
فاتح عبد السلام
كل شيء قابل للتحول الرقمي في العالم، وحياة الناس تخضع لهذا الاعتبار، في المعيشة اليومية والعمل، والسفر، والعلاج، والإنتاج.
كنت اعرف بعض الأصدقاء يتفوقون في حفظ ارقام الهواتف وأرقام تسجيل السيارات، وكنت الى سنوات قريبة احتفظ بدفتر صغير لأرقام الهواتف، ولعلي كنت احمل في جيبي يوم خرجت من البلد اول مرة دفترا لأرقام الهواتف بين أشياء قليلة جدا إصطحبتها وانا اغادر، وشعور ينتابني بأنّ رحلة الغربة ستطول وان ارقام الهواتف، الأرضية طبعا، في ذلك الزمان هي الوسيلة الأسرع للصلة مع أهلنا واصدقائنا في البلد. غير ان الرحلة طالت من دون عودة والهواتف الأرضية الغيت ولا أزال احتفظ بذلك الدفتر بوصفه من الاثار المندثرة.
وكنت احفظ عن ظهر قلب، كثيراً من الأرقام الهاتفية، لكن ذلك كله صار من الماضي الذي يقولون انه لن يعود مطلقا بعد اكتساح العالم بالتطبيقات الرقمية المذهلة.
غير ان إصابة كيبل للأنترنت في أعماق البحر المتوسط ذات مرة، وقطع كيبل بحري اخر قرب الهند مرة ثانية، وحوادث الاختراق الالكتروني للبنوك والمستشفيات والوثائق الشخصية والعامة من قبل منظمات وربما دول متصارعة، يجعلني دائما أفكر بأهمية ان يكون للمرء حيز غير رقمي يحتفظ من خلاله بالمعلومات والوثائق التي لا غنى عنها. لكن هل يمكن ان نحتفظ بكل شيء والى متى يمكن ان نحمل معنا ارشيفا ورقيا، متنقلين من دولة الى أخرى، فالكتب في معظم الدول رقمية في اغلبها، لكن الكائن القادم من العالم الورقي لا يمكنه العيش بعيدا عن موطنه الأصلي.
الحوادث تأتي على نحو مفاجئ في العالم الرقمي، ولا تنفع الإجراءات الوقائية للدول في بعض الأحيان، فكيف بالأفراد.
أمس تعرضت لحادث شخصي في انغلاق ملف رقمي فيه اخر اعمالي الروائية غير المنشورة باللغتين الإنكليزية والعربية بسبب التحول من جهاز الى اخر، وتخيلت للحظات حالي لو لم أكن محتفظا بمرجعية ورقية لذلك الملف أستطيع من خلالها اعادته للحياة.
الى أي درجة يجب ان نثق بالعالم الرقمي الذي أصبحت حياتنا أسيرة له؟ سؤال لا إجابة جاهزة له ، ولكل أمرئ اجتهاده الخاص في ذلك.
رئيس التحرير-الطبعة الدولية