زهد‭ ‬الأقنعة-عدنان أبوزيد

ما‭ ‬نطرحه‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬كشفاً‭ ‬جديدا،‭ ‬بل‭ ‬تعرية‭ ‬صريحة‭ ‬لحقيقة‭ ‬شاخصة‭ ‬يراها‭ ‬الجميع‭ ‬ويصمت‭ ‬عنها‭ ‬الكثيرون‭.‬

في‭ ‬دُول‭ ‬العالم‭ ‬التي‭ ‬تحترم‭ ‬شعوبها،‭ ‬يمارس‭ ‬المسؤول‭ ‬مهامه‭ ‬بوصفه‭ ‬خادماً‭ ‬للناس،‭ ‬فلا‭ ‬موكب‭ ‬يقطع‭ ‬الطرقات،‭ ‬ولا‭ ‬حمايات‭ ‬تحجب‭ ‬الوجه‭ ‬عن‭ ‬الناس،‭ ‬ولا‭ ‬بذخ‭ ‬يُستعرض‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المال‭ ‬العام‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬فقد‭ ‬تحولت‭ ‬السلطة‭ ‬إلى‭ ‬إقطاعية‭ ‬أسطورية‭ ‬متعالية،‭ ‬تسكن‭ ‬القصور‭ ‬العاجية،‭ ‬وتنقل‭ ‬حركتها‭ ‬عبر‭ ‬أرتال‭ ‬مصفحة‭ ‬وجيوش‭ ‬مدججة،‭ ‬مدفوعة‭ ‬الفواتير‭ ‬من‭ ‬جيوب‭ ‬الفقراء‭.‬

نلمس‭ ‬المفارقة‭ ‬الصارخة‭ ‬والانتهازية‭ ‬الفجة،‭ ‬أن‭ ‬يُرفع‭ ‬شعار‭ ‬الزهد‭ ‬والنزاهة‭ ‬والانتساب‭ ‬للرموز‭ ‬الشريفة‭ ‬و‭”‬المقدسة‭”‬،‭ ‬بينما‭ ‬تشهد‭ ‬الأفعال‭ ‬على‭ ‬ترف‭ ‬فاحش‭ ‬وجشع‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭.‬

حتى‭ ‬حين‭ ‬يزور‭ ‬هؤلاء‭ ‬العتبات‭ ‬المقدسة‭ ‬أو‭ ‬يدّعون‭ ‬التفقد‭ ‬للبسطاء،‭ ‬يمارسون‭ ‬الاستعراض‭ ‬بذات‭ ‬البذخ‭ ‬والجبروت،‭ ‬وكأن‭ ‬السلطة‭ ‬غنيمة‭ ‬وشعائر‭ ‬التواضع‭ ‬مجرد‭ ‬مسرحية‭ ‬باهظة‭ ‬الثمن‭.‬

منذ‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬لم‭ ‬يجرؤ‭ ‬مسؤول‭ ‬واحد‭ ‬على‭ ‬السير‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬كقادة‭ ‬العالم‭ ‬الحر‭.‬

بات‭ ‬الانفصام‭ ‬كاملاً‭ ‬بين‭ ‬طبقة‭ ‬سياسية‭ ‬وسيادية‭ ‬تتمتع‭ ‬بامتيازات‭ ‬خرافية‭ ‬ولا‭ ‬تنقطع‭ ‬عنها‭ ‬الكهرباء،‭ ‬ومواطن‭ ‬مسحوق‭ ‬يُطالب‭ ‬بالصبر‭ ‬على‭ ‬تأخر‭ ‬قوته‭ ‬وغياب‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية‭.‬

لقد‭ ‬تحول‭ ‬المنصب‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬إلى‭ ‬تشريف‭ ‬مطلق‭ ‬وهرب‭ ‬من‭ ‬الاستحقاق‭ ‬الوطني،‭ ‬وتكرست‭ ‬النخبة‭ ‬كطبقة‭ ‬فوق‭ ‬الناس‭ ‬وفوق‭ ‬الحساب‭.‬

المشكلة‭ ‬الأكبر‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬نهب‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬عبر‭ ‬بوابة‭ ‬النفوذ،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الاستخفاف‭ ‬بالوعي‭ ‬الجمعي،‭ ‬إذ‭ ‬يُراد‭ ‬للمواطن‭ ‬أن‭ ‬يصفق‭ ‬لمن‭ ‬يستنزف‭ ‬ميزانيته،‭ ‬وأن‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬مظاهر‭ ‬الخوف‭ ‬المتدثرة‭ ‬بالحمايات‭ ‬المشددة‭ ‬والألقاب‭ ‬العظيمة،‭ ‬علامة‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬الهيبة‭ ‬والقيادة‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الطغيان‭ ‬السلوكي‭ ‬يمثل‭ ‬إهانة‭ ‬صريحة‭ ‬لكرامة‭ ‬العراقيين،‭ ‬ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬الشعارات‭ ‬الصاخبة‭ ‬والواقع‭ ‬المأساوي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مسافة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬هاوية‭ ‬تسقط‭ ‬فيها‭ ‬أدنى‭ ‬مقومات‭ ‬الأمانة‭ ‬والوعي‭ ‬الأخلاقي‭.‬