من‭ ‬حديث‭ ‬النشر‭ ‬والمؤلفين

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

تدبُ‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬النشر‭ ‬العربية‭ ‬بين‭ ‬فينة‭ ‬وأخرى‭ ‬صرعات‭ ‬مفاجئة،‭ ‬لها‭ ‬جوانب‭ ‬محمودة‭ ‬لكنها‭ ‬محدودة،‭ ‬منها‭ ‬إعادة‭ ‬طبع‭ ‬اعمال‭ ‬بعض‭ ‬المؤلفين‭ ‬العرب‭ ‬المشاهير،‭ ‬الذين‭ ‬مضت‭ ‬على‭ ‬صدور‭ ‬أعمالهم‭ ‬خمسون‭ ‬عاما،‭ ‬وباتت‭ ‬الحقوق‭ ‬مشاعة‭ ‬في‭ ‬النشر،‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬اعمال‭ ‬الروائي‭ ‬الفلسطيني‭ ‬غسان‭ ‬كنفاني‭ ‬واعمال‭ ‬جبران‭ ‬خليل‭ ‬جبران‭ ‬وروايات‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬منيف‭ ‬وجبرا‭ ‬إبراهيم‭ ‬جبرا‭. ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬انّ‭ ‬هناك‭ ‬ورثة‭ ‬بإمكانهم‭ ‬المطالبة‭ ‬بحقوق‭ ‬النشر‭ ‬وقد‭ ‬تقبل‭ ‬بدعاويهم‭ ‬المحاكم،‭ ‬ان‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬السائبة‭ ‬ففي‭ ‬دول‭ ‬اوربية‭. ‬وهناك‭ ‬ورثة‭ ‬متربصون‭ ‬لا‭ ‬يجرؤ‭ ‬الناشرون‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬مثل‭ ‬إعادة‭ ‬طباعة‭ ‬دواوين‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭.‬

وذات‭ ‬مرة،‭ ‬كنتُ‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬الشرق‭ ‬الكبير‭ ‬للكتاب‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬اهم‭ ‬معرض‭ ‬دولي‭ ‬للكتاب‭ ‬مرّ‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العراق‭ ‬نظمه‭ ‬رائد‭ ‬الاعلام‭ ‬العراقي‭ ‬الحديث‭ ‬سعد‭ ‬البزاز‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1987،‭ ‬اذ‭ ‬صدرت‭ ‬عنه‭ ‬اول‭ ‬وثيقة‭ ‬للناشرين‭ ‬العرب‭ ‬سميت‭ ‬ببيان‭ ‬بغداد،‭ ‬توافرت‭ ‬على‭ ‬بنود‭ ‬رائدة‭ ‬في‭ ‬حفظ‭ ‬حقوق‭ ‬المؤلفين‭ ‬والناشرين‭ ‬والموزعين،‭ ‬وتناولت‭ ‬مكانة‭ ‬الكتاب‭ ‬العربي‭ ‬كواجهة‭ ‬حضارية‭ ‬للأمة‭ ‬وعامل‭ ‬انتماء‭ ‬للأفراد‭ ‬الى‭ ‬اوطانهم‭. ‬وإذا‭ ‬بأحد‭ ‬الناشرين‭ ‬العرب‭ ‬جاء‭ ‬معترضا‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬طبعات‭ ‬منافسة‭ ‬لما‭ ‬أصدره‭ ‬من‭ ‬طبعة‭ ‬جديدة‭ ‬للقرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬وكان‭ ‬جاداً‭ ‬حين‭ ‬طالب‭ ‬بحقوق‭ ‬النشر‭ ‬الحصرية‭ ‬به‭.‬

إعادة‭ ‬طباعة‭ ‬الاعمال‭ ‬الشهيرة‭ ‬يوازيها‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الاعمال‭ ‬المهمة‭ ‬والرائدة‭ ‬وشبه‭ ‬النادرة‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬المبدعين‭ ‬العرب‭ ‬الذي‭ ‬طواهم‭ ‬الموت‭ ‬ونستهم‭ ‬شعوبهم‭ ‬اللاهثة‭ ‬وراء‭ ‬لقمة‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تكالبت‭ ‬على‭ ‬الانسان‭ ‬العربي‭ ‬عوامل‭ ‬التجهيل‭ ‬والتجويع،‭ ‬والتبخيس،‭ ‬والتنكيل،‭ ‬والتجريف‭.‬

كم‭ ‬واحدا‭ ‬يعرف‭ ‬شيئا‭ ‬عن‭ ‬رائدة‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬سميرة‭ ‬عزام‭ ‬التي‭ ‬رحلت‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬مهتم‭ ‬بإعادة‭ ‬اعمالها‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬زمانها‭. ‬وكم‭ ‬ناشرا‭ ‬سيتذكر‭ ‬الكاتبين‭ ‬العراقيين‭ ‬الكبيرين‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬الربيعي‭ ‬وعبد‭ ‬الستار‭ ‬ناصر،‭ ‬وهل‭ ‬يفكر‭ ‬ناشر‭ ‬اعمال‭ ‬الروائي‭ ‬الأردني‭ ‬مؤنس‭ ‬الرزاز‭ ‬بإعادة‭ ‬الطبعات‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭ ‬على‭ ‬غيابه؟‭ ‬وفي‭ ‬العراق‭ ‬هناك‭ ‬فراغ‭ ‬مرعب‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬الثقافة،‭ ‬لا‭ ‬احد‭ ‬يذكر‭ ‬القاص‭ ‬موسى‭ ‬كريدي‭ ‬أو‭ ‬القاص‭ ‬محمود‭ ‬جنداري‭ ‬او‭ ‬القاص‭ ‬غازي‭ ‬العبادي؟‭ ‬هؤلاء‭ ‬كانوا‭ ‬مخلصين‭ ‬لفن‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة،‭ ‬واليوم‭ ‬ليس‭ ‬لهم‭ ‬مَن‭ ‬يداعي‭ ‬بحقوق‭ ‬ان‭ ‬تعاد‭ ‬أعمالهم‭ ‬للحياة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬وليس‭ ‬حقوق‭ ‬نشرها‭ ‬المادية‭. ‬اما‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬او‭ ‬ذاك،‭ ‬فليست‭ ‬لها‭ ‬روية‭ ‬لحفظ‭ ‬ذاكرة‭ ‬الابداع‭ ‬الوطني‭ ‬عبر‭ ‬تجديد‭ ‬طبعات‭ ‬اعمال‭ ‬المبدعين‭ ‬الراحلين،‭ ‬والذين‭ ‬تركوا‭ ‬عوائلهم‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تولي‭ ‬هذه‭ ‬المهمة‭ ‬لأسباب‭ ‬مالية‭ ‬في‭ ‬الاغلب‭. ‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية