

نوال الجراح
من التفاصيل والأسس المهمة في مرحلة التعافي ما أكده قسم من الاطباء المختصين في الطب النفسي ، والتي تقول:
التعافي لا يحدث في الغرف المظلمة
لماذا؟
لان الذات كثيرًا ما تتعرف إلى نفسها من خلال الآخر،
وهذا يذكرني بتفاصيل مرحلة الطفولة، كنا قد مررنا بها قد تبدو صغيرة لكنها ذات أثر كبير في مراحل حياتنا فيما بعد.
في الطفولة، عندما كان يصرخ أحدنا أو يتأوه من الألم لأي سبب كان، لم تكن صرختنا مجرد تعبير عن الوجع، بل كانت في جانب منها رغبة فطرية في أن يسمعنا أحدهم
مجرد أن يصل صوتنا إلى الآخر، وأن نرى في عينيه انتباهًا لما يؤلمنا، كان يمنحنا شيئًا من الطمأنينة، ويخفف من وطأة الألم وغالبا ما كانت تلك التفاصيل تحدث بين الطفل وأمه.
وربما لا تختلف أرواحنا كثيرًا حين نكبر.
هناك آلام دُفنت في أعماقنا، وصرخات لم تجد من يسمعها، وتجارب مررنا بها دون أن يكون هناك شاهد حقيقي على ما تركته فينا.
وأحيانًا نتمسك بألمنا، لا لأننا نريد البقاء فيه، وإنما لأنه يصبح الدليل الوحيد على أن ما حدث لنا كان حقيقيًا.
التعافي الذي لا يمر بالآخر لا يُعوّل عليه.
فالذي عاش المعاناة يعرف وجعه، ويحمل في داخله تفاصيلها، لكن حين يأتي شخص آخر ويستمع إلى ما حدث، ويقول لنا بطريقة أو بأخرى:
نعم، لقد فهمت ما مررت به، وأرى أثره عليك، يصبح هناك شاهد آخر على الحكاية، ونسخة أخرى منها محفوظة في ذاكرة إنسان آخر.
هنا قد يصبح التخلي عن الألم ممكنًا، أو يساعد بشكل كبير في تخفيف أثره على النفس.
ليس لأن ما حدث قد مُحي، ولا لأن الجرح لم يعد مهمًا، وإنما لأننا لم نعد وحدنا في حمل ذاكرته.
قد يكون هذا الآخر أم، أخ ، زوج ، صديق نثق به، أو معالج مختص
المهم أن يكون شخصًا آمنًا، واعيًا، يحسن الاستماع، ولا يحوّل اعترافنا إلى حكم جديد علينا.
هذه القاعدة شاهدت أثرها بشكل حقيقي وعملي في حياة عدد من النساء وأنا أستمع لهن وأسعى لتخفيف أثر ما مررن به من جروح وصدمات.
اكتشفن مع الوقت أن ما ندفنه في داخلنا لا يختفي بالضرورة، فقد يبقى حاضرًا في تفاصيل حياتنا، وفي مشاعرنا، وفي الطريقة التي نبني بها علاقاتنا وننظر بها إلى أنفسنا ، قد تختلف القصص لكنها تتشابه في الألم
بداية الطريق :
التعافي لا يبدأ بإنكار الأزمة، ولا يستمر بالهروب منها، او التزام الصمت، وإنما يبدأ غالبًا حين نمتلك الشجاعة لنقول: نعم، لقد تألمت. نعم، ما حدث ترك أثرًا في داخلي. وأنا أحتاج إلى أن أفهم هذا الأثر وأتعامل معه.
لكن الحديث عن الألم لا يعني أن نمنحه لأي شخص فليس كل مستمع آمنًا، وليس كل من يُسأل قادرًا على احتواء الإجابة.
نحتاج إلى الشخص المناسب، شخص يمتلك الوعي والحكمة والقدرة على الإستماع، فيكون عوناً لا عبئاً ومصدر أمان لا مصدراًجديدًا للأذى. فالصمت الطويل، ومحاولة العيش الدائم داخل الماضي، وإخفاء الجراح خلف ابتسامة لا تشبه ما نشعر به، قد تجعل الألم أكثر حضوراً في حياتنا.
لذلك، لا تخجل من طلب العون، ولا تظن أنّ عليك أن تخوض رحلة التعافي وحدك.
أخرج من عتمة الصمت، وابحث عن الشخص الآمن الذي يستطيع أن يسمع قصتك دون أن يحاكمك، وأن يساعدك على فهم ما حدث دون أن يزيد جرحك.
فربما لا نحتاج دائمًا إلى من يُنقذنا، بقدر ما نحتاج إلى من يرى ألمنا، ويصدّق وجعنا، ويمنحنا مساحة آمنة لنستعيد أنفسنا.
وفي النهاية، التعافي ليس أن ننسى ما حدث، ولا أن نمحو الماضي من ذاكرتنا، وإنما أن نصل إلى اليوم الذي لا يعود فيه ما حدث قادرًا على قيادة حياتنا.
حينها فقط، يصبح الماضي جزءًا من قصتنا، لا سجنًا نعيش فيه.