سبتة… نافذة على مأساة الهجرة في العالم

هدير الجبوري

منذ يومين، تتصدر سبتة عناوين الأخبار وما تتناقله مواقع التواصل الاجتماعي، بعد انتشار صور ومقاطع لموجات من المهاجرين الذين يحاولون الوصول إليها من الجانب المغربي، وسط مشاهد صادمة لجثث انتشلت من البحر وأعداد كبيرة من الشباب الذين خاطروا بحياتهم في محاولة للوصول إلى الجانب الآخر. وبينما يتساءل كثيرون عن حقيقة ما يحدث في سبتة، ولماذا توجه إليها هذا العدد الكبير من المهاجرين، تبدو القصة في حقيقتها أكبر من مجرد حدث عابر، فهي صورة جديدة من صور مأساة الهجرة التي يعيشها العالم منذ سنوات…

موجة بشرية كبيرة اندفعت من الجانب المغربي باتجاه المدينة، عبر البحر وبعض نقاط الحدود، في مشهد أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر قضايا الهجرة تعقيدا بين المغرب وإسبانيا.

صور الشباب وهم يسبحون باتجاه سبتة، وأعداد المهاجرين المتدفقة، ومشاهد الجثث التي انتشلت من البحر، دفعت كثيرا من الناس إلى التساؤل: ماذا يحدث في سبتة؟ ولماذا ذهب هؤلاء الشباب إليها بهذا العدد الكبير، وهم يعرفون أن البحر قد يكون خطرا على حياتهم؟

القصة بدأت بقرار قضائي إسباني، لكنها لم تبق قضية قانونية، بل تحولت خلال أيام إلى أزمة إنسانية وسياسية وأمنية كبيرة.

سبتة مدينة صغيرة تقع على الساحل الشمالي لأفريقيا، وتحيط بها الأراضي المغربية من جهة البر، بينما تخضع للسيادة الإسبانية. وهي من أقرب النقاط التي يمكن من خلالها الانتقال من الأراضي الأفريقية إلى أراضي دولة أوروبية، ولهذا أصبحت منذ سنوات إحدى النقاط المهمة في طرق الهجرة إلى أوروبا.

لكن ما الذي تغير هذه المرة؟

في الثامن من شهر تموز الحالي، أصدرت المحكمة العليا الإسبانية حكما مهما يتعلق بالمهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى سبتة أو مليلية عن طريق البحر. والحكم، بصورة مبسطة، يعني أن السلطات الإسبانية لا تستطيع أن تتعامل مع المهاجر الذي يتم اعتراضه في البحر كما تتعامل مع شخص يحاول تجاوز السياج الحدودي، فتقوم بإعادته إلى المغرب فورا ومن دون إجراءات قانونية.

فالـ (الاعادة الفورية) التي يسمح بها القانون الإسباني في حالات معينة مرتبطة بمن يحاول تجاوز الحواجز المادية الموجودة على الحدود، مثل السياج.

أما الشخص الذي يتم اعتراضه في البحر وهو يحاول السباحة إلى سبتة، فلا تنطبق عليه الآلية نفسها، بحسب تفسير المحكمة للقانون.

وهنا جاءت النقطة التي ربما لم يفهمها كثير من الناس بصورة دقيقة، فالمحكمة لم تقل إن المهاجر الذي يصل إلى سبتة سيحصل على الإقامة الإسبانية، ولم تقل إن الحدود أصبحت مفتوحة، ولم تمنح المهاجر حق البقاء في إسبانيا لمجرد وصوله، إنما قالت إن عليه أن يخضع للإجراءات القانونية قبل اتخاذ قرار إعادته.

وهذا يعني أن المهاجر الذي يصل بحرا يمكن أن يخضع لإجراءات رسمية، وتسجيل بياناته، ودراسة وضعه القانوني، والاستفادة من الضمانات التي يوفرها القانون، بما في ذلك إمكانية طلب الحماية الدولية لمن تنطبق عليه شروطها ، وبعد ذلك يمكن للسلطات اتخاذ قرارها بشأن إعادته أو أي إجراء آخر وفقا للقانون.

لكن بالنسبة إلى شاب يحلم بالوصول إلى أوروبا، فإن الفرق بين أن يعبر الحدود وتتم إعادته خلال وقت قصير، وبين أن يدخل في إجراءات قانونية قبل أن تقرر السلطات الإسبانية ماذا ستفعل به، هو فرق كبير.

انتشرت أخبار الحكم وتفسيرات له بين الناس وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، ويبدو أن بعض الشباب قرأوا الأمر بطريقة أبسط بكثير من التفاصيل القانونية. كانت الفكرة التي وصلت إلى بعضهم أشبه بـ: إذا وصلت إلى سبتة عن طريق البحر، فلن يعيدوك مباشرة إلى المغرب.

وهذه الجملة، حتى وإن كانت لا تعني قانونيا أن المهاجر سيبقى في إسبانيا، بدت بالنسبة إلى شخص يبحث عن فرصة للهجرة وكأنها باب جديد ، وهكذا أصبح البحر بالنسبة إلى بعض هؤلاء الشباب ، طريقا يمكن أن يوصلهم إلى الأراضي الإسبانية، ثم إلى فرصة أفضل للبقاء أو تقديم طلب حماية أو الدخول في المسار القانوني بدلا من إعادتهم فورا.

وهنا يجب توضيح نقطة مهمة جدا: عدم الإعادة الفورية لا يعني عدم الإعادة نهائيا.

قد يسأل أحدنا: هل يستحق الأمر أن يخاطر الإنسان بحياته من أجل هذه الفرصة؟ بالطبع لا، لكن الهجرة غير النظامية ليست دائما قرارا عقلانيا بالمعنى البسيط.

عندما يشعر شاب بأن مستقبله مغلق، وأن الوصول إلى أوروبا قد يمنحه فرصة للعمل أو الدراسة أو تحسين حياته وحياة أسرته، فقد يصبح مستعدا للمغامرة بما لا يمكن أن يتخيله شخص يعيش حياة مستقرة.

ولهذا لا يمكن أن نفهم المشهد في سبتة من خلال كلمة (هجرة) فقط. وراء كل شخص دخل البحر قصة، ووراء كل شاب يحمل حقيبة صغيرة أو قطعة من المطاط قصة حلم، وربما قصة عائلة تنتظر منه أن يعود إليها بحياة أفضل .

وخلال موجة العبور الحالية، تحولت المحاولة بالنسبة إلى عدد من المهاجرين إلى مأساة حقيقية، وأعلنت السلطات عن وفاة أشخاص أثناء محاولات الوصول إلى سبتة، فيما استمرت عمليات البحث والإنقاذ.

أما الأرقام المتداولة حول عدد الذين حاولوا الوصول إلى سبتة خلال الساعات الماضية فهي كبيرة جدا، لكنها ليست متطابقة بين المصادر، ولذلك من الأفضل التعامل معها باعتبارها تقديرات أولية قابلة للتغير.

لكن الرقم الأهم ليس عدد الذين وصلوا، بل عدد الذين لم يصلوا ، أولئك الذين ابتلعهم البحر وهم يحاولون الوصول إلى مكان ظنوا أنه يمكن أن يغير حياتهم.

وهنا تصبح سبتة أكثر من مجرد مدينة أو حدود متنازع عليها بين المغرب وإسبانيا. تصبح مرآة لأزمة أوسع: أزمة الإنسان الذي يرى مستقبله خلف البحر، بينما لا يرى في وطنه ما يكفي من الأمل.

وهل فتحت المحكمة باب الهجرة؟ ليس بهذه البساطة، المحكمة لم تفتح الحدود، ولم تدع المهاجرين إلى عبور البحر، ولم تمنحهم حق الإقامة. هي فسرت قانون الهجرة الإسباني، وقررت أن آلية ( الإعادة على الحدود ) لا تنطبق على من يتم اعتراضهم في البحر بالطريقة نفسها التي تنطبق بها على من يحاولون تجاوز الحواجز المادية على الحدود.

لكن الحكم خلق واقعا جديدا في حسابات المهاجرين ، فمن يفكر أصلا في الهجرة قد يقول لنفسه: إذا وصلت إلى الأراضي الإسبانية عن طريق البحر، فسأحصل على فرصة لإكمال الإجراءات القانونية بدلا من إعادتي مباشرة.

وهذه الفكرة، عندما تنتشر بين آلاف الشباب في وقت واحد، يمكن أن تتحول من معلومة قانونية إلى موجة بشرية.

وهذا ما يجعل ما حدث في سبتة جديرا بالقراءة، ليس باعتباره خبرا عن الهجرة فقط، بل باعتباره مثالا على الطريقة التي يمكن أن تؤثر بها جملة قانونية واحدة في قرارات آلاف البشر.

من حق الدولة أن تحمي حدودها، ومن حق الإنسان أيضا أن يحصل على الإجراءات القانونية والإنسانية التي تكفلها القوانين عندما يصل إلى أراضيها. لكن ما حدث يطرح سؤالا أكبر: لماذا أصبح شاب مستعدا للسباحة في البحر والمخاطرة بحياته، فقط لأنه يعتقد أن الجانب الآخر من البحر قد يمنحه فرصة لحياة أفضل؟.

هذه ليست مسؤولية محكمة وحدها، ولا مسؤولية شرطة وحدها، ولا مسؤولية بلد واحد، إنها قضية الفقر والبطالة واليأس، وقضية الأحلام التي تكبر كلما ضاقت الخيارات، وقضية عالم أصبح الوصول فيه إلى صورة الحياة الأفضل أسهل من الوصول إليها فعلا.

أما سبتة، المدينة الصغيرة التي وجدت نفسها فجأة أمام موجة بشرية هائلة، فقد تحولت خلال أيام إلى عنوان عالمي لأزمة الهجرة.

ويبقى البحر بين المغرب وسبتة شاهدا على مفارقة مؤلمة: البعض يراه مجرد مسافة قصيرة تفصل بين ضفتين، بينما يراه آخرون المسافة الأخيرة بين حياة يتمنون الهروب منها وحياة يحلمون بالوصول إليها.

لكن حين يصبح البحر طريقا إلى الأمل، قد يتحول في لحظة واحدة إلى مأساة.

وهذه هي الحكاية الحقيقية لسبتة..