هل سينقرض رواد المكتبات وتصبح القراءة موضة قديمة؟

سمارة موفق – انقرة

(القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ) ، لعل هذه العبارة هي أجمل ما قيل في وصف أهمية القراءة ومدى ثقافة الشعوب العربية، فلمن ستصدح الأقلام وترتفع أصوات الفكر لتعبر عن مكنونات الفؤاد وترتقي بالفكرة حتى تصل إلى الرعيل الأول من محبي القراءة إذا كسر صوت القلم وأصبحت الفكرة مجردة من التعبير وأصبح الكسل هو القائد في أي عملية بحث وتقصي عن فكرة أو حقيقة.

كانت للقراءة أهمية كبيرة وهي المقياس الأساسي لمدى ثقافة أي شعب ، فقد كانت هناك عادات يومية كثيرة مرتبطة بالقراءة ولعل أهم تلك العادات التي تتمثل بالقراءة “الجريدة الصباحية “، حيث تُعتبر الجريدة رفيقة درب وصديقة مسير وباب للدخول إلى عالم المعرفة، كنا نرى الجميع على اختلاف مستوياتهم الثقافية والعلمية بيدهم الجرائد وهم يتوجهون الى أعمالهم صباحا وكأنها جزء من هوية وشخصية الفرد ، ووسيلة مهمة حتى يتابعوا ما يحدث في هذه الدنيا من تغيرات ففيها كل جديد ومهم، فقد كانت القراءة هي النافذة التي يرى من خلالها الجميع الجزء المخفي من الحياة , لذلك أصبح من الضروري التساؤل؛ أين هم القراء..! اين هم الباحثين عن المعرفة..! كيف اصبح الوصول الى مصداقية أي معلومة يريدون معرفتها أمر غير مهم , وهل أصبحت قراءة الكتب هواية تقتصر على فئات عمرية معينة..! لماذا لم تعد القراءة حاجة ملحة ترتقي بها الشعوب وتتثقف بها الأمم كما كان سابقاً ؟ ام ان الحياة الألكترونية حولت بحر الثقافة والإطلاع إلى حاجة غير ضرورية ..!

لم نعد نرى اشخاص قادرين على تزويدنا بأي معلومة دون الرجوع الى متصفح على هاتفه أو البحث في محركات البحث عن تلك المعلومة، حتى وصل بنا الحال بأننا فقدنا ثقتنا بمصداقية اي شخص ينقل الينا اي حدث او معلومة، كيف كنا نعيش سابقا.! وكيف كنا نجلس مع أشخاص وكأنهم بحر من العلم والمعرفة ! أين ذهبوا هؤلاء الاشخاص هل هم ايضا فقدوا ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على ايصال المعلومة لمن حولهم دون الرجوع الى محركات البحث، أصبحنا نعيش في زمن نستغرب عندما نرى شخص يمسك كتاب بيده ،أصبح الجميع يجري خلف الحل السريع والمعلومة المختصرة لم يعد احد يريد أن يجتهد ويبحث، بل وحتى الكُتاب أصبحوا يخشون تأليف الكتب، لان لا احد سيقرأ بل وصل بهم الحال أنهم أصبحوا يستجدون القارئ الفطن، فما نفع الجهد المبذول في تأليف اي كتاب دون قارئ مثقف مناقش مهتم .

ولعل من أهم الأسباب التي ساهمت بشكل فعال في محو دور الكُتب والقراءة في زماننا هذا، وتغير صفات الجيل الجديد من جيل مثقف واع الى جيل لا يعرف عن العلم والمعرفة سوى القشور، ان أول هذه الأسباب تبدأ من النشأة الأولى، فبدل أن تعطي الأم كتاب فيه قصة لطفلها الصغير حتى يتعلم القراءة والفهم والإدراك، أصبحت تعطيه الهاتف حتى يشغل فكره باللعب وتتبلد أفكاره ويصبح أقصى اهتمامه هو اللعب، ثم يأتي دور المدرسة حيث كان هناك في كل مدرسة مكتبة صغيرة يلجأ إليها الطالب في وقت فراغه ولعل هذا الوقت هو الأهم بالنسبة لأي طالب لأنه يخرجه من ضغط الدروس ويشغل جزء كبيرة من فراغ وقته بين الدروس، وهذا الامر سيزرع في ذهنه فكرة أن اللجوء للقراءة هو متنفس للذات وفرصة لمعرفة النفس والتزود بالمعلومات المفيدة، وما حدث أن هذه المساحة في داخل المدرسة تلاشت تدريجياً في بعض المدارس وفي البعض الاخر اختفت تماماً، فمع غياب البيئة التي تحفز القراءة والكتابة وتشجيع القارئ على زيادة العلم والمعرفة ، قل عدد القراء وقل معهم الكتاب ايضاً،

ففي زمن الذكاء الأصطناعي بدأ دور الانسان يحتفي رويداً رويداً، ولم يعد هناك شيء حقيقي فالجميع مشغول بالجري خلف السراب وخلف تكنولوجيا فهمت بشكل خاطئ واخذت حيز مختلف عن هدفها الحقيقي، لذلك أصبحت الحاجة ملحة الى صحوة عملية والى ثورة ثقافية نعيد فيها تاريخنا وموروثنا الأساسي بالربط بين الماضي والمستقبل والتركيز على الحاضر الثقافي ، نحن نحتاج الى تفكير جدي وحملات توعوية مكثفة والوقوف على الاسباب وعلاجها حتى نعيد للقراءة اهميتها وهيبتها وهذا العبء لا يقف على فرد بذاته بل على مجتمع بأكمله، ولن يتحقق هذا المقصد بيوم بل يحتاج الى وقت وجهد واهتمام من كل فصائل المجتمع بدءاً من المنزل وصولاً الى أعلى فئة في المجتمع عن طريق إقامة ندوات ومؤتمرات علمية منظمة ، نعمل من خلالها على معرفة العمق حقيقي لحل تلك المشكلة والرجوع الى الفكر السليم والتفكير العميق بأهمية الكتابة والقراءة فعلا نفع لكاتب دون قارئ بارع يعرف ما بين السطور بفطنة وذكاء ودراية،