التجزئة‭  ‬-محمد زكي ابراهيم

لقد‭ ‬أتى‭ ‬على‭ ‬أبناء‭ ‬العربية‭ ‬حين‭ ‬من‭ ‬الدهر،‭ ‬كانوا‭ ‬يلهجون‭ ‬فيه‭ ‬بذكر‭ ‬الوحدة،‭ ‬ويحلمون‭ ‬بقيامها،‭ ‬ويتغنون‭ ‬بمقدمها،‭ ‬شاملة‭ ‬كاملة،‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬إلى‭ ‬الخليج‭!.‬

وإن‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬عقود‭ ‬حتى‭ ‬خف‭ ‬هذا‭ ‬الشعور،‭ ‬واختفى‭ ‬من‭ ‬الوجود،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬ثمة‭ ‬من‭ ‬يفكر‭ ‬فيه،‭ ‬أو‭ ‬يتمنى‭ ‬حدوثه،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬مني‭ ‬العرب‭ ‬بإخفاقات‭ ‬عديدة‭.‬

وتوارى‭ ‬زعماؤهم‭ ‬الكبار،‭ ‬ومفكروهم،‭ ‬وأدباؤهم‭ ‬عن‭ ‬الأنظار،‭ ‬وحل‭ ‬محلهم‭ ‬جيل‭ ‬جديد،‭ ‬كل‭ ‬همه‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬بيديه‭ ‬من‭ ‬أرض،‭ ‬وجل‭ ‬ما‭ ‬يرجوه‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬بلده‭ ‬عصياً‭ ‬على‭ ‬الانهيار‭.‬

‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬التجزئة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يرض‭ ‬عنها‭ ‬قادة‭ ‬التيار‭ ‬الوحدوي‭ ‬ورموزه،‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬باتت‭ ‬هي‭ ‬الوحدة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يريدون‭ ‬لعراها‭ ‬أن‭ ‬تنفصم،‭ ‬ولحدودها‭ ‬أن‭ ‬تتآكل‭.  ‬

بل‭ ‬إن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬ترق‭ ‬لهم‭ ‬مشاريع‭ ‬وحدوية‭ (‬إقليمية‭) ‬مثل‭ ‬سوريا‭ ‬الكبرى،‭ ‬تضم‭ ‬أربعة‭ ‬أو‭ ‬خمسة‭ ‬بلدان،‭ ‬أصبحوا‭ ‬يتحسرون‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬أقطارهم،‭ ‬ويتمنون‭ ‬أن‭ ‬تحتفظ‭ ‬سوريا‭ (‬الصغرى‭) ‬بلحمتها،‭ ‬وتبقى‭ ‬عصية‭ ‬على‭ ‬التفكك‭ ‬والانقسام‭.‬

‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الوحدة‭ ‬تعني‭ ‬اندماج‭ ‬بلدين‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬كيان‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬البقاء‭ ‬ضمن‭ ‬الحدود‭ ‬المرسومة،‭ ‬وتجنب‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬الكيانات‭ ‬المجهرية،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قائمة‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬السحيق،‭ ‬وكل‭ ‬همها‭ ‬أن‭ ‬تغزو‭ ‬الجيران،‭ ‬وتسلب‭ ‬ما‭ ‬لديهم‭ ‬من‭ ‬متاع‭.  ‬

إن‭ ‬فكرة‭ ‬الأمة‭ ‬الواحدة،‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬مفكرون‭ ‬كبار،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سابقة‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬الملوك،‭ ‬الذين‭ ‬وطدوا‭ ‬أركانها‭. ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬محض‭ ‬قبائل‭ ‬متناثرة،‭ ‬تتنازع‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بينها‭ ‬على‭ ‬الموارد،‭ ‬وتتكلم‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬لغتها‭ ‬خاصة‭.‬

لكن‭ ‬الملوك‭ ‬أو‭ ‬الزعماء،‭ ‬استطاعوا‭ ‬أن‭ ‬يجمعوا‭ ‬شملها،‭ ‬ويوحدوا‭ ‬لغتها،‭ ‬مثلما‭ ‬حدث‭ ‬بعد‭ ‬البعثة‭ ‬النبوية،‭ ‬حينما‭ ‬حرم‭ ‬الغزو،‭ ‬وطغت‭ ‬لغة‭ ‬الحجاز‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سواها،‭ ‬وظهرت‭ ‬للوجود‭ ‬أمة‭ ‬عربية‭ ‬ذات‭ ‬ملامح‭ ‬خاصة‭.‬

ومثلما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬لويس‭ ‬الرابع‭ ‬عشر‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي،‭ ‬حينما‭ ‬تركزت‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ (‬الأيل‭ ‬دي‭ ‬فرانس‭) ‬حول‭ ‬باريس،‭ ‬وغدت‭ ‬لغتها‭ ‬هي‭ ‬لغة‭ ‬الأمة‭ ‬الفرنسية‭.‬

وفي‭ ‬بريطانيا‭ ‬حينما‭ ‬تكتلت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الإمارات‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬يعادي‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭ ‬الآخر،‭ ‬حول‭ ‬عائلة‭ (‬ويسيكس‭) ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي‭.‬

والأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬كثيرة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬اللغات‭ ‬التي‭ ‬تتحدث‭ ‬بها‭ ‬شعوب‭ ‬أوربا‭ ‬الآن،‭ ‬تبلورت‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬ملوك‭ ‬التيودور،‭ ‬والبوربون،‭ ‬والهابسبورغ،‭ ‬وسواهم،‭ ‬حينما‭ ‬تخلوا‭ ‬عن‭ ‬اللاتينية‭ ‬وفرضوا‭ ‬لهجاتهم‭ ‬الخاصة‭ ‬بدلاً‭ ‬عنها‭.‬

‭  ‬كانت‭ ‬اللغة‭ ‬إذن،‭ ‬هي‭ ‬الأداة‭ ‬التي‭ ‬رافقت‭ ‬نشوء‭ ‬الدول،‭ ‬واستطاع‭ ‬الحكام،‭ ‬ورجال‭ ‬الدين،‭ ‬والمفكرون،‭ ‬أن‭ ‬يجمعوا‭ ‬بها‭ ‬شمل‭ ‬القبائل‭ ‬والإمارات‭ ‬المتناحرة،‭ ‬ويسبغوا‭ ‬عليها‭ ‬صفات‭ ‬الأمة‭.‬

لكن‭ ‬الغريب‭ ‬أن‭ ‬تحاول‭ ‬هذه‭ ‬القبائل‭ ‬والإمارات‭ ‬اليوم‭ ‬تدمير‭ ‬هذه‭ ‬الوحدة‭ ‬اللغوية،‭ ‬وتعود‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬قيام‭ ‬الأمة‭ ‬–‭ ‬الدولة،‭ ‬ويجهد‭ ‬رؤساؤها‭ ‬أنفسهم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ،‭ ‬ويجندون‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ذلك‭ ‬حشداً‭ ‬من‭ ‬السياسيين‭ ‬والشعراء‭ ‬والفنانين‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭.‬

‭ ‬يبقى‭ ‬أن‭ ‬الملك‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يصنع‭ ‬الأمة‭ ‬في‭ ‬الماضي،‭ ‬قد‭ ‬اختفى‭ ‬هو‭ ‬الآخر،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬موجوداً،‭ ‬لقد‭ ‬رحل‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أدى‭ ‬مهمته‭ ‬بنجاح،‭ ‬وترك‭ ‬هذه‭ ‬الأمة‭ ‬عرضة‭ ‬للانحلال‭ ‬والتشرذم،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬وحده‭  ‬الذي‭ ‬بعث‭ ‬الهمم،‭ ‬وأذكى‭ ‬المشاعر،‭ ‬وخلق‭ ‬الظروف‭ ‬المادية‭ ‬للاتحاد،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬حمل‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬الشعور‭ ‬بالانتماء‭ ‬إلى‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض،‭ ‬ونبذ‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يفعل‭ ‬أسلافهم‭ ‬قبل‭ ‬مئات‭ ‬أو‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬وكانت‭ ‬وسيلته‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اللغة‭ ‬الحية،‭ ‬لأنها‭ ‬هي‭ ‬وحدها‭ ‬التي‭ ‬تشد‭ ‬من‭ ‬أزر‭ ‬الزعيم‭ ‬الملهم،‭ ‬وتجمع‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬حوله،‭ ‬وتخلق‭ ‬الأجواء‭ ‬الملائمة‭ ‬لانبعاث‭ ‬حضاري‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬الصف،‭ ‬والأرض،‭ ‬والموقف،‭ ‬والمصير‭.‬

إن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تحول‭ ‬فجأة‭ ‬عن‭ ‬مساره،‭ ‬فإنه‭ ‬سيفعل‭ ‬العكس،‭ ‬ويجعل‭ ‬التجزئة‭ ‬قدراً‭ ‬لازماً،‭ ‬ونهاية‭ ‬محتومة‭.‬