عن‭ ‬الأغنية‭ ‬السبعينية-كامل عبدالرحيم

يكاد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الأغنية‭ ‬السبعينية‭ ‬يكون‭ ‬مكهربا‭ ‬،‭ ‬فهو‭ ‬كلام‭ ‬مباشر‭ ‬عن‭ ‬الهوية،‭ ‬فأنت‭ ‬تتعرى‭ ‬هوياتيا‭ ‬أمام‭ ‬الجمهور‭ (‬الخصوم‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭) ‬مجانا،‭ ‬لكنه‭ ‬شر‭ ‬لابد‭ ‬منه‭ ‬وعلي‭ ‬أن‭ ‬أدلو‭ ‬بدلوي‭.‬

لاشيء‭ ‬يرتبط‭ ‬بالسياسة‭ ‬وهوية‭ ‬النظم‭ ‬السياسية‭ ‬كالأغنية،‭ ‬فهذه‭ ‬تحمل‭ ‬الهوية‭ ‬وتنقلها‭ ‬بسرعة‭ ‬البرق،‭ ‬فيتلقاها‭ ‬الجمهور‭ ‬غير‭ ‬واع‭ ‬بتلك‭ ‬الرسالة‭ ‬السياسية،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬تنتقل‭ ‬رسالة‭ ‬النظام‭ ‬إلى‭ ‬المتلقي،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬يحمل‭ ‬هذا‭ ‬المتلقي‭ ‬هوية‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬دمه،‭ ‬بل‭ ‬وأكثر،‭ ‬في‭ ‬جيناته‭ ‬الثقافية‭ ‬وحتى‭ ‬السلوكية‭.‬

أقرب‭ ‬مثل‭ ‬لذلك‭ ‬مافعلته‭ ‬ثورة‭ ‬يوليو‭ ‬1952‭ (‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭) ‬في‭ ‬مصر‭ ‬على‭ ‬الأغنية‭ ‬والسينما‭ ‬المصريتين،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬على‭ ‬الرواية‭ ‬ومجمل‭ ‬الثقافة‭ ‬المصرية،‭ ‬ومن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬تأثير‭ ‬هذه‭ ‬الأغنية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يذهب‭ ‬للأغاني‭ ‬الوطنية‭ ‬مثل‭ (‬وطني‭ ‬حبيبي‭ ‬وطني‭ ‬الأكبر‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬لأول‭ ‬أغنية‭ ‬لعبد‭ ‬الحليم‭ ‬حافظ‭ (‬صافيني‭ ‬مرة‭) ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬ثورة‭ ‬يوليو‭ ‬التي‭ ‬وجدت‭ ‬ضالتها‭ ‬به‭ ‬وبالعكس‭.‬

ويقود‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬رؤيويون‭ ‬يعرفون‭ ‬ماذا‭ ‬يريدون‭ ‬حتى‭ ‬وأن‭ ‬كانوا‭ ‬طغاة‭ ‬وديكتاتوريين،‭ ‬مثل‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬وصدام‭ ‬حسين‭.‬

في‭ ‬العام‭ ‬1974‭ ‬احتفل‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬العراقي‭ ‬بالذكرى‭ ‬الأربعين‭ ‬ليوم‭ ‬تأسيسه،‭ ‬وفي‭ ‬الحفل‭ ‬الذي‭ ‬شارك‭ ‬به‭ ‬مطربون‭ ‬وشعراء‭ ‬شعبيون‭ ‬دعا‭ ‬سكرتير‭ ‬الحزب‭ ‬يومها‭ ‬عزيز‭ ‬محمد‭ ‬حليفيه‭ ‬في‭ ‬الجبهة،‭ ‬أحمد‭ ‬حسن‭ ‬البكر‭ ‬وصدام‭ ‬حسين،‭ ‬وصورة‭ ‬الثلاثة‭ ‬مرتدين‭ ‬الطقم‭ ‬البيضاء‭ ‬ويضحكون‭ ‬رائجة‭ ‬جدا،‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬الذي‭ ‬ينطبق‭ ‬عليه‭ ‬المثل‭ ‬التركي‭ (‬يأكل‭ ‬مع‭ ‬الذئب‭ ‬ويبكي‭ ‬مع‭ ‬الراعي‭)‬،‭ ‬والذي‭ ‬يعرف‭ ‬مايريد،‭ ‬انتبه‭ ‬للحفل‭ ‬بكل‭ ‬تفاصيله،‭ ‬وعند‭ ‬نهايته‭ ‬اجتمع‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬مع‭ ‬المكتب‭ ‬الثقافي‭ ‬قائلا‭ (‬أريد‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء‭)‬،‭ ‬وقصده‭ ‬كل‭ ‬الشعراء‭ ‬والمغنين‭ ‬يومها‭. ‬قدم‭ ‬كريم‭ ‬العراقي‭ ‬قصيدة‭ ‬شهيرة،‭ ‬فقال‭ ‬لهم‭ ‬أبدأوا‭ ‬بهذا،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حصل،‭ ‬ضاغطين‭ ‬على‭ ‬كريم‭ ‬العراقي‭ ‬من‭ ‬ثغرة‭ (‬منع‭ ‬تنظيمات‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬في‭ ‬الجيش‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬العقوبة‭ ‬الإعدام‭).‬

ما‭ ‬أريد‭ ‬قوله‭ ‬أن‭ ‬الأغنية‭ ‬السبعينية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بسبب‭ ‬مثقفي‭ ‬الجنوب‭ ‬والفرات‭ ‬الأوسط‭ ‬وقد‭ ‬وجدوا‭ ‬فرصة‭ ‬لهم،‭ ‬بل‭ ‬كانت،‭ ‬وبكل‭ ‬صراحة،‭ ‬ابنة‭ ‬هوية‭ ‬النظام‭ ‬السياسي،‭ ‬وقد‭ ‬أخفى‭ ‬مخالبه‭ ‬التي‭ ‬جربها‭ ‬العراقيون،‭ ‬وبالأخص‭ ‬الشيوعيون‭ ‬عام‭ ‬1963،‭ ‬ذكاء‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬الشيطاني‭ ‬يكمن‭ ‬هنا،‭ ‬بتركه‭ ‬تلك‭ ‬الأغنية‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬بحزنها‭ ‬ولوعتها‭ ‬وأنينها،‭ ‬فهو‭ ‬يعلم‭ ‬ماذا‭ ‬يريد‭ ‬منها،‭ ‬بالتالي،‭ ‬كانت‭ ‬الأغنية‭ ‬السبعينية‭ ‬هي‭ ‬الأم‭ ‬الحقيقية‭ ‬لأغاني‭ ‬المعركة‭ ‬وحرب‭ ‬القادسية‭.‬

عندما‭ ‬تستمع‭ ‬اليوم‭ ‬لأغنيتي‭ (‬توبه‭) ‬و‭(‬صافيني‭ ‬مرة‭)‬،‭ ‬لن‭ ‬يهمك‭ ‬ولا‭ ‬عليك‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬تتعقب‭ ‬خطى‭ ‬أو‭ ‬لمسات‭ ‬التجربة‭ ‬الناصرية،‭ ‬ونفس‭ ‬الشيء‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ (‬يا‭ ‬حريمة‭) ‬و‭(‬خطار‭).‬

عدم‭ ‬الاعتراف‭ ‬بذلك‭ ‬وفصل‭ ‬الأغنية‭ ‬السبعينية‭ ‬عن‭ ‬سياقها‭ ‬وعرابها‭ ‬يتم‭ ‬اليوم‭ ‬لأغراض‭ ‬مناطقية‭ ‬ضيقة‭ ‬وحتى‭ ‬طائفية،‭ ‬وبهذا‭ ‬النفس‭ ‬ينظر‭ ‬البعض‭ ‬للأغنية‭ ‬الخمسينية‭ ‬والستينية‭. ‬قال‭ ‬أحد‭ ‬النقاد‭ ‬عن‭ ‬أغنية‭ ‬الستينات‭ ‬والخمسينات‭ ‬بأنها‭ (‬أغنية‭ ‬ملاهي‭)‬،‭ ‬يعرف‭ ‬جيدا‭ ‬هذا‭ ‬الناقد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأغنية‭ ‬بلا‭ (‬عمام‭)‬،‭ ‬عكس‭ ‬الأغنية‭ ‬السبعينية‭ ‬والتي‭ ‬تنافس‭ ‬عليها‭ (‬العمام‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬وأصبح‭ ‬لها‭ ‬نظام‭ ‬و‭(‬شبكة‭ ‬إعلام‭) ‬وشريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬ومروجي‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭.‬

يعلم‭ ‬هذا‭ ‬الناقد‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬الملهى‭ ‬في‭ ‬ذاك‭ ‬الزمن‭ ‬كان‭ ‬أنظف‭ ‬من‭ ‬وزارات‭ ‬الثقافة‭ ‬منذ‭ ‬السبعينات‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬

حسنا،‭ ‬كانت‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬أحلام‭ ‬وهبي‭ ‬ولميعة‭ ‬توفيق‭ ‬وزهور‭ ‬تغني‭ ‬في‭ ‬الملاهي،‭ ‬لكن‭ ‬ماذا‭ ‬غنت‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬منهن،‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬عبور‭ ‬زهور‭ ‬حسين‭ ‬وإهمال‭ ‬لميعة‭ ‬توفيق‭.‬

بالإمكان‭ ‬القول‭ (‬بالنسبة‭ ‬لهذا‭ ‬الناقد‭) ‬أنها‭ ‬أغنية‭ ‬بسيطه‭ ‬أو‭ ‬ساذجة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬سخيفة،‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬أقل‭ ‬قسوة‭ ‬وظلما‭ ‬وانتهازية‭.‬

لم‭ ‬يتسع‭ ‬الوقت‭ ‬لعبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم‭ ‬أن‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬هوية‭ ‬الأغنية‭ ‬العراقية‭ (‬الستينية‭)‬،‭ ‬لكن‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬الزعيم‭ ‬واستوديو‭ ‬الأغاني‭ ‬صار‭ ‬قريبا،‭ ‬فعندما‭ ‬يكون‭ ‬مرتاحا‭ ‬يرفع‭ ‬سماعة‭ ‬الهاتف‭ ‬ليطلب‭ ‬من‭ ‬صديقه‭ ‬مدير‭ ‬الإذاعة‭ ‬لتذيع‭ ‬أغنية‭ ‬يحبها‭ ‬للمطربة‭ ‬هيفاء‭ ‬حسين‭ (‬من‭ ‬يتذكر‭ ‬هيفاء‭ ‬حسين‭ ‬وانصاف‭ ‬منير‭)‬،‭ ‬وحادثته‭ ‬مع‭ ‬المطربة‭ ‬هيام‭ ‬يونس‭ ‬تذهب‭ ‬بهذا‭ ‬الاتجاه،‭ ‬هذه‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬الزعيم‭ ‬واستوديو‭ ‬الإذاعة‭ ‬تصاغرت‭ ‬جدا‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬قاتليه‭ ‬البدويين‭ ‬قرروا‭ ‬أن‭ ‬يلفظ‭ ‬آخر‭ ‬أنفاسه‭ ‬ويسيل‭ ‬دمه‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬استوديو‭ ‬الإذاعة‭.‬

هذه‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وهي‭ ‬ليست‭ ‬مؤلمة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬توافق‭ ‬أهواء‭ ‬قبيلة‭ ‬الانتهازيين‭ ‬المتلونين‭.‬

الحقيقة‭ ‬المؤلمة،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تقول،‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬طائفة‭ ‬منتصرة‭ ‬أو‭ ‬مهزومة‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬هناك‭ ‬فئة‭ ‬لا‭ ‬تهزم،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تحكم،‭ ‬لكنها‭ ‬تكسب‭ ‬دائما‭ ‬غلة‭ ‬المكاسب‭ ‬وغنيمة‭ ‬السلطة،‭ ‬وهذه‭ ‬الفئة‭ ‬تعبر‭ ‬المنعطفات‭ ‬السياسية‭ ‬برشاقة‭ ‬الثعالب‭ ‬ودبق‭ ‬أسماك‭ ‬الزينة،‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تحكم‭ ‬لكنها‭ ‬تحدد‭ ‬معايير‭ ‬كل‭ ‬مرحلة،‭ ‬وترفع‭ ‬شعاراتها‭ ‬وترسم‭ ‬خطوطها‭ ‬الحمراء،‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬ممتدة‭ ‬منذ‭ ‬الستينات‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬لكنها‭ ‬وجدت‭ ‬ضالتها‭ ‬المثلى‭ ‬وجائزتها‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النظام،‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬مثقفين‭ ‬وسياسيين‭ ‬ونقاد،‭ ‬وبالطبع‭ ‬تتخادم‭ ‬مع‭ ‬مقاولين‭ ‬ورجال‭ ‬أعمال‭ ‬عابرين‭ ‬للحدود‭ ‬والطوائف،‭ ‬والسبعينات‭ ‬والتسعينات‭ ‬والألفينات‭ ‬وربما‭ ‬إلى‭ ‬الأبد،‭ ‬فئة‭ ‬ليست‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬ذائقتتا‭ ‬وأهوائنا،‭ ‬لكن‭ ‬مهمتها‭ ‬إفساد‭ ‬حياتنا‭ ‬وتشويه‭ ‬البلاد‭ ‬وحمس‭ ‬المصطلحات،‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬أسماء،‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬بذهنك‭… ‬صحيح‭ ‬ويشير‭ ‬لتلك‭ ‬الفئة‭ ‬الباغية‭.‬