ‬قبل‭ ‬ظهور‭ ‬حكم‭ ‬السلاطين‭ ‬بثلاثة‭ ‬قرون‭.‬

استشف‭ ‬الباحثون‭ ‬من‭ ‬تحليل‭ ‬الآثار‭ ‬أن‭ ‬السكان‭ ‬كانوا‭ ‬على‭ ‬المذهب‭ ‬الشافعي‭.‬

وظلت‭ ‬تسينغوني‭ ‬ومسجدها‭ ‬مركزين‭ ‬رئيسيين‭ ‬حتى‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬حين‭ ‬أدت‭ ‬التوترات‭ ‬بين‭ ‬مايوت‭ ‬وجزيرة‭ ‬أنجوان‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬مكانتهما‭.‬

وبعد‭ ‬بيع‭ ‬مايوت‭ ‬لفرنسا‭ ‬عام‭ ‬1841،‭ ‬خضع‭ ‬المسجد‭ ‬لعمليات‭ ‬ترميم‭ ‬عديدة‭ ‬استمرت‭ ‬حتى‭ ‬العصر‭ ‬الحاضر‭.‬

وتقول‭ ‬جوستين‭ ‬سعدي‭ ‬إن‭ ‬تحليل‭ ‬الآثار‭ ‬هناك‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬تفاعل‭ ‬ثقافي‭ ‬بين‭ ‬الإسلام‭ ‬والمعتقدات‭ ‬المحلية‭.‬

وتضيف‭ ‬أن‭ ‬الباحثين‭ ‬عثروا‭ ‬على‭ ‬صفحة‭ ‬من‭ ‬القرآن‭ ‬داخل‭ ‬جدار‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مسمار‭ ‬خشبي‭ ‬من‭ ‬هيكل‭ ‬البناء،‭ ‬يُرجّح‭ ‬أنهما‭ ‬وضعا‭ ‬أثناء‭ ‬أعمال‭ ‬ترميم‭ ‬للمسجد‭. ‬في‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬مزجا‭ ‬لعادة‭ ‬ترجع‭ ‬لمعتقد‭ ‬شعبي‭ ‬محليّ‭ ‬مع‭ ‬الاعتقاد‭ ‬الإسلامي‭.‬

وترى‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مؤشرا‭ ‬إضافيا‭ ‬إلى‭ ‬الثراء‭ ‬والتنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬اللذين‭ ‬يميزان‭ ‬الجزيرة‭.‬