مليون‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬الاختفاء

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

الاختفاء‭ ‬القسري‭ ‬له‭ ‬يوم‭ ‬دولي‭ ‬مر‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬المعنية‭ ‬بهذه‭ ‬النكبة‭ ‬الإنسانية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬وقفة‭ ‬جادة‭ ‬وكبيرة‭. ‬واللافت‭ ‬والمحزن‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬أعلنته‭ ‬منظمة‭ ‬العفو‭ ‬الدولية‭ ‬بقولها‭ ‬ان‭ ‬إن‭ ‬عائلات‭ ‬المفقودين‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬واليمن‭ ‬أمضت‭ ‬مجتمعةً‭ ‬‮«‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬عام‮»‬‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬معرفة‭ ‬مصير‭ ‬أحبائها‭.‬

لا‭ ‬نريد‭ ‬ان‭ ‬ندخل‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬المقارنة‭ ‬بشأن‭ ‬أي‭ ‬البلدان‭ ‬أكثر‭ ‬تعرضا‭ ‬لعمليات‭ ‬الاخفاء‭ ‬القسري،‭ ‬فكل‭ ‬بلد‭ ‬عربي‭ ‬ورد‭ ‬اسمه‭ ‬في‭ ‬التقارير‭ ‬الأممية‭ ‬له‭ ‬حاكية‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬تشكيل‭ ‬سياقات‭ ‬امنية‭ ‬وسياسية‭ ‬وطائفية‭ ‬لظاهرة‭ ‬الاخفاء‭ ‬القسري‭ ‬التي‭ ‬أرى‭ ‬تسميتها‭ ‬أكثر‭ ‬دقة‭ ‬من‭ ‬الاختفاء‭ ‬القسري‭.‬

هناك‭ ‬مَن‭ ‬يقول‭ ‬انّ‭ ‬تحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬للعائلات‭ ‬المنكوبة‭ ‬سيعيدنا‭ ‬الى‭ ‬ظروف‭ ‬مأساوية‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يريد‭ ‬تكرارها‭ ‬في‭ ‬تبرير‭ ‬للتملص‭ ‬من‭ ‬المسؤوليات‭ ‬الجسيمة‭ ‬والمتعددة‭ ‬إزاء‭ ‬مجتمع‭ ‬اصابته‭ ‬نكبة‭ ‬الاخفاء‭ ‬ومزقته‭ ‬وزرعت‭ ‬فيه‭ ‬قنابل‭ ‬موقوتة‭ ‬جيلا‭ ‬بعد‭ ‬جيل،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬يدري‭ ‬أحد‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬سيحدث‭ ‬غداً‭. ‬والتبريرات‭ ‬تشجع‭ ‬على‭ ‬تفشي‭ ‬حالة‭ ‬الافلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭.‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬للدول‭ ‬المعنية‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تشخيص‭ ‬قضية‭ ‬الاخفاء‭ ‬القسري‭ ‬وتحدد‭ ‬معاييرها‭ ‬القانونية‭ ‬والقضائية‭ ‬والاجرائية‭ ‬وأدوات‭ ‬تنفيذها‭ ‬والجماعات‭ ‬المتورطة‭ ‬فيها‭.‬

في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬هناك‭ ‬استغلال‭ ‬سياسي‭ ‬لتوظيف‭ ‬ملف‭ ‬الاخفاء‭ ‬القسري‭ ‬جزئيا‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬والحكومية،‭ ‬وان‭ ‬هناك‭ ‬متخصصين‭ ‬في‭ ‬تحريك‭ ‬الملف‭ ‬في‭ ‬مواسم‭ ‬المناكفات‭ ‬السياسية‭ ‬والانتخابات،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬شعور‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬إزاء‭ ‬حجم‭ ‬المأساة‭.‬

العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬سقطت‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬القريب‭ ‬في‭ ‬أحابيل‭ ‬مخططي‭ ‬تفكيك‭ ‬المجتمعين‭ ‬وضرب‭ ‬وحدتهما‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اعتقالات‭ ‬عشوائية‭ ‬وقتل‭ ‬خارج‭ ‬القانون‭ ‬وتغييب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬محاكمات‭.‬

عوائل‭ ‬الضحايا‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬او‭ ‬سوريا‭ ‬جزء‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬وان‭ ‬الزمن‭ ‬لا‭ ‬يمحو‭ ‬الجراح‭ ‬كما‭ ‬يظن‭ ‬بعضهم،‭ ‬وانّ‭ ‬التراكمات‭ ‬الأليمة‭ ‬الجاثمة‭ ‬على‭ ‬صدور‭ ‬الأطفال‭ ‬والامهات‭ ‬والشيوخ‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬ستذكي‭ ‬جذوة‭ ‬عمليات‭ ‬انتقام‭ ‬خارج‭ ‬القانون،‭ ‬لاسيما‭ ‬حينما‭ ‬يمر‭ ‬أي‭ ‬بلد‭ ‬فغي‭ ‬منعطفات‭ ‬امنية‭ ‬او‭ ‬سياسية‭.‬

ولابد‭ ‬من‭ ‬الانتباه‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬المسألة‭ ‬ليست‭ ‬بكثرة‭ ‬عمليات‭ ‬الاخفاء،‭ ‬وليست‭ ‬القضية‭ ‬عددية‭ ‬،‭ ‬اذ‭ ‬انّ‭ ‬حصول‭ ‬إخفاء‭ ‬شخص‭ ‬واحد‭ ‬له‭ ‬تأثير‭ ‬مجتمعي‭ ‬في‭ ‬بلد‭  ‬غير‭ ‬مدرج‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬المشبوهة‭ ‬،‭ ‬قد‭ ‬يقود‭ ‬الى‭ ‬احتقانات‭ ‬متفجرة‭ ‬ايضاً‭.‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية