رسالة‭ ‬من‭ ‬مغسل‭ ‬أبيض-نوال الجراح

بينما‭ ‬كنت‭ ‬أتابع‭ ‬مع‭ ‬زوجي‭ ‬أعمال‭ ‬الترميم‭ ‬في‭ ‬منزلنا،‭ ‬وقع‭ ‬خطأ‭ ‬غير‭ ‬مقصود‭ ‬من‭ ‬عامل‭ ‬الصحيات‭ ‬أثناء‭ ‬تثبيت‭ ‬المغسل‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬اخترته‭ ‬بعناية‭.‬‭ ‬فعندما‭ ‬ثبّت‭ ‬المرآة،‭ ‬استخدم‭ ‬البراغي‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وضع‭ ‬حاجز‭ ‬يحمي‭ ‬سطح‭ ‬المغسل‭ ‬الأبيض‭ ‬،‭ ‬فتطايرت‭ ‬عليه‭ ‬نقاط‭ ‬سوداء‭ ‬صغيرة‭ ‬جدًا،‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬كثيرة‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لتشوّه‭ ‬منظره‭ ‬الجميل‭.‬

أزعجني‭ ‬المشهد‭ ‬كثيرًا،‭ ‬وشعرت‭ ‬بحزن‭ ‬حقيقي،‭ ‬خاصة‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نستخدم‭ ‬المغسل‭ ‬بعد،‭ ‬وكان‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬جديدًا‭ ‬ونظيفًا‭.‬

لكن‭ ‬بعد‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬توقفت‭ ‬عن‭ ‬الاستسلام‭ ‬للمشاعر‭ ‬السلبية،‭ ‬وقررت‭ ‬أن‭ ‬أنظر‭ ‬إلى‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬أخرى‭. ‬سألت‭ ‬نفسي‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬اعتدت‭ ‬أن‭ ‬أطرحه‭ ‬كلما‭ ‬مررت‭ ‬بموقف‭ ‬يلفت‭ ‬انتباهي‭:‬

ما‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬يريد‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يعلمني‭ ‬إياها‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الحدث؟

أطلقتُ‭ ‬السؤال،‭ ‬وتركت‭ ‬الجواب‭ ‬لله‭.‬

وقبيل‭ ‬النوم،‭ ‬قذف‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬قلبي‭ ‬خاطرًا‭ ‬غيّر‭ ‬نظرتي‭ ‬كلها‭.‬

إذا‭ ‬كنا‭ ‬نحزن‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الحزن‭ ‬على‭ ‬نقاط‭ ‬سوداء‭ ‬سقطت‭ ‬على‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬أثاث‭ ‬المنزل،‭ ‬فهل‭ ‬نحزن‭ ‬بالقدر‭ ‬نفسه،‭ ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬على‭ ‬النقاط‭ ‬السوداء‭ ‬التي‭ ‬تتساقط‭ ‬على‭ ‬قلوبنا‭ ‬بفعل‭ ‬الذنوب‭ ‬والغفلة،‭ ‬حتى‭ ‬تفقد‭ ‬شيئًا‭ ‬فشيئًا‭ ‬صفاءها‭ ‬ونورها‭ ‬؟

كم‭ ‬من‭ ‬كلمة،‭ ‬أو‭ ‬موقف،‭ ‬أو‭ ‬خسارة،‭ ‬أتعبتنا‭ ‬وأثقلت‭ ‬نفوسنا،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬بإمكاننا‭ ‬تجاوزها‭ ‬لو‭ ‬غيّرنا‭ ‬طريقة‭ ‬تفكيرنا،‭ ‬ونظرنا‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعًا‭ ‬وإيمانًا‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬كم‭ ‬هو‭ ‬مؤلم‭ ‬أن‭ ‬تتراكم‭ ‬الذنوب‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬حتى‭ ‬تُضعف‭ ‬علاقته‭ ‬بالله،‭ ‬وتُبعده‭ ‬عن‭ ‬الطاعة،‭ ‬وتحرمه‭ ‬لذة‭ ‬القرب‭ ‬والسكينة،‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يثقل‭ ‬قلبه‭ ‬بما‭ ‬حَمل‭.‬

عندها‭ ‬اختفى‭ ‬حزني‭ ‬على‭ ‬المغسل،‭ ‬وحلّ‭ ‬مكانه‭ ‬دعاء‭ ‬صادق‭:‬

اللهم‭ ‬اجعل‭ ‬قلبي‭ ‬نقيًا‭ ‬كنقاء‭ ‬ذلك‭ ‬البياض‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تلوثه‭ ‬الذنوب،‭ ‬وطهّره‭ ‬بفضلك‭ ‬ورحمتك،‭ ‬وأعنّي‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬ألقاك‭ ‬بقلب‭ ‬سليم،‭ ‬حسن‭ ‬النية،‭ ‬صادق‭ ‬العمل،‭ ‬جميل‭ ‬الكلمة،‭ ‬رحيمًا‭ ‬بخلقك،‭ ‬ساعيًا‭ ‬إلى‭ ‬مرضاتك‭ ‬ما‭ ‬استطعت‭.‬

لقد‭ ‬علمتني‭ ‬تلك‭ ‬النُّقط‭ ‬السوداء‭ ‬درسًا،‭ ‬علّم‭ ‬في‭ ‬قلبي‭ ‬وترك‭ ‬فيه‭ ‬نقطة‭ ‬بيضاء‭ ‬أسعى‭ ‬أن‭ ‬تزداد‭ ‬حتى‭ ‬يبقى‭ ‬نقياً‭.‬

علمتني‭ ‬أن‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬الدنيا،‭ ‬مهما‭ ‬بدت‭ ‬كبيرة،‭ ‬تبقى‭ ‬صغيرة‭ ‬إذا‭ ‬قورنت‭ ‬بما‭ ‬يمس‭ ‬دين‭ ‬الإنسان‭.‬

منذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تلك‭ ‬النُّقط‭ ‬السوداء‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬مجرد‭ ‬أثرٍ‭ ‬على‭ ‬مغسلٍ‭ ‬جديد،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مرآةً‭ ‬أراجع‭ ‬بها‭ ‬قلبي‭ ‬كلما‭ ‬انشغلتُ‭ ‬بأمرٍ‭ ‬من‭ ‬أمور‭ ‬الدنيا‭.‬

لقد‭ ‬أيقنتُ‭ ‬أن‭ ‬الأشياء‭ ‬يمكن‭ ‬إصلاحها‭ ‬أو‭ ‬استبدالها،‭ ‬أما‭ ‬القلب‭ ‬إذا‭ ‬تراكمت‭ ‬عليه‭ ‬الذنوب‭ ‬ولم‭ ‬يُبادر‭ ‬صاحبه‭ ‬إلى‭ ‬تطهيره،‭ ‬فقد‭ ‬يخسر‭ ‬أعظم‭ ‬ما‭ ‬يملك‭.‬

لذلك،‭ ‬كلما‭ ‬أحزنني‭ ‬موقف،‭ ‬سألتُ‭ ‬نفسي‭: ‬هل‭ ‬أصاب‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬قلبي‭ ‬أم‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬الدنيا؟‭ ‬فإن‭ ‬كان‭ ‬نصيبي‭ ‬من‭ ‬الدنيا،‭ ‬هان‭ ‬الأمر،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬نصيبي‭ ‬من‭ ‬قلبي،‭ ‬فهناك‭ ‬يبدأ‭ ‬الاهتمام‭ ‬الحقيقي‭.‬

فالسعيد‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬عاش‭ ‬في‭ ‬بيتٍ‭ ‬بلا‭ ‬عيوب،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬لقي‭ ‬الله‭ ‬بقلبٍ‭ ‬سليم،‭ ‬وأسال‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬منهم‭.‬