ساكن‭ ‬قصادي-كامل عبدالرحيم

متلازمة‭ ‬عجيبة،‭ ‬كلما‭ ‬سمعتُ‭ ‬أغنية‭ (‬نجاة‭ ‬الصغيرة‭) ‬أتذكر‭ ‬أبي،‭ ‬وكما‭ ‬تختلطٌ‭ ‬عليّ‭ ‬المقدمتان‭ ‬الموسيقيتان‭ ‬لها‭ ‬ولتلك‭ ‬المطوّلة‭ ‬الأخرى‭ (‬أيظن‭)‬،‭ ‬يختلط‭ ‬عليّ‭ ‬الأب‭ ‬الذي‭ ‬غادر‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬وصايا‭ ‬والصديق‭ ‬الذي‭ ‬تأخرتُ‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الموعد‭ ‬ولعله‭ ‬بكرّ‭ ‬الحضور‭ ‬فأسرع‭ ‬الرحيل‭.‬

مع‭ ‬الموسيقى‭ ‬المتوسلة‭ ‬الشجية‭ ‬لـ‭(‬ساكن‭ ‬قصادي‭) ‬أعود‭ ‬مكرها‭ ‬أو‭ ‬طائعاً‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬البيت‭ ‬بطرازه‭ ‬اليهودي‭ ‬البغدادي‭ ‬المستأجر‭ ‬من‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يسمى‭ (‬دائرة‭ ‬الأموال‭ ‬المجمدة‭) ‬فيُطلق‭ ‬عليها‭ ‬بيوت‭ ‬مجمدة،‭ ‬البيت‭ ‬الدافئ‭ ‬مثل‭ ‬قاعة‭ ‬سينما‭ ‬في‭ ‬ليل‭ ‬شتائي،‭ ‬حيث‭ ‬يقوم‭ ‬أبي‭ ‬بدور‭ ‬بطل‭ ‬ثانوي‭ ‬يم،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬حياته،‭ ‬يمر‭ ‬في‭ ‬الشريط‭ ‬للحظات‭ ‬قليلات،‭ ‬البطل‭ ‬الثانوي،‭ ‬البخيل‭ ‬بوجوده‭ ‬والكريم‭ ‬بصمته‭ ‬وحضوره‭ ‬الكثيف،‭ ‬حضوره‭ ‬الرمزي‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬للدمى‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يغطيه‭ ‬الدم،‭ ‬الأب‭ ‬الذي‭ ‬حافظ‭ ‬على‭ ‬توصيات‭ ‬المخرج‭ (‬العظيم‭) ‬ليكون‭ ‬متطابقاً‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬رسمه‭ ‬ذلك‭ (‬العظيم‭)‬،‭ ‬ظل‭ ‬أنيقاً‭ ‬حليق‭ ‬الوجه‭ ‬لم‭ ‬نر‭ ‬صف‭ ‬أسنانه‭ ‬يوماً‭ ‬لأننا‭ ‬لم‭ ‬نره‭ ‬مبتسماً‭ ‬ولا‭ ‬غاضباً‭ ‬ولا‭ ‬حاسماً‭ ‬ولا‭ ‬راضياً‭ ‬أو‭ ‬ضاحكاً،‭ ‬لكننا‭ ‬رأيناه‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬متحللاً‭ ‬من‭ ‬بزته‭ ‬الأنيقة‭ ‬ليستمع‭ ‬بانتباه‭ ‬إلى‭ (‬ساكن‭ ‬قصادي‭).‬

أبي‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬غادر‭ ‬العالم‭ ‬إلا‭ ‬كما‭ ‬عهدناه‭ ‬وألفناه،‭ ‬نظيفاً‭ ‬وسيماً‭ ‬غامضاً،‭ ‬فغادر‭ ‬بيته‭ ‬الجديد‭ ‬للمرة‭ ‬الأخيرة‭ ‬محمولاُ‭ ‬بنعش‭ ‬خفيف‭ ‬لشدة‭ ‬ما‭ ‬نهشه‭ ‬المرض‭ ‬الخبيث،‭ ‬لم‭ ‬يظهر‭ ‬من‭ ‬النعش‭ ‬المكشوف‭ ‬غير‭ ‬منامته‭ ‬الزرقاء‭ ‬المقلمة‭ ‬بحزامها‭ ‬القطني‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬زهرة‭ ‬ذابلة،‭ ‬كأي‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬سيذبل‭ ‬في‭ ‬النهاية‭.‬

‭ ‬عندما‭ ‬تصل‭ (‬نجاة‭) ‬إلى‭ ‬المقطع‭ ‬شبه‭ ‬الأخير‭ (‬ناس‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬النور‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬فرح‭ ‬وشموع‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬مهجور‭ ‬ومنوّرة‭ ‬بالدموع‭)‬،‭ ‬كنتُ،‭ ‬طفلاً‭ ‬ورجلاً،‭ ‬أبكي‭ ‬فوراً‭ ‬لسماعي‭ ‬هذا‭ ‬المقطع،‭ ‬لأن‭ ‬طريق‭ ‬النور‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬ذهب‭ ‬إليه‭ ‬أبي‭ ‬وحيداً‭ ‬بمنامته‭ ‬الزرقاء،‭ ‬فيما‭ ‬بقيتُ‭ ‬أنا‭ ‬في‭ (‬طريقي‭ ‬المهجور‭).‬

دون‭ ‬أن‭ ‬يعلم‭ ‬هذا‭ ‬البطل‭ ‬الثانوي‭ ‬العجول‭ ‬بمروره‭ ‬السريع،‭ ‬أنه‭ ‬بانتباهه‭ ‬لتلك‭ ‬الأغنية‭ ‬سيتحول‭ ‬إلى‭ (‬ساكن‭ ‬قصادي‭)‬،‭ ‬جارٍ‭ ‬أبدي‭ ‬لأولاده،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬بسيارته‭ ‬الإنجليزية‭ ‬موديل‭ (‬أنجليا‭)‬،‭ ‬واضعاً‭ ‬صغاره‭ ‬التسعة‭ ‬في‭ ‬حوض‭ ‬السيارة‭ ‬الملحق،‭ ‬يقلهم‭ ‬إلى‭ ‬حدائق‭ ‬ومتنزهات‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬ضجيج‭ ‬المدينة،‭ ‬سيعود‭ ‬بهم‭ ‬دائماً‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬البيت‭ ‬اليهودي‭ ‬بفنائه‭ ‬الواسع‭ ‬وفي‭ ‬قلبه،‭ ‬تلفزيون،‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬تلفزيونات‭ ‬بغداد،‭ ‬ليستمع‭ (‬ساكن‭ ‬قصادي‭)..‬وصغاره‭ ‬يبكون‭…‬