سيطرة – مروان ياسين الدليمي

لم‭ ‬أكن‭ ‬أعرف،‭ ‬قبل‭ ‬تلك‭ ‬الرحلات‭ ‬إلى‭ ‬الموصل،‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬ذاكرة‭ ‬أثقل‭ ‬من‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬ينتهي‭ ‬إليها‭. ‬

أخرج‭ ‬من‭ ‬أربيل‭ ‬وفي‭ ‬ذهني‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬التردد‭ ‬الذي‭ ‬يسبق‭ ‬كل‭ ‬رحلة‭ ‬لا‭ ‬نذهب‭ ‬إليها‭ ‬بكامل‭ ‬رغبتنا،‭ ‬ثم‭ ‬أستسلم‭ ‬للمقعد‭ ‬الضيق‭ ‬في‭ ‬الميكروباص،‭ ‬مستسلما‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬أولئك‭ ‬الركاب‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬تجمعني‭ ‬بهم‭ ‬معرفة،‭ ‬سوى‭ ‬أننا‭ ‬سنقضي‭ ‬معا‭ ‬الساعات‭ ‬نفسها،‭ ‬ونصغي‭ ‬إلى‭ ‬صوت‭ ‬المحرك،‭ ‬وننظر‭ ‬إلى‭ ‬الطريق‭ ‬وهو‭ ‬يتراجع‭ ‬خلفنا‭. ‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬وجوههم‭ ‬تزعجني‭. ‬

بينهم‭ ‬عامل‭ ‬تحمل‭ ‬يديه‭ ‬آثار‭ ‬عمله،‭ ‬وقروي‭ ‬تبدو‭ ‬في‭ ‬ملابسه‭ ‬رائحة‭ ‬الأرض،‭ ‬ورجال‭ ‬من‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬اعتادوا‭ ‬أن‭ ‬يحسبوا‭ ‬قيمة‭ ‬الأشياء‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يشتروا‭ ‬شيئا‭. ‬

أشعر،‭ ‬وأنا‭ ‬بينهم،‭ ‬بأن‭ ‬الفقر‭ ‬لا‭ ‬يصنع‭ ‬اختلافا‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬بل‭ ‬يكشف‭ ‬فقط‭ ‬هشاشتهم‭ ‬المشتركة‭. ‬لكنني‭ ‬أعرف‭ ‬أن‭ ‬الرحلة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لم‭ ‬تبدأ‭ ‬بعد‭. ‬

تبدأ‭ ‬حين‭ ‬تظهر‭ ‬السيطرة‭. ‬عند‭ ‬بداية‭ ‬الحدود‭ ‬الإدارية‭ ‬للموصل،‭ ‬يحدث‭ ‬ذلك‭ ‬التحول‭ ‬الغريب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬العين‭ ‬أن‭ ‬تلتقطه،‭ ‬ولكن‭ ‬النفس‭ ‬تدركه‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬

يخف‭ ‬الكلام،‭ ‬تتجه‭ ‬الأيدي‭ ‬إلى‭ ‬الجيوب،‭ ‬وتظهر‭ ‬الهويات‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬الركاب،‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬ما‭ ‬مروا‭ ‬بهذا‭ ‬المكان،‭ ‬تعلموا‭ ‬الطقس‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتفق‭ ‬أحد‭ ‬معهم‭ ‬عليه‭.‬

السائق‭ ‬ينعطف‭ ‬عن‭ ‬الطريق‭ ‬العام‭ ‬ويتوقف‭. ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬أحد‭ ‬عناصر‭ ‬الأمن‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬أشعر‭ ‬دائما‭ ‬بشيء‭ ‬يشبه‭ ‬انقباضا‭ ‬قديما‭ ‬في‭ ‬صدري،‭ ‬ربما‭ ‬لأنني‭ ‬أعرف‭ ‬أن‭ ‬الهوية،‭ ‬وهي‭ ‬مجرد‭ ‬قطعة‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬البلاستيك‭ ‬تحمل‭ ‬اسما‭ ‬وصورة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬فجأة‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬يشبه‭ ‬الحكم‭ ‬المؤجل‭. ‬

الرجل‭ ‬يأخذ‭ ‬الهوية،‭ ‬ينظر‭ ‬إليها،‭ ‬ثم‭ ‬يرفع‭ ‬عينيه‭ ‬إلى‭ ‬صاحبها‭.‬

من‭ ‬أين‭ ‬أنت؟

من‭ ‬أي‭ ‬عشيرة؟

أين‭ ‬تسكن‭ ‬في‭ ‬أربيل؟

أين‭ ‬أهلك‭ ‬في‭ ‬الموصل؟

ماذا‭ ‬تعمل؟

كنت‭ ‬أتساءل‭ ‬أحيانا‭: ‬هل‭ ‬كان‭ ‬يريد‭ ‬معرفة‭ ‬شيء‭ ‬عنا،‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يبحث‭ ‬في‭ ‬وجوهنا‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬يعرفه‭ ‬هو‭ ‬ولا‭ ‬نعرفه‭ ‬نحن؟‭ ‬

وإذا‭ ‬لم‭ ‬تعجبه‭ ‬الإجابة،‭ ‬أو‭ ‬الوجه،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬شيء‭ ‬غامض‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬لا‭ ‬بالإجابة‭ ‬ولا‭ ‬بالوجه،‭ ‬كان‭ ‬يأمر‭ ‬الرجل‭ ‬بالنزول‭ ‬والتوجه‭ ‬إلى‭ ‬الكرفان‭. ‬هناك،‭ ‬خلف‭ ‬نافذة‭ ‬صغيرة‭ ‬منه،‭ ‬يجلس‭ ‬عنصر‭ ‬آخر‭ ‬أمام‭ ‬جهاز‭ ‬الحاسوب‭. ‬يدخل‭ ‬الاسم،‭ ‬وينتظر‭. ‬وفي‭ ‬أثناء‭ ‬الانتظار‭ ‬يتحول‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬احتمال‭: ‬

مطلوب،‭ ‬غير‭ ‬مطلوب،‭ ‬مشتبه‭ ‬به،‭ ‬أو‭ ‬مجرد‭ ‬اسم‭ ‬آخر‭ ‬مر‭ ‬أمام‭ ‬الشاشة‭. ‬

أكثر‭ ‬ما‭ ‬يؤلمني‭ ‬ليس‭ ‬السؤال‭ ‬نفسه،‭ ‬وإنما‭ ‬ذلك‭ ‬الشعور‭ ‬الخفي‭ ‬الذي‭ ‬يبقى‭ ‬بعده،‭ ‬الشعور‭ ‬بأن‭ ‬حياتك،‭ ‬التي‭ ‬عشتها‭ ‬يوما‭ ‬بعد‭ ‬يوم،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تختصر‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬إلى‭ ‬خانة‭ ‬مضيئة‭ ‬على‭ ‬شاشة‭. ‬

لقد‭ ‬سألوني‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭:‬

لماذا‭ ‬تسكن‭ ‬في‭ ‬أربيل؟

متى‭ ‬سكنت‭ ‬أربيل؟

هل‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬عندما‭ ‬سيطر‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬عليها؟

كنت‭ ‬أجيب،‭ ‬لكنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أجيبهم‭ ‬وحدهم‭. ‬كنت‭ ‬أجيب‭ ‬أيضا‭ ‬شيئا‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ ‬بدأ،‭ ‬مع‭ ‬تكرار‭ ‬الأسئلة،‭ ‬يشك‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭.‬

متى‭ ‬سكنت‭ ‬أربيل؟

كنت‭ ‬أعرف‭ ‬التاريخ‭. ‬لكن‭ ‬متى،‭ ‬بالضبط،‭ ‬يبدأ‭ ‬الإنسان‭ ‬بالسكن‭ ‬في‭ ‬مدينة؟‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬يستأجر‭ ‬فيه‭ ‬بيتا؟‭ ‬أم‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬يترك‭ ‬فيه‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة‭ ‬وراءه؟‭ ‬أم‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬يكتشف‭ ‬فيه،‭ ‬فجأة،‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يعرف‭ ‬أين‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يعود؟‭.‬

ذات‭ ‬مرة‭ ‬كنت‭ ‬أجلس‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الميكروباص‭. ‬عندما‭ ‬اقترب‭ ‬أحد‭ ‬العناصر،‭ ‬أخرجت‭ ‬هويتي‭ ‬من‭ ‬جيبي‭ ‬ومددتها‭ ‬إليه،‭ ‬لكنه‭ ‬أشار‭ ‬بيده‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬حاجة‭. ‬أعدتها‭. ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬للحكاية‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬عند‭ ‬تلك‭ ‬الإشارة‭ ‬الصغيرة‭. ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تنته‭. ‬دقق‭ ‬الرجل‭ ‬هويات‭ ‬الركاب،‭ ‬ثم‭ ‬طلب‭ ‬من‭ ‬شابين‭ ‬أن‭ ‬ينزلا‭ ‬ويتجها‭ ‬إلى‭ ‬الكرفان‭. ‬حمل‭ ‬هويتيهما‭ ‬ومشى‭ ‬خلفهما‭. ‬بقيت‭ ‬في‭ ‬مكاني‭. ‬وضعت‭ ‬ذراعي‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬النافذة،‭ ‬ونظرت‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنني‭ ‬أصبحت،‭ ‬فجأة،‭ ‬شخصا‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بما‭ ‬يحدث‭. ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬عنصر‭ ‬آخر‭. ‬اقترب‭ ‬من‭ ‬النافذة‭ ‬وقال‭: ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تنزل‭ ‬وتذهب‭ ‬إلى‭ ‬الحاسبة؟‭ ‬هل‭ ‬أنت‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬الآخرين؟‭ ‬هيا،‭ ‬انزل‭.‬

كانت‭ ‬نبرته‭ ‬تحمل‭ ‬شيئا‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬ضرورة‭ ‬لتسميته‭.‬

نزلت‭.‬‭ ‬كنت‭ ‬غاضبا،‭ ‬لكنني‭ ‬كنت‭ ‬أعرف‭ ‬أن‭ ‬الغضب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المكان‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬ملكا‭ ‬لصاحبه‭. ‬قد‭ ‬يظهر‭ ‬على‭ ‬الوجه‭ ‬فيتحول‭ ‬إلى‭ ‬إساءة،‭ ‬وقد‭ ‬تخرج‭ ‬كلمة‭ ‬فتتحول‭ ‬إلى‭ ‬مشكلة،‭ ‬وقد‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تشرح‭ ‬موقفك‭ ‬فتجد‭ ‬نفسك‭ ‬مضطرا‭ ‬إلى‭ ‬شرح‭ ‬أشياء‭ ‬لم‭ ‬يسألك‭ ‬عنها‭ ‬أحد‭. ‬لذلك‭ ‬صمت‭.  ‬وقفت‭ ‬خلف‭ ‬الشابين‭. ‬كنت‭ ‬أنتظر‭ ‬دوري،‭ ‬ولا‭ ‬أدري‭ ‬لماذا‭ ‬تذكرت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬أشياء‭ ‬بعيدة‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالسيطرة‭: ‬غرفة‭ ‬قديمة،‭ ‬طريقا‭ ‬في‭ ‬الموصل،‭ ‬صوتا‭ ‬أعرفه،‭ ‬ووجها‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬أره‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭. ‬لعل‭ ‬الخوف‭ ‬يعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬الذاكرة‭ ‬على‭ ‬طريقته‭. ‬عندها‭ ‬لمحني‭ ‬العنصر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬طلب‭ ‬مني‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬أن‭ ‬أبقى‭ ‬في‭ ‬السيارة‭.‬‭ ‬اقترب‭ ‬مني‭ ‬وقال‭:‬

—‭ ‬لماذا‭ ‬أنت‭ ‬واقف‭ ‬هنا؟

كان‭ ‬السؤال‭ ‬بسيطا،‭ ‬لكنني‭ ‬شعرت‭ ‬للحظة‭ ‬أنني‭ ‬دخلت‭ ‬بين‭ ‬سؤالين‭ ‬لا‭ ‬أملك‭ ‬الخروج‭ ‬منهما‭. ‬لو‭ ‬قلت‭ ‬له‭ ‬إن‭ ‬زميله‭ ‬أمرني‭ ‬بالنزول،‭ ‬فقد‭ ‬يغضب‭ ‬زميله‭. ‬ولو‭ ‬سكت،‭ ‬فقد‭ ‬يبدو‭ ‬صمتي‭ ‬مريبا‭. ‬قلت‭:‬

—‭ ‬زميلك‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬أمرني‭.‬

وضع‭ ‬يده‭ ‬على‭ ‬كتفي،‭ ‬وأعادني‭ ‬إلى‭ ‬الميكروباص‭.‬

قال‭:‬

‭ ‬ارجع‭ ‬واجلس‭ ‬في‭ ‬مكانك‭.‬

عدت‭.‬

كان‭ ‬العنصر‭ ‬الآخر‭ ‬يقف‭ ‬بعيدا‭ ‬ويراقبنا‭. ‬لم‭ ‬يتحرك‭. ‬

جلست،‭ ‬وتحركت‭ ‬السيارة‭ ‬بعد‭ ‬قليل‭. ‬

وأنا‭ ‬أنظر‭ ‬من‭ ‬النافذة،‭ ‬شعرت‭ ‬أن‭ ‬السيطرة‭ ‬لم‭ ‬تبق‭ ‬وراءنا،‭ ‬كما‭ ‬يفترض‭ ‬للأماكن‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭. ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬انتقلت‭ ‬معي‭. ‬

ربما‭ ‬لهذا‭ ‬السبب،‭ ‬كلما‭ ‬فكرت‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬السفر‭ ‬إلى‭ ‬الموصل،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬المدينتين‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يشغلني‭. ‬كنت‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الدقائق‭ ‬القليلة،‭ ‬في‭ ‬اليد‭ ‬التي‭ ‬أشارت،‭ ‬وفي‭ ‬الكلمة‭ ‬التي‭ ‬قيلت،‭ ‬وفي‭ ‬الكرفان‭ ‬الصغير،‭ ‬وفي‭ ‬الشاشة‭ ‬التي‭ ‬يظهر‭ ‬عليها‭ ‬اسم‭ ‬الإنسان‭ ‬ثم‭ ‬يختفي‭. ‬والأغرب‭ ‬أنني،‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬السنوات،‭ ‬صرت‭ ‬أخرج‭ ‬هويتي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يطلبها‭ ‬أحد‭. ‬أتحسسها‭ ‬في‭ ‬جيبي‭. ‬ثم‭ ‬أتركها‭ ‬هناك‭. ‬أحيانا‭ ‬أنظر‭ ‬إلى‭ ‬صورتي‭ ‬عليها‭ ‬وأشعر‭ ‬بأنني‭ ‬أتعرف‭ ‬إلى‭ ‬رجل‭ ‬أعرفه‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬طويل،‭ ‬لكنني‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أضمن‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬هو‭ ‬الرجل‭ ‬نفسه‭. ‬ربما‭ ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬صرت،‭ ‬كلما‭ ‬اقترب‭ ‬الميكروباص‭ ‬من‭ ‬السيطرة،‭ ‬أسأل‭ ‬نفسي‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يطرحه‭ ‬علي‭ ‬أي‭ ‬عنصر‭ ‬أمن‭:‬

إذا‭ ‬كانت‭ ‬الهوية‭ ‬تثبت‭ ‬من‭ ‬أكون،‭ ‬فمن‭ ‬الذي‭ ‬يثبت‭ ‬أنني‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬الشخص‭ ‬نفسه؟

تنعطف‭ ‬السيارة‭. ‬وتظهر‭ ‬السيطرة‭.‬‭ ‬

أمد‭ ‬يدي‭ ‬إلى‭ ‬جيبي،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تمتد‭ ‬يد‭ ‬أخرى‭ ‬نحوي‭. ‬