أين‭ ‬يذهب‭ ‬أطفال‭ ‬العراق؟-د. فاروق الدباغ

عند‭ ‬إشارات‭ ‬المرور‭ ‬والأسواق‭ ‬والورش‭ ‬الصناعية‭ ‬والمطاعم،‭ ‬أصبح‭ ‬وجود‭ ‬الطفل‭ ‬العامل‭ ‬مشهداً‭ ‬مألوفاً‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أننا‭ ‬ربما‭ ‬توقفنا‭ ‬عن‭ ‬رؤيته‭.‬

طفل‭ ‬يحمل‭ ‬علبة‭ ‬مناديل‭ ‬بين‭ ‬السيارات،‭ ‬وآخر‭ ‬يدفع‭ ‬عربة‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬وثالث‭ ‬يقضي‭ ‬ساعات‭ ‬في‭ ‬ورشة‭ ‬تصليح‭ ‬السيارات‭. ‬نمر‭ ‬بجانبهم،‭ ‬نشتري‭ ‬أحياناً‭ ‬منهم،‭ ‬نشفق‭ ‬عليهم‭ ‬أحياناً‭ ‬أخرى،‭ ‬ثم‭ ‬نواصل‭ ‬طريقنا‭.‬

لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يزعجنا‭ ‬ليس‭: ‬لماذا‭ ‬يعمل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال؟

بل‭: ‬كيف‭ ‬أصبح‭ ‬وجود‭ ‬طفل‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينتهي‭ ‬من‭ ‬طفولته‭ ‬أمراً‭ ‬طبيعياً‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬المجتمع؟

في‭ ‬24‭ ‬أغسطس‭/‬آب‭ ‬2026‭ ‬أعلنت‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬المرحلة‭ ‬التصميمية‭ ‬لمسح‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬الوطني‭ ‬الجديد‭ ‬لعام‭ ‬2026،‭ ‬بعد‭ ‬ورشة‭ ‬عقدت‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬بين‭ ‬10‭ ‬و13‭ ‬أغسطس‭ ‬بمشاركة‭ ‬هيئة‭ ‬الإحصاء‭ ‬ونظم‭ ‬المعلومات‭ ‬الجغرافية،‭ ‬وهيئة‭ ‬إحصاء‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان‭ ‬ومنظمة‭ ‬العمل‭ ‬الدولية‭.‬

التفصيل‭ ‬المهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الخبر‭ ‬أن‭ ‬الاستبيان‭ ‬الجديد‭ ‬يتضمن‭ ‬وحدة‭ ‬خاصة‭ ‬بعمالة‭ ‬الأطفال‭.‬

قد‭ ‬يبدو‭ ‬الأمر‭ ‬إجراءً‭ ‬إحصائياً‭ ‬عادياً‭.‬

لكنه‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬خطوة‭ ‬مهمة،‭ ‬لأن‭ ‬المشكلة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬حجمها‭ ‬بدقة‭ ‬يصعب‭ ‬بناء‭ ‬سياسة‭ ‬لمواجهتها‭. ‬وللمرة‭ ‬الأولى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتيح‭ ‬البيانات‭ ‬الجديدة‭ ‬معرفة‭ ‬أفضل‭ ‬لمن‭ ‬يعمل،‭ ‬وأين،‭ ‬وفي‭ ‬أي‭ ‬عمر،‭ ‬وفي‭ ‬أي‭ ‬قطاعات،‭ ‬وما‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬العمل‭ ‬وترك‭ ‬المدرسة‭ ‬والفقر‭ ‬والأسرة‭.‬

لكن‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نبدأ‭ ‬العد،‭ ‬هناك‭ ‬مفارقة‭ ‬قانونية‭ ‬وتربوية‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬عندها‭.‬

أربع‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الرمادية

بحسب‭ ‬قانون‭ ‬العمل‭ ‬العراقي،‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬القانوني‭ ‬للعمل‭ ‬هو‭ ‬16‭ ‬عاماً،‭ ‬ويرتفع‭ ‬إلى‭ ‬18‭ ‬عاماً‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأعمال‭ ‬الخطرة‭.‬

لكن‭ ‬التعليم‭ ‬الإلزامي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬الاتحادي‭ ‬يمتد،‭ ‬وفق‭ ‬القوانين‭ ‬النافذة،‭ ‬إلى‭ ‬المرحلة‭ ‬الابتدائية‭ ‬فقط،‭ ‬أي‭ ‬عادة‭ ‬حتى‭ ‬سن‭ ‬12‭ ‬عاماً‭.‬

وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬فجوة‭ ‬مقلقة‭:‬

ماذا‭ ‬يفعل‭ ‬الطفل‭ ‬بين‭ ‬الثانية‭ ‬عشرة‭ ‬والسادسة‭ ‬عشرة‭ ‬إذا‭ ‬ترك‭ ‬المدرسة؟

هو‭ ‬لم‭ ‬يعد،‭ ‬عملياً،‭ ‬ضمن‭ ‬سن‭ ‬التعليم‭ ‬الإلزامي،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يصل‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬العمر‭ ‬الذي‭ ‬يسمح‭ ‬له‭ ‬القانون‭ ‬بالعمل‭.‬

أربع‭ ‬سنوات‭ ‬كاملة‭ ‬قد‭ ‬يجد‭ ‬فيها‭ ‬الطفل‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬رمادية‭ ‬بين‭ ‬المدرسة‭ ‬وسوق‭ ‬العمل‭.‬

وهذه‭ ‬ليست‭ ‬ملاحظة‭ ‬نظرية‭.‬

تقرير‭ ‬وزارة‭ ‬العمل‭ ‬الأمريكية‭ ‬حول‭ ‬أسوأ‭ ‬أشكال‭ ‬عمالة‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬4‭.‬8‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬بين‭ ‬الخامسة‭ ‬والرابعة‭ ‬عشرة‭ ‬يعملون،‭ ‬بينما‭ ‬بلغت‭ ‬نسبة‭ ‬الملتحقين‭ ‬بالتعليم‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬العمرية‭ ‬78‭.‬4‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬وفق‭ ‬البيانات‭ ‬التي‭ ‬يعتمدها‭ ‬التقرير‭.‬

ويظهر‭ ‬الأطفال‭ ‬العراقيون‭ ‬في‭ ‬الزراعة،‭ ‬والبناء،‭ ‬والمصانع‭ ‬الصغيرة،‭ ‬وأفران‭ ‬الطابوق،‭ ‬وجمع‭ ‬النفايات‭ ‬والمعادن،‭ ‬وتصليح‭ ‬السيارات،‭ ‬والعمل‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬والتسول‭. ‬وفي‭ ‬الحالات‭ ‬الأخطر‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬الاستغلال‭ ‬إلى‭ ‬التهريب‭ ‬أو‭ ‬الاتجار‭ ‬بالمخدرات‭ ‬والأسلحة‭ ‬والاستغلال‭ ‬الجنسي‭ ‬والعمل‭ ‬القسري‭.‬

لكن‭ ‬الطفل‭ ‬لا‭ ‬يستيقظ‭ ‬ذات‭ ‬صباح‭ ‬ويقرر‭ ‬بمفرده‭ ‬أن‭ ‬يستبدل‭ ‬حقيبته‭ ‬المدرسية‭ ‬بعربة‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬

غالباً‭ ‬توجد‭ ‬قصة‭ ‬خلفه‭.‬

الطفل‭ ‬العامل‭ ‬هو‭ ‬أحياناً‭ ‬راتب‭ ‬العائلة

الفقر‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أسباب‭ ‬عمالة‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬العراق‭.‬

منظمة‭ ‬العمل‭ ‬الدولية‭ ‬واليونيسف‭ ‬أكدتا‭ ‬مراراً‭ ‬أن‭ ‬الفقر‭ ‬والحرمان‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬الحروب‭ ‬والنزوح‭ ‬والأزمات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬دفعت‭ ‬أطفالاً‭ ‬كثيرين‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬جعلتهم‭ ‬معرضين‭ ‬له‭.‬

وهنا‭ ‬يقع‭ ‬المجتمع‭ ‬أحياناً‭ ‬في‭ ‬خطأ‭ ‬أخلاقي‭ ‬سهل‭.‬

نرى‭ ‬أباً‭ ‬أرسل‭ ‬طفله‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬فنحاكم‭ ‬الأب‭.‬

لكن‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬دخل‭ ‬الطفل‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يشتري‭ ‬الخبز‭ ‬مساءً؟

وماذا‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الخيار‭ ‬الحقيقي‭ ‬أمام‭ ‬الأسرة‭ ‬ليس‭ ‬بين‭ ‬‮«‬المدرسة‭ ‬والعمل‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬الطفل‭ ‬أو‭ ‬ألا‭ ‬تستطيع‭ ‬الأسرة‭ ‬دفع‭ ‬الإيجار؟

هذا‭ ‬لا‭ ‬يجعل‭ ‬عمالة‭ ‬الأطفال‭ ‬مقبولة‭.‬

لكنه‭ ‬يخبرنا‭ ‬أن‭ ‬العقوبة‭ ‬وحدها‭ ‬لن‭ ‬تحل‭ ‬المشكلة‭.‬

إذا‭ ‬أخرج‭ ‬مفتش‭ ‬العمل‭ ‬طفلاً‭ ‬من‭ ‬ورشة‭ ‬صباحاً‭ ‬ثم‭ ‬عاد‭ ‬الطفل‭ ‬إلى‭ ‬ورشة‭ ‬أخرى‭ ‬بعد‭ ‬أسبوع‭ ‬لأن‭ ‬أسرته‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬بلا‭ ‬دخل،‭ ‬فإننا‭ ‬لم‭ ‬نعالج‭ ‬عمالة‭ ‬الأطفال‭.‬

لقد‭ ‬غيرنا‭ ‬عنوانها‭ ‬فقط‭.‬

المدرسة‭ ‬نفسها‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المعادلة

هناك‭ ‬أيضاً‭ ‬سؤال‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نوجهه‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسة‭ ‬التعليمية‭.‬

لماذا‭ ‬يترك‭ ‬الطفل‭ ‬المدرسة؟

ليس‭ ‬كل‭ ‬طفل‭ ‬خارج‭ ‬المدرسة‭ ‬ضحية‭ ‬للفقر‭ ‬وحده‭.‬

تكلفة‭ ‬النقل‭ ‬والقرطاسية،‭ ‬بعد‭ ‬المدارس‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬المناطق،‭ ‬الاكتظاظ،‭ ‬ضعف‭ ‬البنية‭ ‬المدرسية،‭ ‬النزوح،‭ ‬صعوبات‭ ‬الوثائق‭ ‬الرسمية،‭ ‬والتنمر‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬تذكرها‭ ‬تقارير‭ ‬دولية‭ ‬كعوائق‭ ‬أمام‭ ‬استمرار‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬التعليم‭. ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬المشكلة‭ ‬أكبر‭ ‬لدى‭ ‬الفئات‭ ‬الأكثر‭ ‬هشاشة،‭ ‬مثل‭ ‬الأطفال‭ ‬النازحين‭ ‬واللاجئين‭ ‬وذوي‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الخاصة‭ ‬وبعض‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الفقيرة‭ ‬والريفية‭.‬

أي‭ ‬أننا‭ ‬أمام‭ ‬سلسلة‭ ‬تبدأ‭ ‬أحياناً‭ ‬بمدرسة‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالطفل،‭ ‬ثم‭ ‬بأسرة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دخله،‭ ‬ثم‭ ‬بسوق‭ ‬غير‭ ‬رسمي‭ ‬مستعد‭ ‬لاستقباله‭.‬

بعد‭ ‬ذلك‭ ‬نصل‭ ‬نحن‭ ‬ونقول‭:‬

لماذا‭ ‬يعمل‭ ‬الطفل؟

لا‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬اعتقال‭ ‬الطفل‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬إنقاذ‭ ‬الأسرة

الحل‭ ‬الجاد‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬بتغيير‭ ‬طريقة‭ ‬التفكير‭.‬

عمالة‭ ‬الأطفال‭ ‬ليست‭ ‬ملفاً‭ ‬لوزارة‭ ‬العمل‭ ‬وحدها‭.‬

إنها‭ ‬ملف‭ ‬للتربية‭ ‬والعمل‭ ‬والشؤون‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والصحة‭ ‬والداخلية‭ ‬والحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬معاً‭.‬

وأول‭ ‬خطوة‭ ‬يجب‭ ‬دراستها‭ ‬هي‭ ‬سد‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬سن‭ ‬التعليم‭ ‬الإلزامي‭ ‬وسن‭ ‬العمل‭ ‬القانوني‭.‬

إذا‭ ‬كان‭ ‬القانون‭ ‬يمنع‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬حتى‭ ‬السادسة‭ ‬عشرة،‭ ‬فمن‭ ‬المنطقي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬النظام‭ ‬التعليمي‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬به‭ ‬وحمايته‭ ‬حتى‭ ‬العمر‭ ‬نفسه،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬توفير‭ ‬مسار‭ ‬تعليمي‭ ‬أو‭ ‬مهني‭ ‬منظم‭ ‬لا‭ ‬يتركه‭ ‬في‭ ‬الشارع‭.‬

ثانياً،‭ ‬يجب‭ ‬ربط‭ ‬مكافحة‭ ‬عمالة‭ ‬الأطفال‭ ‬مباشرة‭ ‬بالحماية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للأسرة‭.‬

اليونيسف‭ ‬تعمل‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬على‭ ‬برامج‭ ‬تحويلات‭ ‬نقدية‭ ‬تراعي‭ ‬احتياجات‭ ‬الأطفال‭ ‬وتربط‭ ‬الدعم‭ ‬بالخدمات‭ ‬التعليمية‭ ‬والصحية‭. ‬وفي‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان‭ ‬أُطلقت‭ ‬خلال‭ ‬2026‭ ‬تجربة‭ ‬لشبكة‭ ‬أمان‭ ‬اجتماعي‭ ‬تستهدف‭ ‬آلاف‭ ‬الأسر‭ ‬الفقيرة‭.‬

هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬تستحق‭ ‬التوسع‭.‬

بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬للأسرة‭ ‬الفقيرة‭ ‬فقط‭: ‬‮«‬لا‭ ‬ترسلوا‭ ‬ابنكم‭ ‬للعمل‮»‬،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬الدولة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬القول‭:‬

أعيدوه‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة،‭ ‬وسنساعدكم‭ ‬على‭ ‬تعويض‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الدخل‭ ‬الذي‭ ‬تفقدونه‭.‬

لكن‭ ‬ذلك‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬مع‭ ‬إدارة‭ ‬اجتماعية‭ ‬ذكية،‭ ‬لا‭ ‬بنظام‭ ‬عقوبات‭ ‬يقطع‭ ‬المساعدة‭ ‬عن‭ ‬أفقر‭ ‬الأسر‭ ‬إذا‭ ‬تعذر‭ ‬على‭ ‬الطفل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭.‬

من‭ ‬الرصيف‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭ ‬البيانات

المسح‭ ‬الوطني‭ ‬الجديد‭ ‬للقوى‭ ‬العاملة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬نقطة‭ ‬بداية‭ ‬مهمة،‭ ‬بشرط‭ ‬ألا‭ ‬تتحول‭ ‬الأرقام‭ ‬إلى‭ ‬تقرير‭ ‬جديد‭ ‬يوضع‭ ‬على‭ ‬رف‭ ‬حكومي‭.‬

نحتاج‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المحافظات‭:‬

كم‭ ‬عدد‭ ‬الأطفال‭ ‬العاملين؟

كم‭ ‬واحداً‭ ‬منهم‭ ‬ترك‭ ‬المدرسة؟

في‭ ‬أي‭ ‬عمر؟

وفي‭ ‬أي‭ ‬قطاع؟

وكم‭ ‬ساعة‭ ‬يعمل؟

وهل‭ ‬دخل‭ ‬الطفل‭ ‬ضروري‭ ‬لبقاء‭ ‬الأسرة؟

كما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تربط‭ ‬بيانات‭ ‬العمل‭ ‬ببيانات‭ ‬التربية‭ ‬والحماية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬حتى‭ ‬يمكن‭ ‬التدخل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬الطفل‭ ‬عاملاً‭ ‬دائماً‭.‬

فالطفل‭ ‬الذي‭ ‬يختفي‭ ‬من‭ ‬الصف‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬غياب‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬المدرسة‭.‬

قد‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬داخل‭ ‬ورشة‭.‬

المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬الطفل

العراق‭ ‬بدأ‭ ‬اليوم‭ ‬خطوة‭ ‬مهمة‭: ‬أن‭ ‬يعدّ‭ ‬الأطفال‭ ‬العاملين‭ ‬بصورة‭ ‬أفضل‭.‬

لكن‭ ‬الأرقام‭ ‬وحدها‭ ‬لن‭ ‬تعيد‭ ‬طفلاً‭ ‬واحداً‭ ‬إلى‭ ‬مقعد‭ ‬الدراسة‭.‬

الخطوة‭ ‬الأصعب‭ ‬هي‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬عمالة‭ ‬الأطفال‭ ‬ليست‭ ‬دائماً‭ ‬نتيجة‭ ‬أب‭ ‬سيئ‭ ‬أو‭ ‬طفل‭ ‬اختار‭ ‬الشارع‭.‬

إنها‭ ‬أحياناً‭ ‬النتيجة‭ ‬النهائية‭ ‬لسلسلة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الإخفاقات‭: ‬أسرة‭ ‬فقيرة،‭ ‬ومدرسة‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬به،‭ ‬وحماية‭ ‬اجتماعية‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬إليه،‭ ‬وسوق‭ ‬غير‭ ‬رسمي‭ ‬وجد‭ ‬في‭ ‬يديه‭ ‬الصغيرتين‭ ‬عاملاً‭ ‬رخيصاً‭.‬

لهذا،‭ ‬عندما‭ ‬نرى‭ ‬طفلاً‭ ‬يبيع‭ ‬المناديل‭ ‬عند‭ ‬الإشارة،‭ ‬ربما‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬عن‭ ‬سؤاله‭:‬

لماذا‭ ‬لا‭ ‬تذهب‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة؟

ونسأل‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬بدلاً‭ ‬منه‭:‬

لماذا‭ ‬لم‭ ‬نستطع‭ ‬إبقاءه‭ ‬فيها؟

فالطفل‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬اليوم‭ ‬بثمن‭ ‬زهيد‭ ‬لا‭ ‬يخسر‭ ‬طفولته‭ ‬وحده‭.‬

العراق‭ ‬أيضاً‭ ‬يخسر‭ ‬مواطناً‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬تعليماً‭ ‬وإنتاجاً‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬مستقبله‭.‬

وعمالة‭ ‬الأطفال،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مأساة‭ ‬اجتماعية‭.‬

إنها‭ ‬استدانة‭ ‬من‭ ‬مستقبل‭ ‬البلد‭.‬

والأطفال‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬يدفعون‭ ‬الفائدة‭.‬