مَن‭ ‬يفرز‭ ‬النفايات؟

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

فرز‭ ‬النفايات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬خطط‭ ‬استثمارية‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬والبيئة‭ ‬والصناعة‭. ‬هناك‭ ‬لكل‭ ‬بيت‭ ‬ثلاثة‭ ‬أنواع‭ ‬من‭ ‬الأكياس،‭ ‬الأول‭ ‬أسود‭ ‬لرمي‭ ‬النفايات‭ ‬العادية،‭ ‬والثاني‭ ‬شفاف‭ ‬لرمي‭ ‬الأوراق‭ ‬والأغلفة‭ ‬والعلب‭ ‬الكارتونية،‭ ‬والثالث‭ ‬مخصص‭ ‬لبقايا‭ ‬الطعام‭ ‬المستهلك‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬من‭ ‬خبز،‭ ‬ووجبات،‭ ‬وقشور‭ ‬فواكه،‭ ‬وخضروات‭.‬

هذا‭ ‬التصنيف‭ ‬المتبع‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬المتقدمة،‭ ‬يهدف‭ ‬الى‭ ‬عمليات‭ ‬تدوير‭ ‬صناعية‭ ‬ذات‭ ‬فائدة‭ ‬للمجتمع‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬كلفة‭ ‬انتاج‭ ‬المواد‭ ‬غير‭ ‬الأساسية‭ ‬وتقلل،‭ ‬بل‭ ‬تلغي‭ ‬غالبا‭ ‬استيرادها‭ ‬مما‭ ‬يوفر‭ ‬العملات‭ ‬الصعبة‭ ‬ويقوي‭ ‬جانبا‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭.‬

هناك‭ ‬الى‭ ‬جنب‭ ‬أكياس‭ ‬النفايات‭ ‬المنزلية،‭ ‬مكبات‭ ‬رسمية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬منطقة‭ ‬سكنية‭ ‬لرمي‭ ‬المواد‭ ‬الزائدة‭ ‬التي‭ ‬يجري‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنها،‭ ‬ومنها‭ ‬مواد‭ ‬البناء‭ ‬والاخشاب‭ ‬والاثاث‭ ‬ومستلزمات‭ ‬الحدائق‭ ‬المستهلكة‭ ‬وسوى‭ ‬ذلك،‭ ‬وهنا‭ ‬تقوم‭ ‬البلديات‭ ‬باستيفاء‭ ‬أجور‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬يريدون‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬موادهم‭ ‬الزائدة‭ ‬عن‭ ‬الحاجة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وزنها‭.‬

المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬بحاجة‭ ‬ماسة‭ ‬الى‭ ‬اعتماد‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬النفايات‭ ‬المنزلية،‭ ‬وانّما‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬السياسي‭ ‬مع‭ ‬الأحزاب‭ ‬والقوى‭ ‬التي‭ ‬تشغل‭ ‬المشهد‭ ‬الحياتي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والرسمي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تقديم‭ ‬اية‭ ‬منفعة‭ ‬عملية‭ ‬مباشرة‭ ‬للمواطنين‭. ‬جميع‭ ‬الأحزاب‭ ‬تسعى‭ ‬للاستغلال‭ ‬النفعي،‭ ‬وفي‭ ‬الازمات‭ ‬تعيد‭ ‬الأسباب‭ ‬الى‭ ‬مركزية‭ ‬القيادة‭ ‬والقرار‭ ‬في‭ ‬القمة‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬انها‭ ‬كانت‭ ‬السبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬والمباشر‭ ‬في‭ ‬نخر‭ ‬قاعدة‭ ‬الهرم‭.‬

‭ ‬مشكلة‭ ‬الأحزاب‭ ‬العربية‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬الدورات‭ ‬الانتخابية‭ ‬البرلمانية،‭ ‬انها‭ ‬تعتقد‭ ‬بشكل‭ ‬راسخ‭ ‬ان‭ ‬السياسيين‭ ‬ليس‭ ‬لديهم‭ ‬تلفيات‭ ‬تنضح‭ ‬منهم‭ ‬وتستهلك‭ ‬ولابد‭ ‬من‭ ‬ابدالها،‭ ‬فالجميع‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬الحزبي‭ ‬من‭ ‬تجاوز‭ ‬الثمانين‭ ‬منهم‭ ‬ومن‭ ‬لايزال‭ ‬في‭ ‬العشرين‭ ‬يتنافسون‭ ‬بنفس‭ ‬الحماسة‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬نيل‭ ‬المنصب‭ ‬والغنيمة‭ ‬والجاه‭ ‬والنفوذ‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الالتفات‭ ‬الى‭ ‬ما‭ ‬يتسبب‭ ‬فيه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬اثار‭ ‬مدمرة‭ ‬تشبه‭ ‬تلوث‭ ‬البيئة‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬تستغله‭ ‬الأحزاب‭ ‬لأغراض‭ ‬انتخابية‭ ‬ونفوذية‭.‬

‭ ‬هناك‭ ‬تلوث‭ ‬سياسي‭ ‬غير‭ ‬محسوب‭ ‬العواقب،‭ ‬فالسياسي‭ ‬أصبحت‭ ‬مهنة‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬مهنة‭ ‬له،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يكون‭ ‬لا‭ ‬يجيد‭ ‬شيئا‭ ‬ويسهم‭ ‬في‭ ‬تخريب‭ ‬أي‭ ‬موقع‭ ‬يشغله‭ ‬عن‭ ‬وعي‭ ‬وإرادة‭ ‬منه‭ ‬او‭ ‬عن‭ ‬جهل‭ ‬وضياع‭.‬

المشهد‭ ‬متداخل‭ ‬ومضطرب‭ ‬،‭ ‬أرى‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬انهم‭ ‬يستوردون‭ ‬بقيمة‭ ‬تفوق‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬مواد‭ ‬بلاستيكية‭ ‬والبلد‭ ‬نفطي‭ ‬والصناعات‭ ‬البتروكيمياوية‭ ‬متاحة‭ ‬التنفيذ،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لا‭ ‬تجري‭ ‬إعادة‭ ‬تدوير‭ ‬البلاستيك‭ ‬الا‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬ضيق‭ ‬ومحلي‭ ‬وليس‭ ‬صناعيا‭ ‬شاملا‭. ‬كما‭ ‬انّ

‭ ‬العالم‭ ‬يريد‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬البلاستيك‭ ‬كونه‭ ‬مصدر‭ ‬تلوث‭ ‬البيئة‭ ‬وليس‭ ‬بابا‭ ‬للاستيراد‭ ‬بالعملة‭ ‬الصعبة‭.‬

في‭ ‬السياسة‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬أحزابا‭ ‬محنطة‭ ‬تعتقد‭ ‬انها‭ ‬عملة‭ ‬صعبة‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للإبدال‭ ‬والتخلي‭ ‬والاستهلاك،‭ ‬وأنها‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬للبلد‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬احتياطي‭ ‬للنقد‭ ‬او‭ ‬الذهب‭. ‬هذه‭ ‬العقلية‭ ‬هي‭ ‬سبب‭ ‬انهيار‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬الازمات‭ ‬الكبرى،‭ ‬وسنشهد‭ ‬مفاجآت،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬نجد‭ ‬طريقة‭ ‬في‭ ‬فرز‭ ‬النفايات‭ ‬السياسية‭ ‬وعدم‭ ‬تدويرها‭ ‬لأنها‭ ‬تتحلل‭ ‬ذاتياً‭ ‬بسهولة‭.‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية

‭ ‬

‭ ‬