نجيب محفوظ وغائب طعمة فرمان: تجسيد العلاقة بين مصر والعراق

 


 

 

د. زهير ياسين شليبه

 

 

 

 

 

بمناسبة الذكرى العشرين لرحيل نجيب محفوظ!

نجيب محفوظ وغائب طعمه فرمان: تجسيد العلاقة بين مصر والعراق!

“زقاق المدق” و”النخلة والجيران”  

إذا كان نجيب محفوظ رائدَ الرواية المصرية الواقعية الانتقادية، دون تناسي دور محمد حسين هيكل مؤلف “زينب” ولا المويلحي و”حديث عيسى بن هشام”، فيمكن القول أيضاً إن غائب طعمه فرمان (1927-1990) “أب” الرواية العراقية الفنية، وأود هنا بمناسبة ذكرى رحيلهما قبل عدة أيام من شهر أغسطس (آب)، تسليط الضوء على جانب خاص من علاقتهما الشخصية والأدبية.
لم يكن غائب ط. فرمان مولعاً بالحديث عن نفسه وأدبه، ولنقل ايضا إنه لم يكن في كل الجلسات محبّا للحديث بشكل عام، ولم يجد في نفسه رغبة البحث عن الأضواء لتسلط عليه في الصالات، بل كان يتهرب منها.

ومع ذلك فقد أفلحتُ، كما سيلاحظ القارئ، في الحصول على آرائه حول مختلف جوانب الأدب بشكل عام، ونتاجاته الأدبية بخاصة، في الجلسات الأدبية التي جمعتني وإياه أثناء إعدادي أطروحة الدكتوراه عنه في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفييتية في اعوام 1984-8019.

وأود هنا أن أوردَ ما كتبته المستشرقة الراحلة فاليريا نيكولاييفنا كيربيتشينكو عن دور مصر في حياة الكاتب العراقي غائب طعمه فرمان:

رحل غائب طعمة فرمان لأول مرة من العراق عام 1947 عندما كان في العشرين من عمره وفي بداية حياته الادبية. سافر الى القاهرة ليقيم فيها أربع سنوات منغمراً في أجواء الحياة الأدبية المصرية، التي هيأت له الظروف ليطلع على التراث العربي والاسلامي وليقرأ بانبهار أعمال طه حسين ونجيب محفوظ وغيرهما من الكتاب المصريين، وليشارك في النقاش الحاد آنذاك حول مفهوم الأدب ووظيفته الاجتماعية والواقعية الجديدة.

عند عودته الى بغداد مارس غائب طعمه فرمان نشاطه الادبي والصحفي حتى عام 1955 حيث أضطر للرحيل مرة أخرى. مرة أخرى تحتضنه القاهرة، ومنها الى الصين ثم الى بغداد ليعمل في وكالة الانباء ومنها الى موسكو حيث استقر فيها حتى وفاته. أنظر: فاليريا نيكولاييفنا كيربيتشينكو. مقدمة لكتابنا: د. زهير ياسين شليبه. غائب طعمه فرمان. دراسة مقارنة في الرواية العراقية. 1996 دار الكنوز الأدبية بيروت

“زقاق المدق” المصرية و”النخلة والجيران” العراقية:

وفي أحد لقاءاتي الشخصية المعتادة معه في بداية الثمانينات سألته:
ـ كثيراً ما نسمع في اللقاءات الشخصية والصحفية معك عن حبك الكبير للكاتب العربي المعروف نجيب محفوظ. أرجو أن تحدثنا عن تأثير محفوظ عليك، وبالذات العلاقة بين روايَتَي: “زقاق المدق” المصرية و”النخلة والجيران” العراقية.
أجابني غائب طعمه فرمان: أنا فعلاً معجب بنجيب محفوظ شخصاً صديقاً وكاتباً، وما زلت أذكر لقاءاتنا في مقهى الأوبرا في القاهرة، وأنا معجب بأعماله، ولكن ليس بالضرورة أن أكون قد تأثرت به، بل وقلدته كما ذهب بعيداً أحد النقاد العراقيين. كتبت “النخلة والجيران” وكنت أعيش أجوائها العراقية والبغدادية الصميمية، ولم أتذكر عند كتابتي هذه الرواية أي عمل أدبي آخر. حين يأتي ناقد ويطرح رأي مفاده أن “النخلة والجيران” تشبه كثيراً بتفصيلاتها رواية “زقاق المدق” فأنا أرفض هذا الرأي رفضاً قاطعاً، لأن كل ما في “النخلة والجيران” عراقي أصيل بدون تزوير لا بسمات الشخصيات، ولا بتصرفاتها، ولا بلغتها. وقد أشار الدكتور علي الراعي في مقالته الأخيرة عن “النخلة والجيران” إلى هذه المسألة، ولم يتطرق حتى إلى موضوع شبهها برواية “زقاق المدق” أو رواية أخرى. الطريف أن أحد المستعربين السوفييت هنا ذكر في إحدى مقالاته بأن نجيب محفوظ كتب “ميرامار” تأثراً منه بروايتي “خمسة أصوات” وهذا غير صحيح إطلاقاً لأن “خمسة أصوات” صدرت في العام نفسه الذي صدرت فيه “ميرامار” فتصوّر!


“أولاد حارتنا” و”القربان”:

وهناك رأي آخر مفاده أن روايتي “القربان” متأثرة برواية نجيب محفوظ “أولاد حارتنا”، وهذا الرأي هو الآخر لا يخرج عن دائرة الآراء التعسفية، لأنه يلغي كل التجارب الشخصية للكتاب، وحضور الشخصيات العراقية البحتة والتقاليد. هذا ظلم صارخ، إذ لمجرد لمس أوجه شبه بين هذه الرواية أو تلك ترى النقاد يصرخون: إنها متأثرة برواية فلان بن فلان. كنت أرغب في “القربان” تصوير مرحلة معينة من مراحل العراق، أما “أولاد حارتنا”، فإن نجيب محفوظ يصور أجيال الأنبياء. الرمز موجود في أي أدب بكثرة. من غير المعقول أن يتخلى الناقد عن كل تفصيلات الحياة العراقية في “القربان” ويقول إنها متأثرة بـ “أولاد حارتنا”. أنا شخصياً لا أجد أوجه شبه بينهما، وأعتقد أن هذا تجنٍّ على الآخرين. في “القربان” يتجسد الشعب العراقي بشخصية مظلومة البطلة الرئيسية للرواية، وأن كل الناس يتحدثون عن هموم الشعب العراقي، ولكنه يبقى مظلوماً في كل الفترات، حتى جاء شخص أبله، غبي وقال: إنني أستطيع أن أحل المشكلة المستعصية بتغيير الاسم، فبدلاً من مظلومة نسيمها مسعودة.

“ميرامار” و”القربان”:

قلتُ للروائي الراحل غائب ط. فرمان: أنا اعتقد ان الشكل الأليجوري (3) أو أسلوب التورية، والاستعاري المجازي الذي اتخذتَه في كتابة روايتك “القربان” هو الشكل ذاته الذي اعتمده نجيب محفوظ نسبياً في روايتَي “أولاد حارتنا” و”ميرامار”، مع ضرورة الأخذ بنظر الاعتبار أن الأولى (القربان) طرحت الواقع العراقي ليس من خلال السياسة فحسب، بل من الواقع الاجتماعي المعاش، بينما طرحت الثانية (ميرامار) واجهات سياسية تعبر عنها شخصيات الرواية. “القربان” تطرح الحياة العراقية وهي في الشوارع والمقاهي، بينما “ميرامار” تعيش حياة الفندق ولهذا فهي تخلو من أهم سمات النوع الروائي إلا وهو كشف الواقع. هل تحدثنا عن سبب اختيارك لهذا الشكل؟

أجابني غائب ط. فرمان: في الحقيقة أنا لا أتذكر “ميرامار” الآن ولا عند كتابتي “القربان”، أما عن سبب اختياري لهذا الشكل الذي اسميته بالأليجوريا، أو الرمز المجازي فهو يكمن بتجنب مشاكل الرقابة.

كانت رواية “النخلة والجيران” رائعة الأدب العراقي والعربي الحديث، ولولا حواراتها باللهجة العراقية لانتشرت أكثر بين قراء العربية من غير العراقيين، وتعني الكثير بالنسبة لمؤلفها الراحل فرمان، وكانت من أقرب أعماله الأدبية إلى روحه، وكان يحبها كما يحب طفولته وصباه، وكان متعلقاً بشخصياتها وأجوائها تعلقاً شديداً. ولم يستطع غائب فرمان أن يصمت عندما كان الحديث يدور عن “النخلة والجيران”، وكان سعيداً بالآراء الجديّة عنها ومع ذلك كنت أشعر أن لديه معاناة خاصة بها كونها، مثلا، رواية واقعية تقليديه لا تزال تحتوي على بصمات غوركي في الكتابة أو نجيب محفوظ. أو أنه قد يتصور بأني شخصيّا قد أفكر عنها بمثل هذه الطريقة لا سيّما وانه كان يرى ولعي بالروايات الواقعية ولكن ذات الأساليب التجديدية، مثل رواية “الرجع البعيد” لصديقه ومجايله العراقي فؤاد التكرلي.
من ذلك أذكر على سبيل المثال أنه كان يشعر بشيء من الاستفزاز والظلم بسبب رأي أستاذنا الكبير الناقد العراقي المعروف فاضل ثامر، الذي قارنَ “النخلة والجيران” ب “زقاق المدق” لنجيب محفوظ، فقد كتب عنه: “… ومن الملاحظ أن غائب. ط. فرمان قد تأثر كثيراً بالجو المصري وموقف الجماهير الشعبية هناك من مسألة الحرب، فبدأ موقف الناس في “النخلة والجيران” لا يختلف كثيراً عن موقف الناس في “زقاق المدق”، بينما تشهد الأحداث بأن الجماهير الشعبية في العراق كانت تملك وعياً طيباً خلال الحرب اليومية، بل إن هناك حركات عسكرية معينة انفجرت بتأثير ذلك، ولذا كان من المفروض أن ينقل لنا الروائي العراقي تلك الصفة المتميزة لوعي الجماهير في أثناء الحرب…”. (أنظر: فاضل ثامر، بين زقاق المدق والنخلة والجيران، مجلة الكلمة، العدد 4 آذار 1969).
ومن الجدير بالذكر أن هذا المقال يكاد يكون الوحيد الذي وجّه نوعا من “الانتقاد” إلى “النخلة والجيران”، أو على الأقل اتسم بموضوعية متميزة على عكس المئات من المقالات الإيجابية العاطفية.

ويبدو أن غ. طعمه فرمان كان متألماً للغاية من هذه الآراء النقدية، إلا أنه لم يكن يعبر عن شعوره بالظلم في بادئ الأمر، لكن نوعاً من الانفجار حصل عنده عندما تأكد من اطّلاعي على رأي الأستاذ ثامر، ولاحظ وجود كتابه ورواية “زقاق المدق” على منضدتي مما يدل على أني أعيد قراءتهما، إلا أني لم أشر إلى هذا الموضوع ولم أطرح عليه مثل هذا السؤال. كان التململ يبدو عليه واضحاً عندما ألقى بنظراته على الكتب الموجودة على منضدتي، وأذكر أني أعدت له رواية “الرجع البعيد” للأديب العراقي فؤاد التكرلي، التي كنت قد استعرتها منه، وكنت ولا أزال معجباً بها أشد الإعجاب، وعبرت له عن رأيي بها، ولم يكن إعجابه بها أقل مني، حيث قال عنها بالحرف الواحد: “… فتح روائي… فِلم روائي حقيقي… كشف روائي”.

وفي تلك الفترة كنت أعيد قراءة “الصخب والعنف” لفوكنر، وحدثته عن العلاقة بين هاتين الروايتين ليس من حيث المضمون، بل من حيث “فنيّة” الأسلوب السردي. كلاهما (فؤاد التكرلي وغائب ط. فرمان) عبّرَا لي عن عدم إعجابهما إطلاقاً بأسلوب وليم فوكنر بشكل عام، وروايته “الصخب والعنف” بالذات، وكنت في حقيقة الأمر أتحايل عليه من أجل الانتقال إلى مقارنة رواياته، بخاصة “النخلة والجيران” مع روايات أخرى من الآداب الأجنبية. حدثته عن رواية “فونتمارا” للكاتب الإيطالي إينازيو سيلوني، وكنت متشوقاً للحديث عن نخلته وجيرانه، وعقدت مقارنة بين هاتين الروايتين، لا سيّما وأني شاهدت الفيلم المستوحى من رواية “فونتمارا” في سينما جامعة موسكو قبل يوم من جلستنا. ومن الجدير بذكره أنه كان من المفروض أن تُنشر ترجمة غائب لرواية “فونتمارا” في الخمسينات أثناء إقامته الثانية في مصر من قبل المكتب الدولي للترجمة والنشر، إلا أنها نُشرت لكاتب آخر قبل ترجمة الشاعر الراحل عيسى الناعوري لها، عام 1963 من قبل دار الطليعة اللبنانية.

وكان غائب مسروراً للغاية لهذه المقارنة، وسَرّه أيضاً بأني لم أعر أهمية إلى أوجه الشبه في المضمون والشخصيات وركزت على المنحى الفكري، ولم أنظر إليها على أنها نوع من التطابق أو الاستعارة القصصية وليس البلاغية، إن لم نقل التقليد، بل كنت أعتبره نتيجة طبيعية لتصوير بيئات متشابهة من النواحي الاجتماعية والاقتصادية.

وأشرت في الوقت نفسه إشارة عابرة إلى “زقاق المدق” وأوجه الشبه بينها وبين “النخلة والجيران”، ومصطلح (أوجه الشبه بسبب تشابه الظروف الاجتماعية) بدلاً من “التأثير والتأثر” في الأدب المقارن ودور البيئات الاجتماعية المتشابهة في ظهور أنماط وطرز أدبية متشابهة في نتاجات أدبية مختلفة، إلا أن غائب فرمان كان قلقاً، فتطرق إلى موضوع المقارنة بين هاتين الروايتين، وأكد على عدم تأثره نهائياً بنجيب محفوظ رغم حبه الكبير له. وانتهز الفرصة ليشير إلى تأثره برواية “فونتمارا” بالذات عندما بدأ بكتابة “النخلة والجيران” وأشار إلى أوجه الشبه بينهما، وقال إن “زقاق المدق” لم تكن في باله أثناء كتابته روايته الأولى، وان كل ما هو موجود فيها بغدادي وعراقي، وكل الأحداث مأخوذة من طفولته وصباه، وعبر عن شعوره بالظلم بسبب الرأي القائل بتأثره بـ “زقاق المدق”.
الشيء نفسه يمكن أن يُقال بخصوص رأي جبرا ابراهيم جبرا الذي وصف اسلوب غائب بالتلوين بالأسود والأبيض، لهذا نلاحظ أن غائب حاول بعد روايته الأولى أن يهتم بالتكنيك والأساليب الفنية فقدم البوليفونيا في خمسة أصوات وطريقة “عودة البطل والنوستالجيا” في “المخاض” والاهتمام باللغة والعالم الداخلي لإنسان محبط في “آلام السيد معروف”.

في نهاية جلستنا اختلفنا أنا وبعض الحضور على مواقع أماكن أحداث رواية “النخلة والجيران”، فما كان منه إلا أن تناول ورقة بيضاء وأخذ يرسم تخطيطات لشوارع بغداد حسب مضمون الرواية، وكتب عليها أسماء أماكن أحداث “النخلة والجيران” مثل: الميدان، شارع الرشيد، شارع أبي نواس، حافظ القاضي، جسر الملك فيصل (جسر الأحرار)، نهر دجلة، نادي الجيش البريطاني، فندق الأمراء، ومكان مقتل ابن الحولة، ومعمل السجائر وسينما الزوراء ومنطقة العبّخانة، ومحلّة المربّعة التي سكن فيها وسيد سلطان (كتَبَه سطلان!) علي والسِنَك الكرّادَة وغيرها.

كان غائب فرمان في تلك اللحظات في مزاج رائق وهو منغمر في حديثه الرومانتيكي عن مناطق بغداد وأحيائها التي نعرفها جيداً، واغتنمَ الفرصة للتأكيد على “عراقيّة” روايته “النخلة والجيران”، بل “بغداديّتها” فرسم (خارطتها) وشوارعها ونهر دجلة بثقة عالية بالنفس.

بعد عقد من السنوات وضعتُ هذه الخارطة أمام صديقي الفنان فؤاد الطائي ليستخدمها في تصميم غلاف كتابي المكرس لغائب طعمه فرمان، كما يلاحظ القارئ في الصورة أعلاه.
في اليوم التالي أفقت صباحاً ووجدت (الخارطة) على المنضدة، اندهشت لها، وأذكر أني انتبهت إلى وجود خطأ بسيط في “سيد سلطان علي” حيث كتبها “سطلان”، وكانت غير واضحة.. عندما أخبرته فيما بعد بذلك قال ضاحكاً: “… مو مشكلة آني كنت سلطاناً في تلك اللحظات!”.

————
* أنظر أيضا كتابي: غائب طعمه فرمان دراسة نقدية مقارنة في الرواية العراقية. دار الكنوز الأدبية، بيروت 1996
في الصورة تحت:
مخطط أماكِن أحداث رواية “النخلة والجيران ” كما رسمها مؤلفها عفويّا بقلم جاف أحمر وهو حاضر في جلسة سمر مع زهير ياسين الشليبه عام ١٩٨١ في موسكو.