بغداد- عبدالحسين غزال
أعلن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الأربعاء بدء «مرحلة جديدة عنوانها سيادة» بلاده، مع انتهاء مهمّة التحالف الدولي الذي قادته واشنطن لمدة 12 عاما لمحاربة تنظيم داعش – الدولة الإسلامية، مؤكدا استمرار التعاون مع دول التحالف.
وقال الزيدي في حفل في بغداد «بدأت مرحلة جديدة عنوانها سيادة العراق وقوة مؤسساته وجاهزية قواته ووحدة قراره والشراكات المتوازنة مع أصدقائه»، مضيفا «سيبقى التعاون الأمني مسارا مفتوحا مع الأصدقاء من التحالف الدولي وسيكون أكثر فاعلية وتركيزا».
مع انتهاء مهمّة التحالف الدولي بقيادة واشنطن لمحاربة تنظيم داعش – الدولة الإسلامية، تواجه بغداد ضغوطا أميركية متزايدة لضبط سلاح المجموعات المقرّبة من طهران، في مشهد معقّد بالنسبة للعراق الذي لطالما حاول الموازنة في علاقاته مع الخصمَين.
ولا احد يستطيع التكهن بدقة الالتزام بالموعد المحدد لنزع سلاح المليشيات الموالية لإيران وسط امال ضعيفة للمراقبين. وسبق ان رفضت كتائب حزب الله ومليشيا سيد الشهداء والنجباء التخلي عن السلاح مطلقا. ويخشى العراقيون ودول الجوار من تغول المليشيات عبر المسيرات الهجومية في اعمال تهدد سلم المنطقة لاسيما اذا اشتعلت مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وايران .
ومنذ توليه منصبه هذا العام بمباركة أميركية، تعهّد رئيس الوزراء علي الزيدي باحتكار الدولة لسلاح الفصائل، معتبرا أن مغادرة التحالف تزيل المبرر الرئيسي الذي تستند إليه هذه المجموعات للاحتفاظ بسلاحها. غير أن تسليم السلاح يُعدّ مسألة معقّدة للغاية في العراق الذي يشكّل منذ الغزو الأميركي في العام 2003، ساحة تنافس بين الولايات المتحدة وإيران اللتين تتمتعان بنفوذ سياسي وأمني فيه.
وازداد العراق تخبّطا منذ اندلاع حرب الشرق الأوسط بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في شباط/فبراير وشنّ فصائل مسلحة مقربة من طهران هجمات على مصالح أميركية في العراق والمنطقة فيما ردّت واشنطن بهجمات دامية على مقارّ لهذه المجموعات.
يقول مسؤولون عراقيون لوكالة الصحافة الفرنسية إن مسؤولين إيرانيين أبلغوا بغداد برفضهم أن تسلّم الفصائل العراقية سلاحها خصوصا في ظلّ استمرار الحرب.
ويعتبر المحلل السياسي العراقي سجاد جياد أن حصر سلاح الفصائل بيد الدولة «سيصبح مسألة سهل جدا التعامل معها إذا تمّ التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران» لإنهاء الحرب.
ويضيف «كانت إيران واضحة للغاية بشأن أنها، في ظلّ استمرار النزاع، لا يمكنها التخلّي عن قدراتها الاستراتيجية، وإحدى هذه القدرات هي المجموعات الموالية لها في العراق والقادرة على مهاجمة المصالح الأميركية في العراق والمنطقة».
لكن الوضع «معقّد» لأن إيران لا تريد «أن يكون العراق غير مستقرّ».
ويرى جياد أن «أجندة إيران في هذا الصدد تتمثل في التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، وبذلك تخفّض هذه المجموعات من نسبة ظهورها وأنشطتها إذ لن تعود هناك حاجة ماسة إليها».
في الموازاة، تشترط الفصائل الحصول على ضمانات بأن الولايات المتحدة لن تستهدفها، قبل البحث في سلاحها. لكن في الوقت نفسه، إذا ما أُحرز تقدّم في نزع سلاح هذه المجموعات، «لن تقدّم الولايات المتحدة التزاما طويل الأمد بعدم استهدافها» وفق جياد، وستواصل ضغوطها الاعتيادية دبلوماسيا واقتصاديا وكذلك عسكريا
في العام 2014، انتشرت قوات أجنبية في العراق وسوريا في إطار تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة، لمحاربة الجهاديين الذين سيطروا على مساحات واسعة في البلدَين.
وتحرّكت أيضا لمواجهتهم مجموعات شيعية عراقية مسلّحة مدعومة من إيران، تنامى نفوذها العسكري والسياسي مع الوقت.
وبعدما أعلنت القوات العراقية دحر التنظيم المتطرّف في نهاية العام 2017، بدأت الفصائل العراقية تطالب بمغادرة قوات التحالف، وصارت تستهدفها بمسيّرات وصواريخ، معتبرة أنها قوات «احتلال».
في المقابل، ردّت القوات الأميركية بضربات أودت بعدد من قادة هذه الفصائل.
وتنضوي الفصائل العراقية ضمن «محور المقاومة» الذي تقوده الجمهورية الإسلامية في المنطقة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، والذي يضمّ كذلك حركة حماس في قطاع غزة وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. وتفاقم الضغط الأميركي على بغداد لنزع سلاح الفصائل، خصوصا بعد انخراطها في دعم الفلسطينيين جرّاء اندلاع الحرب في غزة في 2023، ودعم إيران في الحرب الجارية.
ويقول جياد إن «هذه المجموعات ترى أن الحكومة عاجزة عن حمايتها وأن بإمكان إسرائيل أو الولايات المتحدة استهدافها، وفي الوقت نفسه، تعتبر الحكومة أن هذه الجماعات قد تشكل عبئا» خصوصا بعد اتهام السعودية لها مؤخرا باستهداف أراضيها.
ويعتبر أن حصر السلاح سيتطلّب وقتا و»إجراءات لبناء الثقة» بين الحكومة والفصائل.
وفي وقت أعلنت بعض المجموعات في الأسابيع الأخيرة تسليم سلاحها، تتمسّك أخرى هي الأكثر نفوذا وقربا من الجمهورية الإسلامية، بسلاحها.
ويقول مصدر دبلوماسي في بغداد لوكالة الصحافة الفرنسية إن الحكومة العراقية «لا تمتلك حتى خطة» لكيفية نزع سلاح الفصائل المتشبّثة بموقفها.
وبعدما كرّر المسؤولون العراقيون لأشهر أن تاريخ 30 أيلول/سبتمبر مهلة لانتهاء مهمّة التحالف كما لتسليم كلّ الفصائل سلاحها، تراجعوا الشهر الماضي عن ذلك، مؤكدين أن الموعد يخصّ حصرا مغادرة التحالف، دون تحديد مهلة للفصائل.
