هابرماس‭:‬الرجل الذي‭ ‬راهن‭ ‬على‭ ‬الكلام-د. محمد غاني

في‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬مارس‭ ‬الماضي،‭  ‬و‭ ‬بالضبط‭ ‬يوم‭ ‬الاثنين،‭ ‬أفردت‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬فرانكفورتر‭ ‬ألگيماينه‮»‬‭ ‬Frankfurter‭ ‬Allgemeine‭ ‬Zeitung‭ ‬صفحة‭  ‬تأبينية‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬ركن‭  “‬Feuilleton‭”  ‬لوداع‭ ‬فيلسوف‭ ‬العصر‭ ‬الحالي‭ ‬يورغن‭ ‬هابرماس‭. ‬ثمانية‭ ‬كتّاب،‭ ‬من‭ ‬فيلسوف‭ ‬أمريكي‭ ‬إلى‭ ‬مؤرخة‭ ‬ألمانية‭ ‬إلى‭ ‬مخرج‭ ‬سينمائي،‭ ‬كتب‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬زاويته‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬الصفحة‭ ‬بصورة‭ ‬واحدة‭:‬

1‭. ‬‮«‬معارك‭ ‬خاسرة‮»‬‭  ‬هابرماس‭ ‬واليسار‭ (‬تانيا‭ ‬مارتيني‭)‬

2‭. ‬‮«‬تفاؤله‭ ‬العنيد‮»‬‭ ‬الفكرة‭ ‬والشخص‭ (‬توماس‭ ‬ناغل‭)‬

للآخرين‭.‬

3‭. ‬‮«‬كنا‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إليه‭ ‬الآن‮»‬‭  ‬في‭ ‬زمن‭ ‬مقلق‭ (‬ألكسندر‭ ‬كلوغه‭)‬

4‭. ‬‮«‬يتامى‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‮»‬‭  ‬ما‭ ‬يقتات‭ ‬عليه‭ ‬التلاميذ‭ (‬أكسل‭ ‬هونيت‭)‬

5‭. ‬‮«‬نموذج‭ ‬فرويد‮»‬‭  ‬هابرماس‭ ‬والتحليل‭ ‬النفسي‭ (‬كريستيان‭ ‬غاير‭)‬

6‭. ‬‮«‬لا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬بلاغة‭ ‬مصقولة‮»‬‭  ‬دفاعا‭ ‬عن‭ ‬روح‭ ‬العصر‭ ‬اليسارية‭ ‬الليبرالية‭ (‬أوته‭ ‬فريفرت‭)‬

7‭. ‬‮«‬مسوحات‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الأسباب‮»‬‭  ‬رجل‭ ‬الأدوار‭ ‬والسجلات‭ ‬المتعددة‭ (‬كريستوف‭ ‬مولرز‭)‬

8‭. ‬‮«‬معرفة‭ ‬بالحدود‮»‬‭  ‬حديث‭ ‬أخير‭ ‬عن‭ ‬الأمور‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وعن‭ ‬السياسة‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ (‬فريدريش‭ ‬فيلهلم‭ ‬غراف‭)‬

‭ ‬رجل‭ ‬أنفق‭ ‬عمره‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬تبدو،‭ ‬لأول‭ ‬وهلة،‭ ‬ساذجة‭.‬

الفكرة‭ ‬أن‭ ‬البشر‭ ‬يستطيعون‭ ‬إقناع‭ ‬بعضهم‭ ‬بعضاً‭ ‬بالأسباب،‭ ‬وأن‭ ‬هذا‭ ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬فيهم‭.‬

صاغها‭ ‬في‭ ‬عبارة‭ ‬لازمته‭: ‬‮«‬الإكراه‭ ‬غير‭ ‬القسري‭ ‬للحجة‭ ‬الأفضل‮»‬‭. ‬والتناقض‭ ‬فيها‭ ‬مقصود؛‭ ‬فالحجة‭ ‬الجيدة‭ ‬تُلزمك‭ ‬فعلا،‭  ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تستطيع،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تسمع‭ ‬دليلا‭ ‬قاطعا،‭ ‬أن‭ ‬تتظاهر‭ ‬أمام‭ ‬نفسك‭ ‬بأنك‭ ‬لم‭ ‬تسمعه‭. ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تلزمك‭ ‬بالقوة‭: ‬لا‭ ‬سلاح‭ ‬فيها‭ ‬ولا‭ ‬سلطة‭ ‬ولا‭ ‬مال‭. ‬هي‭ ‬القوة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تذل‭ ‬من‭ ‬خضع‭ ‬لها،‭ ‬لأنها‭ ‬تجعله‭ ‬شريكا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬مهزوما‭ ‬أمامها‭.‬

سبعون‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬العمل،‭ ‬وسؤال‭ ‬واحد‭ ‬يتشعّب‭ ‬منها‭: ‬ما‭ ‬الشروط‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬ممكنا‭ ‬بين‭ ‬الناس؟‭ ‬لا‭ ‬الكلام‭ ‬الذي‭ ‬يخبئ‭ ‬مصلحة،‭ ‬ولا‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬بالصوت‭ ‬الأعلى،‭ ‬ولا‭ ‬الدعاية‭ ‬حين‭ ‬تلبس‭ ‬ثوب‭ ‬الحقيقة‭.‬

والطريف‭ ‬أن‭ ‬النموذج‭ ‬الذي‭ ‬أضاء‭ ‬له‭ ‬الطريق‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كتابا،‭ ‬بل‭ ‬جلسة‭ ‬تحليل‭ ‬نفسي‭. ‬حضر‭ ‬محاضرات‭ ‬عن‭ ‬فرويد‭ ‬في‭ ‬فرانكفورت‭ ‬صيف‭ ‬1956،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الثامنة‭ ‬والعشرين،‭ ‬وقال‭ ‬عنها‭ ‬إنها‭ ‬كانت‭ ‬له‭ ‬أشبه‭ ‬بالوحي‭. ‬ما‭ ‬رآه‭ ‬هناك‭ ‬بسيط‭ ‬وعميق‭: ‬إنسان‭ ‬يتألم‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬ما‭ ‬هو،‭ ‬ولا‭ ‬دواء‭ ‬ولا‭ ‬أمر،‭ ‬بل‭ ‬حديث‭ ‬فقط؛‭ ‬ومن‭ ‬الحديث‭ ‬وحده‭ ‬يصير‭ ‬الخفي‭ ‬ظاهرا‭. ‬اللغة‭ ‬إذن‭ ‬ليست‭ ‬أنبوبا‭ ‬تمر‭ ‬فيه‭ ‬المعلومات،‭ ‬بل‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يتحرر‭ ‬فيه‭ ‬العقل‭ ‬من‭ ‬أوهامه‭.‬

خاض‭ ‬هذا‭ ‬المؤمن‭ ‬بالحوار‭ ‬معارك‭ ‬لا‭ ‬تحصى،‭ ‬وكانت‭ ‬كل‭ ‬معركة‭ ‬دفاعا‭ ‬عن‭ ‬الحوار‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬مختلفة‭. ‬حين‭ ‬دعا‭ ‬الطلاب‭ ‬الثوريون‭ ‬سنة‭ ‬1967‭ ‬إلى‭ ‬الفعل‭ ‬المباشر،‭ ‬رماهم‭ ‬بتهمة‭ ‬‮«‬الفاشية‭ ‬اليسارية‮»‬،‭ ‬فالمطالب‭ ‬العادلة،‭ ‬إذا‭ ‬استعجلت‭ ‬واستهانت‭ ‬بالإقناع،‭ ‬تنتهي‭ ‬إلى‭ ‬نقيضها‭. ‬وحين‭ ‬قال‭ ‬له‭ ‬فوكو‭ ‬إن‭ ‬كلامه‭ ‬عن‭ ‬الحوار‭ ‬الحر‭ ‬وهمٌ‭ ‬لطيف،‭ ‬لم‭ ‬يتزحزح‭: ‬نعم،‭ ‬التنوير‭ ‬أنتج‭ ‬كوارث،‭ ‬لكن‭ ‬الجواب‭ ‬أن‭ ‬نكمله‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬نتركه‭. ‬الحداثة‭ ‬عنده‭ ‬‮«‬مشروع‭ ‬غير‭ ‬مكتمل‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬أشهر‭ ‬عباراته‭. ‬وحين‭ ‬حاول‭ ‬تيار‭ ‬محافظ‭ ‬في‭ ‬الثمانينيات‭ ‬تطبيع‭ ‬الماضي‭ ‬النازي،‭ ‬أشعل‭ ‬‮«‬خلاف‭ ‬المؤرخين‮»‬‭.‬

مفتاح‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬سطر‭ ‬واحد‭: ‬هابرماس‭ ‬ابن‭ ‬جيل‭ ‬شباب‭ ‬هتلر،‭ ‬الجيل‭ ‬الذي‭ ‬رأى‭ ‬بعينيه‭ ‬كيف‭ ‬يستسلم‭ ‬مجتمع‭ ‬متعلم‭ ‬بأكمله‭ ‬لإغراء‭ ‬شمولي‭. ‬ومن‭ ‬رأى‭ ‬ذلك‭ ‬صبيا‭ ‬لا‭ ‬يثق‭ ‬بعدها‭ ‬بأي‭ ‬يقين‭ ‬يرفض‭ ‬النقاش،‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬جهة‭ ‬أتى‭.‬

على‭ ‬أن‭ ‬الصفحة‭ ‬لا‭ ‬تتركنا‭ ‬مع‭ ‬تمثال‭. ‬كان‭ ‬يضحك‭ ‬ضحكة‭ ‬مجلجلة‭ ‬حين‭ ‬يضبط‭ ‬تلميذا‭ ‬متلبسا‭ ‬بحيلة‭ ‬فلسفية‭ ‬صغيرة‭. ‬وتروي‭ ‬المؤرخة‭ ‬أوته‭ ‬فريفرت‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬أمسية‭ ‬بجامعة‭ ‬ييل‭ ‬أجاب‭ ‬على‭ ‬وابل‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬بهدوء‭ ‬ولطف،‭ ‬والتهم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أطباقه‭ ‬الثلاثة‭ ‬واستمتع‭ ‬بها‭ ‬بوضوح‭. ‬وقال‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬لقاءاته‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وهو‭ ‬يومها‭ ‬أشهر‭ ‬فيلسوف‭ ‬حي‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬إن‭ ‬زوجته‭ ‬أوته‭ ‬كانت‭ ‬أفضل‭ ‬منه‭ ‬بكثير‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬البشر،‭ ‬وإنه‭ ‬لولاها‭ ‬ما‭ ‬استطاع‭. ‬ولمّا‭ ‬رحلت‭ ‬سنة‭ ‬2025،‭ ‬بعد‭ ‬سبعين‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬مشتركة،‭ ‬سحبت‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬تحته،‭ ‬ولحق‭ ‬بها‭ ‬بعد‭ ‬شهور‭.‬

ليس‭ ‬في‭ ‬الصفحة‭ ‬نبرة‭ ‬انتصار‭. ‬كل‭ ‬كاتب‭ ‬يشير،‭ ‬بطريقته،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬مات‭ ‬ونظريته‭ ‬محاصرة‭. ‬يكتب‭ ‬ألكسندر‭ ‬كلوغه‭ ‬أقصر‭ ‬النصوص‭ ‬وأثقلها‭: ‬العالم‭ ‬ممزق،‭ ‬وثمة‭ ‬روحانية‭ ‬معتمة‭ ‬تتجمع‭ ‬تحت‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬التنوير‭ ‬المظلم‮»‬،‭ ‬تقلب‭ ‬الاسم‭ ‬على‭ ‬عقبه‭ ‬وتعلن‭ ‬القطيعة‭ ‬مع‭ ‬فكرة‭ ‬المساواة‭ ‬نفسها‭. ‬ويقول‭ ‬أكسل‭ ‬هونيت،‭ ‬أقرب‭ ‬تلاميذه،‭ ‬إنهم‭ ‬صاروا‭ ‬فجأة‭ ‬‮«‬بلا‭ ‬أب‮»‬‭.‬

ثم‭ ‬تنقلب‭ ‬الصفحة‭ ‬على‭ ‬نفسها‭. ‬يسأل‭ ‬كريستوف‭ ‬مولرز‭: ‬أليس‭ ‬العكس‭ ‬هو‭ ‬الصحيح؟‭ ‬أليس‭ ‬عالم‭ ‬اليوم،‭ ‬لا‭ ‬الجمهورية‭ ‬الألمانية‭ ‬القديمة‭ ‬الهادئة،‭ ‬هو‭ ‬الأحوج‭ ‬إلى‭ ‬العقلانية‭ ‬التواصلية؟‭ ‬نظرية‭ ‬تشرح‭ ‬كيف‭ ‬يتفق‭ ‬الناس‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقهر‭ ‬بعضهم‭ ‬بعضا‭ ‬لا‭ ‬تصير‭ ‬عتيقة‭ ‬حين‭ ‬يكثر‭ ‬القهر،‭ ‬بل‭ ‬تصير‭ ‬عاجلة‭. ‬ويضيف‭ ‬أنه‭ ‬حين‭ ‬قيل‭ ‬لهابرماس‭ ‬إن‭ ‬التشاؤم‭ ‬صار‭ ‬شكلاً‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬كسل‭ ‬التفكير،‭ ‬ضحك‭.‬

ولعل‭ ‬هذا‭ ‬أبقى‭ ‬ما‭ ‬يتركه‭ ‬لقارئ‭ ‬لن‭ ‬يفتح‭ ‬ألف‭ ‬صفحة‭ ‬من‭ ‬نظرية‭ ‬الفعل‭ ‬التواصلي‭: ‬أن‭ ‬تسأل‭ ‬نفسك،‭ ‬كلما‭ ‬اختلفت‭ ‬مع‭ ‬أحد،‭ ‬هل‭ ‬تحاول‭ ‬إقناعه‭ ‬أم‭ ‬إسكاته‭ , ‬فالفرق‭ ‬بينهما‭ ‬هو‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وما‭ ‬عداها،‭ ‬سواء‭ ‬وقع‭ ‬بين‭ ‬دولتين‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مائدة‭ ‬عشاء‭. ‬وأن‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يعفيك‭ ‬من‭ ‬الحجة،‭ ‬لا‭ ‬كونك‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬ولا‭ ‬نبل‭ ‬قضيتك‭ ‬ولا‭ ‬ضيق‭ ‬الوقت‭.‬

رجل‭ ‬عاش‭ ‬قرنا‭ ‬تقريبا،‭ ‬ورأى‭ ‬الفاشية‭ ‬في‭ ‬صباه‭ ‬والحرب‭ ‬الباردة‭ ‬في‭ ‬شبابه‭ ‬وتفكك‭ ‬اليقينيات‭ ‬في‭ ‬شيخوخته،‭ ‬ثم‭ ‬رفض‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬أيامه‭ ‬أن‭ ‬يمنح‭ ‬التشاؤم‭ ‬شرف‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬موقفا‭. ‬راهن‭ ‬حياته‭ ‬كلها‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الكلام‭ ‬بين‭ ‬البشر‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ضجيج‭. ‬والرهان‭ ‬لم‭ ‬يحسم‭ ‬بعد