

ميساء الدباغ
في ظل التحولات التي تشهدها محافظة نينوى، تبرز الحاجة إلى مساحات فكرية جادة تتيح قراءة واقع المحافظة من زوايا متعددة، وتفتح حوارًا مسؤولًا حول مستقبلها وهويتها وتنوعها الحضاري والثقافي.
وفي هذا السياق، أقام مركز الرشد المجتمعي للاستشارات والبحوث ندوته العلمية الخامسة تحت شعار: «نينوى… حماية الهوية وصياغة المستقبل».
مثّلت الندوة مساحة ثرية للحوار والنقاش، إذ تناولت واقع نينوى وتحدياتها من أبعاد تاريخية وثقافية واقتصادية وسياسية واجتماعية، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والمثقفين والإعلاميين، الأمر الذي أضفى على اللقاء تنوعًا في الرؤى وثراءً في الطروحات.
وتكتسب مثل هذه الفعاليات أهميتها من قدرتها على تجاوز الحديث التقليدي عن نينوى، إلى طرح أسئلة أكثر عمقًا تتعلق بهويتها، وتنوعها، وإرثها الحضاري والثقافي، فضلًا عن التحديات التي تواجهها والفرص المتاحة أمامها لصياغة مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.
إن حماية هوية نينوى لا تعني الانغلاق على الماضي، بقدر ما تعني فهمه والحفاظ على عناصره الأصيلة، والاستفادة من هذا الإرث في بناء حاضر أكثر وعيًا ومستقبل أكثر قدرة على استيعاب التنوع. فنينوى، بما تختزنه من تاريخ وثقافات وتعدد اجتماعي، تحتاج إلى خطاب يجمع أبناءها ويعزز قيم التعايش والانتماء والمسؤولية المشتركة.
وتؤكد الندوة أن نينوى لا تحتاج فقط إلى من يتحدث باسمها، وإنما إلى من يصغي إليها، ويفهم واقعها، ويقرأ تحدياتها، ويفكر في مستقبلها بوعي ومسؤولية. فالحوار الحقيقي لا يكتفي بتشخيص المشكلات، بل يسهم في إنتاج الأفكار وفتح مسارات جديدة لمعالجتها.
ويحسب لمركز الرشد المجتمعي للاستشارات والبحوث اهتمامه بإقامة مثل هذه المنابر الفكرية، التي توفر بيئة مناسبة لتبادل الآراء وطرح القضايا التي تمس حاضر نينوى ومستقبلها، بما يعزز دور المؤسسات الثقافية والبحثية في صناعة الوعي المجتمعي.
كما يستحق الأستاذ الدكتور موفق ويسي وجميع القائمين على الندوة والمشاركين فيها التقدير على جهودهم في إنجاح هذا اللقاء، وحسن التنظيم، وإتاحة الفرصة أمام نخبة من المختصين وأصحاب الرأي للمشاركة في نقاش يضع نينوى في مركز الاهتمام.
وفي المحصلة، فإن بناء مستقبل نينوى مسؤولية مشتركة، تبدأ من المعرفة والوعي، وتمر عبر الحوار والتفاهم، وتنتهي إلى رؤية قادرة على تحويل التنوع الثقافي والاجتماعي والحضاري إلى مصدر قوة.
فحين نصغي إلى نينوى بعمق، ونقرأ تاريخها بوعي، وننظر إلى مستقبلها بمسؤولية، فإننا لا نحمي هويتها فحسب، بل نشارك في صياغة مستقبل يليق بتاريخها ومكانتها.