المونة السورية…تراث يحفظ خيرات المواسم

دمشق‭-‬سانا‭: ‬حين‭ ‬يجمع‭ ‬الصيف‭ ‬ألوانه‭ ‬الأخيرة‭ ‬وتطل‭ ‬نسمات‭ ‬الخريف،‭ ‬تتحول‭ ‬البيوت‭ ‬السورية‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬والأرياف‭ ‬إلى‭ ‬خلايا‭ ‬نحل‭ ‬لا‭ ‬تهدأ،‭ ‬فتمتد‭ ‬الشراشف‭ ‬فوق‭ ‬الأسطح،‭ ‬وتتدلى‭ ‬خيوط‭ ‬البامية‭ ‬على‭ ‬الشرفات،‭ ‬فيما‭ ‬تصطف‭ ‬المرطبانات‭ ‬الزجاجية‭ ‬فوق‭ ‬رفوف‭ ‬النملية‭ ‬وداخل‭ ‬بيت‭ ‬المونة‭.‬

ومن‭ ‬قلب‭ ‬هذا‭ ‬المشهد،‭ ‬تفتح‭ ‬زاوية‭ ‬نبض‭ ‬التراث‭ ‬هذا‭ ‬الأسبوع‭ ‬باب‭ ‬بيت‭ ‬المونة‭ ‬السوري،‭ ‬لتروي‭ ‬حكاية‭ ‬تقليد‭ ‬حافظ‭ ‬عبر‭ ‬العصور‭ ‬على‭ ‬طرق‭ ‬حفظ‭ ‬الطعام،‭ ‬وجمع‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭ ‬حول‭ ‬العمل‭ ‬الموسمي،‭ ‬وغدا‭ ‬طقساً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬وثقافياً‭ ‬يعكس‭ ‬حكمة‭ ‬البيت‭ ‬السوري‭ ‬في‭ ‬الإفادة‭ ‬من‭ ‬خيرات‭ ‬الأرض‭ ‬والاستعداد‭ ‬للشتاء‭ ‬وتقلبات‭ ‬الفصول‭.‬

يتصدر‭ ‬المكدوس‭ ‬أصناف‭ ‬المونة‭ ‬السورية،‭ ‬حتى‭ ‬استحق‭ ‬لقب‭ ‬ملك‭ ‬المونة،‭ ‬إذ‭ ‬تُسلق‭ ‬حبات‭ ‬الباذنجان‭ ‬الصغيرة‭ ‬وتُصفّى‭ ‬ثم‭ ‬تُحشى‭ ‬بالجوز‭ ‬والفليفلة‭ ‬الحمراء‭ ‬والثوم،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُغمر‭ ‬بالزيت،‭ ‬وإلى‭ ‬جانبه‭ ‬تحضر‭ ‬الجبنة‭ ‬البلدية‭ ‬واللبنة‭ ‬المكبوسة‭ ‬والشنكليش‭ ‬بوصفها‭ ‬أشكالاً‭ ‬متعددة‭ ‬لحفظ‭ ‬منتجات‭ ‬الحليب‭.‬

وتؤدي‭ ‬الشمس‭ ‬دوراً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التراث،‭ ‬فتُجفف‭ ‬تحت‭ ‬أشعتها‭ ‬الملوخية‭ ‬والبامية‭ ‬والباذنجان‭ ‬وقشور‭ ‬الكوسا‭ ‬بعد‭ ‬حفرها،‭ ‬وتتحول‭ ‬البندورة‭ ‬والفليفلة‭ ‬والرمان،‭ ‬بالعصر‭ ‬والطبخ‭ ‬البطيء،‭ ‬إلى‭ ‬دبس‭ ‬مركز،‭ ‬فيما‭ ‬تحفظ‭ ‬المربيات‭ ‬نكهة‭ ‬التين‭ ‬والمشمش‭ ‬والقرع‭.‬

أما‭ ‬موسم‭ ‬الحبوب،‭ ‬فله‭ ‬طقوسه‭ ‬الخاصة،‭ ‬إذ‭ ‬يُسلق‭ ‬القمح‭ ‬ويُجفف‭ ‬ثم‭ ‬يُجرش‭ ‬لإنتاج‭ ‬البرغل،‭ ‬بينما‭ ‬تُشوى‭ ‬السنابل‭ ‬الخضراء‭ ‬لإعداد‭ ‬الفريكة،‭ ‬وكانت‭ ‬الحبوب‭ ‬والعدس‭ ‬تُحفظ‭ ‬قديماً‭ ‬في‭ ‬الخوابي‭ ‬الفخار،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الرطوبة‭ ‬والحشرات‭.‬

‭  ‬في‭ ‬مكنون‭ ‬السلوك‭ ‬الدمشقي”‭ ‬صورة‭ ‬حية‭ ‬عن‭ ‬حضور‭ ‬المونة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬لدمشق،‭ ‬فيذكر‭ ‬أن‭ ‬دكاكين‭ ‬السمانين‭ ‬كانت‭ ‬تعرض‭ ‬الكشك‭ ‬البيتي،‭ ‬وأن‭ ‬تجار‭ ‬الحبوب‭ ‬تعاملوا‭ ‬بالبرغل‭ ‬والكشك،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الجبن‭ ‬والبيض‭.‬

كما‭ ‬يوثق‭ ‬انتقال‭ ‬الفائض‭ ‬من‭ ‬مؤونة‭ ‬الفلاحين‭ ‬إلى‭ ‬مخازن‭ ‬المدينة،‭ ‬ومعاينة‭ ‬البرغل‭ ‬الناعم‭ ‬والخشن‭ ‬والكشك‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬جودتها‭ ‬ومن‭ ‬كونها‭ ‬مؤونة‭ ‬السنة‭ ‬قبل‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬سعرها،‭ ‬لتكشف‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬أن‭ ‬المونة‭ ‬الشامية‭ ‬كانت‭ ‬منظومة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬الريف‭ ‬وإعداد‭ ‬المؤن‭ ‬وتجفيفها‭ ‬وفرزها،‭ ‬ثم‭ ‬تخزينها‭ ‬وتبادلها‭ ‬ووصولها‭ ‬إلى‭ ‬بيوت‭ ‬المدينة‭ ‬وأسواقها‭.‬

وفي‭ ‬حوار‭ ‬نشرته‭ ‬مجلة‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية،‭ ‬استعاد‭ ‬كيّال‭ ‬جانباً‭ ‬من‭ ‬طفولته‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬الشاغور،‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬يذهب‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬إلى‭ ‬القرى‭ ‬المحيطة‭ ‬بدمشق،‭ ‬حاملاً‭ ‬ما‭ ‬يصنعه‭ ‬معمل‭ ‬الزجاج‭ ‬من‭ ‬كؤوس‭ ‬وأباريق،‭ ‬ليبادلها‭ ‬بما‭ ‬يحصل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬مؤونة،‭ ‬كالبرغل‭ ‬والجبن‭ ‬والبيض،‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬أسرته‭.‬

ويضيء‭ ‬هذا‭ ‬التذكر‭ ‬جانباً‭ ‬مهماً‭ ‬من‭ ‬عادات‭ ‬المونة‭ ‬الشامية،‭ ‬إذ‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬المدينة‭ ‬وريفها،‭ ‬وعلى‭ ‬تبادل‭ ‬المنتجات‭ ‬بين‭ ‬الحرفيين‭ ‬والفلاحين،‭ ‬لتصبح‭ ‬المؤونة‭ ‬وسيلة‭ ‬لتأمين‭ ‬احتياجات‭ ‬البيت،‭ ‬وصورة‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬التعاضد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الشعبي‭ ‬بدمشق‭.‬

يقدم‭ ‬الباحث‭ ‬والأديب‭ ‬نصر‭ ‬الدين‭ ‬البحرة‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬“دمشق‭ ‬الأسرار”،‭ ‬الصادر‭ ‬عام‭ ‬1992،‭ ‬المونة‭ ‬بوصفها‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬البيت‭ ‬الدمشقي‭ ‬اليومي،‭ ‬حيث‭ ‬تحولت‭ ‬ساحته‭ ‬الداخلية،‭ ‬أو‭ ‬أرض‭ ‬الديار،‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬للعمل‭ ‬العائلي‭ ‬وتبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬وإنجاز‭ ‬المهام‭ ‬الموسمية‭.‬

ووثق‭ ‬الأديب‭ ‬والباحث‭ ‬عادل‭ ‬أبو‭ ‬شنب‭ ‬في‭ ‬دراسته‭ ‬الفلكلورية‭ ‬“دمشق‭ ‬أيام‭ ‬زمان”‭ ‬صوراً‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الدمشقيين‭ ‬وذاكرتهم‭ ‬الشعبية‭ ‬والتحولات‭ ‬التي‭ ‬طرأت‭ ‬على‭ ‬عاداتهم‭.‬

وفي‭ ‬ضوء‭ ‬هذا‭ ‬التوثيق‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬المونة‭ ‬بوصفها‭ ‬امتداداً‭ ‬لثقافة‭ ‬التكافل‭ ‬في‭ ‬الحارة،‭ ‬إذ‭ ‬تتشارك‭ ‬الجارات‭ ‬والقريبات‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬امرأة‭ ‬واحدة‭ ‬إنجازها،‭ ‬فتتحول‭ ‬صناعة‭ ‬المونة‭ ‬إلى‭ ‬مناسبة‭ ‬لتبادل‭ ‬المعرفة‭ ‬والحكايات‭ ‬وتقوية‭ ‬الروابط‭ ‬بين‭ ‬العائلات‭.‬

ووثقت‭ ‬الأنثروبولوجية‭ ‬تشاينا‭ ‬ساجاديان،‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬منشورة‭ ‬بمجلة‭ ‬أخبار‭ ‬الأنثروبولوجيا‭ ‬الأمريكية‭ ‬سنة‭ ‬2025‭ ‬نتيجة‭ ‬عمل‭ ‬ميداني‭ ‬سابق‭ ‬مع‭ ‬عائلات‭ ‬سورية‭ ‬نازحة‭ ‬في‭ ‬سهل‭ ‬البقاع،‭ ‬استمرار‭ ‬إعداد‭ ‬المكدوس‭ ‬ودبس‭ ‬الفليفلة‭ ‬وتجفيف‭ ‬الخضراوات،‭ ‬وخلصت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المونة‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬كونها‭ ‬تقليداً‭ ‬وجدانياً‭ ‬فإنها‭ ‬عمل‭ ‬منزلي‭ ‬أساسي‭ ‬يساعد‭ ‬الأسر‭ ‬على‭ ‬تقليل‭ ‬الإنفاق‭ ‬ومواجهة‭ ‬ظروف‭ ‬النزوح‭ ‬وضعف‭ ‬الدخل،‭ ‬ويحافظ‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬صلتها‭ ‬بالبيت‭ ‬والهوية‭.‬

تظهر‭ ‬القيمة‭ ‬الإنسانية‭ ‬للمونة‭ ‬في‭ ‬طقس‭ ‬العونة،‭ ‬حين‭ ‬تجتمع‭ ‬الجارات‭ ‬والقريبات‭ ‬حول‭ ‬“طشت”‭ ‬المكدوس‭ ‬أو‭ ‬لتنقية‭ ‬الملوخية‭ ‬وفرم‭ ‬الفليفلة،‭ ‬وبين‭ ‬العمل‭ ‬والأحاديث‭ ‬والأغاني،‭ ‬تنتقل‭ ‬الخبرة‭ ‬من‭ ‬الجدات‭ ‬إلى‭ ‬البنات‭ ‬والحفيدات،‭ ‬وتصبح‭ ‬المؤن‭ ‬وسيلة‭ ‬لجمع‭ ‬القلوب‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬وسيلة‭ ‬لحفظ‭ ‬الطعام‭.‬

وترى‭ ‬سعاد‭ ‬بقدونس،‭ ‬وهي‭ ‬ربة‭ ‬منزل‭ ‬من‭ ‬ريف‭ ‬دمشق،‭ ‬أن‭ ‬إعداد‭ ‬المونة‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬أقل‭ ‬تكلفة‭ ‬وأكثر‭ ‬ضماناً‭ ‬وأطيب‭ ‬مذاقاً‭ ‬من‭ ‬شرائها‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬وقد‭ ‬اكتسبت‭ ‬هذا‭ ‬الطقس‭ ‬من‭ ‬أمها‭ ‬وجدتها،‭ ‬ورغم‭ ‬سني‭ ‬العمر،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تجد‭ ‬متعة‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬الكشك‭ ‬البيتي،‭ ‬وسلق‭ ‬القمح‭ ‬وطحن‭ ‬البرغل،‭ ‬وتجفيف‭ ‬النعناع‭ ‬الأخضر،‭ ‬وصنع‭ ‬دبس‭ ‬البندورة‭ ‬والرمان‭ ‬والحصرم‭.‬

وتتعاون‭ ‬سعاد‭ ‬اليوم‭ ‬مع‭ ‬بناتها‭ ‬المتزوجات‭ ‬وكناتها‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬المونة‭ ‬وتوزيعها‭ ‬على‭ ‬عائلاتهن،‭ ‬ضمن‭ ‬طقس‭ ‬سنوي‭ ‬يتجدد‭ ‬مع‭ ‬المواسم‭ ‬ويزيد‭ ‬الألفة‭ ‬والمحبة،‭ ‬مؤكدةً‭ ‬أن‭ ‬المونة‭ ‬ليست‭ ‬مؤناً‭ ‬غذائية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬خبرة‭ ‬عائلية‭ ‬تحفظها‭ ‬الأيدي‭ ‬وتنقلها‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭.‬

تشير‭ ‬بحوث‭ ‬أثرية‭ ‬إلى‭ ‬قدم‭ ‬تخزين‭ ‬المحاصيل‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬سوريا،‭ ‬فقد‭ ‬تناولت‭ ‬أطروحة‭ ‬أكاديمية‭ ‬محفوظة‭ ‬لدى‭ ‬جامعة‭ ‬كوليدج‭ ‬لندن‭ ‬بقايا‭ ‬محاصيل‭ ‬من‭ ‬تل‭ ‬براك‭ ‬وتل‭ ‬كرمة،‭ ‬وهما‭ ‬موقعان‭ ‬يعودان‭ ‬إلى‭ ‬الألف‭ ‬الثالث‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬واستخدمت‭ ‬نماذج‭ ‬إثنوغرافية‭ ‬حديثة‭ ‬لتمييز‭ ‬منتجات‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الفريكة‭ ‬والبرغل‭ ‬والشعير‭ ‬المحمص،‭ ‬ويكشف‭ ‬ذلك‭ ‬عمق‭ ‬الصلة‭ ‬بين‭ ‬الزراعة‭ ‬وتدبير‭ ‬الغذاء‭.‬

ومع‭ ‬تنوع‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السورية،‭ ‬أخذت‭ ‬المونة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬بيئة‭ ‬محاصيلها‭ ‬وذائقتها‭ ‬ووسائلها‭ ‬المتاحة،‭ ‬واليوم‭ ‬تستعيد‭ ‬وسائل‭ ‬التجفيف‭ ‬والكبس‭ ‬بالماء‭ ‬المملح‭ ‬وبالزيت‭ ‬أهميتها‭ ‬مع‭ ‬الأعباء‭ ‬المعيشية‭ ‬وتكلفة‭ ‬التبريد،‭ ‬لتبقى‭ ‬المونة‭ ‬ذاكرة‭ ‬منزلية‭ ‬وخبرة‭ ‬اقتصادية‭ ‬متوارثة،‭ ‬تحفظ‭ ‬نكهة‭ ‬الموسم‭ ‬وتقوي‭ ‬الروابط‭ ‬العائلية‭ ‬وتؤكد‭ ‬قدرة‭ ‬البيت‭ ‬السوري‭ ‬على‭ ‬التدبير‭ ‬والاستمرار‭.‬