أسماء‭ ‬في‭ ‬السلطة- كامل عبدالرحيم

أتحرر‭ ‬بين‭ ‬آونة‭ ‬وأخرى‭ ‬من‭ ‬قراءة‭ ‬كتب‭ ‬الأدب‭ ‬والروايات‭ ‬أو‭ ‬الفلسفة،‭ ‬نحو‭ ‬كتب‭ ‬المذكرات‭ ‬أو‭ ‬الانطباعات‭ ‬الشخصية‭ (‬التاريخية‭)‬،‭ ‬فأجدها‭ ‬عكس‭ ‬المطلوب؛‭ ‬ترفعني‭ ‬إلى‭ ‬علو‭ ‬مناسب،‭ ‬هو،‭ ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬المفاجأة،‭ ‬يكفيني‭ ‬للنظر‭ ‬أعمق‭ ‬مقارنة،‭ ‬ولنقل‭ ‬أحياناً،‭ ‬بما‭ ‬تفعله‭ ‬الفلسفة‭ ‬والسياسة‭.‬

يساريتي‭ ‬وانتمائي‭ ‬الثوري،‭ ‬والتي‭ ‬تسري‭ ‬بدمي‭ ‬وانتهى‭ ‬الأمر،‭ ‬والتي‭ ‬أيضاً،‭ ‬وعلى‭ ‬ما‭ ‬يبدو،‭ ‬لم‭ ‬تجعلني‭ ‬أحول‭ ‬أو‭ ‬مغشياً‭ ‬عليه‭ ‬بغشاوة‭ ‬الانحياز،‭ ‬ربما‭ ‬العكس‭. ‬ألست‭ ‬القائل‭ ‬أو‭ ‬المقتبس‭ ‬أو‭ ‬السارق‭ ‬لـ‭(‬حين‭ ‬يلعب‭ ‬القاتل‭ ‬والقتيل‭ ‬النرد‭ ‬على‭ ‬ضفاف‭ ‬نهر‭ ‬المجرة‭).‬

وفي‭ ‬تاريخ‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ ‬الحديث‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬1921،‭ ‬هناك‭ ‬ثلاثة‭ (‬رؤساء‭) ‬فهموا‭ ‬السلطة‭ ‬بطريقتهم،‭ ‬وما‭ ‬بينهم‭ ‬من‭ ‬انقطاعات‭ ‬ودم‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬المقارنات‭ ‬بينهم،‭ ‬ورغم‭ ‬العديد‭ ‬والكم‭ ‬الهائل‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬عنهم،‭ ‬فما‭ ‬زالت‭ ‬هالات‭ ‬الغموض‭ ‬تحيط‭ ‬بمنطقتهم،‭ ‬وبدلاً‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬استسلم‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬لبعض‭ ‬الإطلاقات‭ ‬الساذجة‭ ‬عنهم‭. ‬وأقصد‭ ‬بالطبع‭ ‬كلاً‭ ‬من‭ ‬نوري‭ ‬السعيد‭ ‬وعبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم‭ ‬وصدام‭ ‬حسين‭.‬

أقرأ‭ ‬هذين‭ ‬اليومين‭ ‬كتابين‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬أشرت‭ ‬إليه‭ ‬أعلاه،‭ ‬الأول‭ (‬مذكرات‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭) ‬لـ‭(‬عباس‭ ‬بغدادي‭)‬،‭ ‬والثاني‭ ‬كتاب‭ (‬أشخاص‭ ‬كما‭ ‬عرفتهم‭)‬‭ ‬لأحمد‭ ‬الحبوبي،‭ ‬كما‭ ‬سأستشهد‭ ‬بكتابين‭ ‬من‭ ‬ذاكرتي‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬قرأتهما‭ ‬سابقاً،‭ (‬عمر‭ ‬أكلته‭ ‬الحروف‭) ‬لنجيب‭ ‬المانع‭ ‬و‭(‬في‭ ‬أثر‭ ‬الهامش‭) ‬لباسم‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬حمودي،‭ ‬رحم‭ ‬الله‭ ‬الجميع‭.‬

في‭ ‬العراق،‭ ‬تقع‭ ‬العشيرة‭ ‬أو‭ ‬القبيلة‭ ‬في‭ ‬مقابلة‭ ‬الدولة،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬للقبائل‭ ‬أو‭ ‬العشائر‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬يضر‭ ‬بالدولة‭ ‬أو‭ ‬يعرقل‭ ‬من‭ ‬ازدهارها‭ ‬وتطورها،‭ ‬وقد‭ ‬أدرك‭ ‬الثلاثة‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭. ‬وقد‭ ‬يبدو‭ ‬للناظر‭ ‬سطحياً‭ ‬بالعهد‭ ‬الملكي‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬قرّب‭ ‬وتقرب،‭ ‬لكني‭ ‬وجدت‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ (‬مذكرات‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭) ‬ما‭ ‬يثبت‭ ‬العكس؛‭ ‬فكانت‭ ‬هذه‭ ‬القبائل‭ ‬وزعماؤها‭ ‬تتمرد‭ ‬على‭ ‬بسط‭ ‬الدولة‭ ‬لنفوذها،‭ ‬وقد‭ ‬تأثرت‭ ‬لقصص‭ ‬ضرب‭ ‬الدولة‭ ‬لهؤلاء‭ ‬المتمردين‭ ‬بقوة،‭ ‬بالمدافع‭ ‬وأحياناً‭ ‬بالطائرات،‭ ‬وإلقاء‭ ‬القبض‭ ‬عليهم‭ ‬واقتيادهم‭ ‬بإذلال‭ ‬يستحقونه‭ ‬نحو‭ ‬المحاكم‭ ‬والسجون‭.‬

وقد‭ ‬تكون‭ ‬فترة‭ ‬حكم‭ ‬بكر‭ ‬صدقي‭ ‬القصيرة‭ ‬هي‭ ‬الأقسى‭ ‬على‭ ‬هؤلاء،‭ ‬وللحق‭ ‬فإن‭ ‬بكر‭ ‬صدقي‭ ‬وحكمت‭ ‬سليمان‭ ‬كانا‭ ‬على‭ ‬وعي‭ ‬وتصميم‭ ‬بضرورة‭ ‬تحديث‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ ‬بكل‭ ‬الطرق،‭ ‬وربما‭ ‬قصر‭ ‬عمر‭ ‬تجربتهما‭ ‬الريادية‭ ‬تأثرهما‭ ‬بصعود‭ ‬النازية‭ ‬ونموذج‭ ‬هتلر‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يقاوماه‭.‬

عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم‭ ‬تعامل‭ ‬باستعلاء‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬الاحتقار‭ ‬لهؤلاء،‭ ‬ولم‭ ‬يساوم‭ ‬أبداً‭ ‬على‭ ‬قوانين‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تهينها‭ ‬تلك‭ ‬القبائل،‭ ‬ويكفيه‭ ‬قانون‭ ‬الإصلاح‭ ‬الزراعي‭ ‬الذي‭ ‬سحب‭ ‬السلطة‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬أقدامهم،‭ ‬فتآمروا‭ ‬عليه،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬ديدنهم‭.‬

صدام‭ ‬حسين،‭ ‬تعامل‭ ‬مع‭ ‬القبائل‭ ‬ببراغماتية،‭ ‬فقرّب‭ ‬قبيلته‭ ‬المتعطشة‭ ‬للسلطة،‭ ‬وقرّب‭ ‬وأبعد‭ ‬بقية‭ ‬زعامات‭ ‬القبائل‭ ‬حتى‭ ‬أحدث‭ ‬تغييرات‭ ‬في‭ ‬بنيتها،‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬تلك‭ ‬التغييرات‭ ‬سائدة‭ ‬وجارية،‭ ‬ولم‭ ‬تنفك‭ ‬تلك‭ ‬العشائر‭ ‬من‭ ‬عملها‭ ‬التخريبي‭ ‬للدولة‭ ‬وإعاقة‭ ‬ترسيخ‭ ‬الدولة‭ ‬المدنية،‭ ‬وهي‭ ‬تتخادم‭ ‬ضمن‭ ‬مثلث‭ (‬الفساد‭ ‬ورجال‭ ‬الدين‭ ‬وزعماء‭ ‬القبائل‭).‬

ورغم‭ ‬المئات‭ ‬أو‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬والدراسات‭ ‬حول‭ ‬الزعماء‭ ‬الثلاثة،‭ ‬فإن‭ ‬الثاني‭ ‬والثالث‭ ‬لم‭ ‬ينالا‭ ‬تلك‭ ‬الدراسات‭ ‬الجادة‭ ‬عنهما‭ ‬وعن‭ ‬مفهومهما‭ ‬للسلطة،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬يتوفر‭ ‬لدينا‭ ‬مجرد‭ ‬مجموعة‭ ‬أحكام‭ ‬عامة‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬السذاجة‭. ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬هناك‭ ‬وفرة‭ ‬في‭ ‬الإخبار‭ ‬وندرة‭ ‬في‭ ‬التحليل‭.‬

يشترك‭ ‬الاثنان‭ (‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم‭ ‬وصدام‭ ‬حسين‭) ‬بإلمام‭ ‬شبه‭ ‬مطلق‭ ‬بالتفاصيل،‭ ‬مع‭ ‬اختلاف‭ ‬المنطلق‭. ‬فالخصم‭ ‬الجيد‭ ‬بالنسبة‭ ‬لصدام‭ ‬حسين‭ ‬هو‭ ‬الخصم‭ ‬الميت،‭ ‬أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬لعبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم،‭ ‬صاحب‭ (‬عفا‭ ‬الله‭ ‬عما‭ ‬سلف‭)‬،‭ ‬فلقد‭ ‬آثر‭ ‬تغليب‭ ‬نسبة‭ ‬الشك‭ ‬على‭ ‬وضوح‭ ‬المعلومة‭ ‬وقوة‭ ‬الحدس،‭ ‬وهذا‭ ‬يندرج‭ ‬مع‭ ‬نظرته‭ ‬الوطنية‭ ‬والسياسية‭ ‬الفلسفية،‭ ‬مع‭ ‬تدين‭ ‬غريزي‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬الزعيم‭ ‬غافلاً‭ ‬أبداً‭ ‬عما‭ ‬يدور‭ ‬حوله،‭ ‬وحاول‭ ‬إضعاف‭ ‬أعدائه‭ ‬بلعبة‭ ‬توازن‭ ‬مع‭ (‬شركائه‭) ‬الطامعين‭ ‬بالسلطة‭ ‬أو‭ ‬المتعالين‭ ‬عليه‭ ‬بحجة‭ (‬سذاجته‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬الأعلم‭ ‬منهم‭ ‬بطبيعة‭ ‬ما‭ ‬تمر‭ ‬به‭ ‬البلاد‭.‬

سأورد‭ ‬روايتين‭ ‬أو‭ ‬حادثتين‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬المئات،‭ ‬والتي‭ ‬تثبت‭ ‬قوة‭ ‬إمساك‭ ‬الزعيم‭ ‬بالسلطة‭ ‬ومنابعها‭ ‬وفروعها‭ ‬وفلسفتها،‭ ‬وقبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬تؤكد‭ ‬أعلميته‭ ‬تلك،‭ ‬وكذلك‭ ‬قوة‭ ‬بأسه‭ ‬بفرض‭ ‬رؤيته‭.‬

في‭ ‬كتابه‭ (‬عمر‭ ‬أكلته‭ ‬الحروف‭)‬،‭ ‬يذكر‭ ‬نجيب‭ ‬المانع‭ ‬كيف‭ ‬قام‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم،‭ ‬وبدون‭ ‬تردد،‭ ‬بنقله‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية،‭ ‬حيث‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬بظرف‭ ‬ما‭ ‬مديراً‭ ‬عاماً‭ ‬للوزارة،‭ ‬نقلة‭ ‬إلى‭ ‬مديرية‭ ‬التأمين‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬ماذا‭ ‬كان‭ ‬اسمها‭. ‬أضعت‭ ‬كتاب‭ ‬المانع،‭ ‬ربما‭ ‬بين‭ ‬رفوف‭ ‬مكتبتي‭ ‬أو‭ ‬بإعارته‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يعده‭ ‬لصاحبه،‭ ‬لكن‭ ‬نجيب‭ ‬المانع،‭ ‬البعيد‭ ‬عن‭ ‬اليسار‭ ‬والأقرب‭ ‬إلى‭ ‬القوميين‭ ‬ربما،‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬تحت‭ (‬مكبّرة‭) ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تخطئ‭ ‬بفهم‭ ‬تأويلات‭ ‬المواقف،‭ ‬وهو‭ ‬المستهدف‭ ‬من‭ ‬الجميع‭ ‬ومن‭ ‬خصوم‭ ‬بلا‭ ‬ضمير‭. ‬ربما‭ ‬تضرر‭ ‬نجيب‭ ‬المانع‭ ‬معنوياً،‭ ‬لكن‭ ‬الزعيم‭ ‬فرض‭ ‬رؤيته‭ ‬الخاصة‭ ‬عن‭ ‬السلطة،‭ ‬وهو‭ ‬العالم‭ ‬بأن‭ ‬الشيطان‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬التفاصيل‭.‬

وفي‭ ‬كتاب‭ ‬باسم‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬حمودي‭ (‬في‭ ‬أثر‭ ‬الهامش‭)‬،‭ ‬يحاول‭ ‬حمودي‭ ‬النيل‭ ‬من‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم‭ ‬بذكر‭ ‬حادثة‭ ‬حصلت‭ ‬بين‭ ‬الزعيم‭ ‬ورئيس‭ ‬محكمة‭ ‬التمييز،‭ ‬القاضي‭ ‬محمد‭ ‬خالص‭ ‬كما‭ ‬أتذكر،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬يود‭ ‬الزعيم‭ ‬وحاول‭ ‬عرقلة‭ ‬حكمه‭.‬

وفي‭ ‬خلاف‭ ‬علني‭ ‬بين‭ ‬الرجلين،‭ ‬حاول‭ ‬القاضي‭ ‬بتوقيت‭ ‬استقالته‭ ‬النيل‭ ‬من‭ ‬الزعيم،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬حذراً‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬القضاء،‭ ‬فقام‭ ‬بدعوة‭ ‬القاضي‭ ‬إلى‭ ‬مقره‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬ليشاركه‭ ‬غداءه‭ ‬البسيط،‭ ‬وليناقشه‭ ‬حول‭ ‬موضوع‭ ‬يعكس‭ ‬ذهنية‭ ‬الزعيم‭.‬

انتبه‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم‭ ‬إلى‭ ‬تهاون‭ ‬القضاء‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بـ‭(‬جرائم‭ ‬الشرف‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬درجت‭ ‬عليه‭ ‬الأعراف‭ ‬منذ‭ ‬العهد‭ ‬الملكي،‭ ‬فأصدر‭ ‬توصيات‭ ‬للقضاء‭ ‬بتشديد‭ ‬الأحكام‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الجرائم،‭ ‬فأخذت‭ ‬الجهات‭ ‬المعادية‭ ‬له‭ ‬بحملة‭ ‬تشويه‭ ‬للزعيم‭ ‬كونه‭ ‬يتدخل‭ ‬بشؤون‭ ‬القضاء‭. ‬ولو‭ ‬انتبهنا‭ ‬لما‭ ‬يبتغيه‭ ‬الزعيم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فهي‭ ‬صفعتان‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت؛‭ ‬الأولى‭ ‬بالضد‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬العشائري‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتعالى‭ ‬عليه‭ ‬ويعلم‭ ‬بتهديده‭ ‬لبناء‭ ‬الدولة،‭ ‬والثانية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إعلاء‭ ‬دور‭ ‬المرأة‭ ‬وتحررها‭ ‬وتعزيز‭ ‬مكانتها‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭.‬

من‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مهنياً‭ ‬هو‭ ‬رئيس‭ ‬محكمة‭ ‬التمييز،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتصل‭ ‬مع‭ ‬شخصية‭ ‬سياسية‭ ‬يرمز‭ ‬لها‭ ‬حمودي‭ ‬بالحرف‭ (‬كاف‭) ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التنسيق‭ ‬بإحداث‭ ‬الضرر‭ ‬الأكبر‭ ‬للزعيم،‭ ‬وذلك‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬توقيت‭ ‬استقالة‭ ‬القاضي،‭ ‬ولا‭ ‬نحتاج‭ ‬كثير‭ ‬ذكاء‭ ‬لنعرف‭ ‬بأن‭ ‬المقصود‭ ‬بـ‭(‬كاف‭) ‬هو‭ ‬كامل‭ ‬الجادرجي،‭ ‬الذي‭ ‬واجه‭ ‬الزعيم‭ ‬بعداء‭ ‬غريب‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسيره‭.‬

هاتان‭ ‬الحادثتان‭ ‬وغيرهما‭ ‬المئات‭ ‬تثبت‭ ‬بأننا‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬بعيدين‭ ‬من‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬فهم‭ ‬الزعيم‭ ‬للسلطة‭ ‬والثورة‭ ‬والدولة‭.‬

لم‭ ‬يخصص‭ ‬أحمد‭ ‬الحبوبي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ (‬أشخاص‭ ‬كما‭ ‬عرفتهم‭) ‬لصدام‭ ‬حسين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬15‭ ‬صفحة،‭ ‬لكنها‭ ‬كافية‭ ‬لذهابي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أريد‭ ‬قوله‭. ‬فبالمقارنة‭ ‬بين‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬وبقية‭ ‬رموز‭ ‬حزب‭ ‬البعث‭ ‬ومجمل‭ ‬التيار‭ ‬القومي،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬ينفرد‭ ‬عن‭ ‬جميع‭ ‬هؤلاء‭ ‬بتصميمه،‭ ‬أولاً،‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬للسلطة‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬الطريق‭ ‬لذلك‭ ‬وكيفما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬أخلاقياً‭ ‬أو‭ ‬بطولياً،‭ ‬فكل‭ ‬شيء‭ ‬يبرره‭ ‬صدام‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬ذلك‭ ‬يؤدي‭ ‬ويوصل‭ ‬لغايته‭.‬

أيضاً‭ ‬يشترك‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬مع‭ ‬عبد‭ ‬الكريم،‭ ‬كما‭ ‬قلنا،‭ ‬بالاهتمام‭ ‬الأعلى‭ ‬بالتفاصيل،‭ ‬مع‭ ‬الافتراق‭ ‬بزوايا‭ ‬النظر‭ ‬بالطبع‭. ‬لم‭ ‬يترك‭ ‬شيئاً‭ ‬للصدفة،‭ ‬وكانت‭ ‬الضرورة‭ ‬عنده‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الهوامش‭ ‬والهوامل‭ ‬ليهضمها‭ ‬في‭ ‬معدته‭ ‬المتعطشة‭ ‬بعد‭ ‬جوع‭ ‬ممتد،‭ ‬ولهذا‭ ‬تساقطت‭ ‬الرموز‭ ‬البعثية‭ ‬والقومية‭ ‬رغم‭ ‬نياشينها‭ ‬ورتبها‭ ‬العسكرية‭ ‬وطول‭ ‬باعها‭ ‬ومحتدها‭ ‬تحت‭ ‬اليد‭ ‬القوية‭ ‬لتصميمه،‭ ‬فسحقها‭ ‬بلا‭ ‬رحمة‭.‬

فليست‭ ‬صدفة‭ ‬أن‭ ‬يحكم‭ ‬العراق‭ ‬المعقد‭ ‬بخرائطه‭ ‬السياسية‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬المحدود‭ ‬الثقافة‭ ‬والقليل‭ ‬الجاذبية‭ ‬والإقناع‭. ‬كان‭ ‬دخوله‭ ‬للمسرح‭ ‬السياسي‭ ‬‭(‬القومي‭) ‬صدفة‭ ‬بحتة،‭ ‬عندما‭ ‬فقدت‭ ‬المجموعة‭ ‬البعثية‭ ‬المكلفة‭ ‬باغتيال‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم‭ ‬عام‭ ‬1959‭ ‬عنصراً‭ ‬منها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اعتذر‭ (‬بعثي‭ ‬من‭ ‬سامراء‭) ‬عن‭ ‬الاشتراك‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬العملية،‭ ‬فتذكر‭ ‬أحدهم‭ ‬شخصية‭ ‬هامشية‭ ‬مغمورة‭ ‬ولا‭ ‬يعرفها‭ ‬أحد،‭ ‬حتى‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بعثياً‭ ‬بعد‭.‬

فأمسك‭ ‬صدام‭ ‬بهذه‭ ‬الصدفة‭ ‬ليجعلها‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬ضرورة‭ ‬لحياته،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬لقدر‭ ‬العراقيين‭. ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬السلطة‭ ‬فريسة‭ ‬أو‭ ‬غنيمة،‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬حيوان‭ ‬جائع‭ ‬أو‭ ‬صياد‭ ‬لا‭ ‬يمل‭ ‬الصيد،‭ ‬فكان‭ ‬هو‭.‬

وفي‭ ‬كتاب‭ ‬أحمد‭ ‬الحبوبي‭ ‬أيضاً‭ ‬وجدت‭ ‬أو‭ ‬وقعت‭ ‬على‭ ‬صيد‭ ‬قديم‭ ‬أو‭ ‬صدى‭ ‬لهذا‭ ‬الصيد‭. ‬كان‭ ‬أخي‭ ‬فوزي‭ ‬ينقل‭ ‬لي‭ ‬عن‭ ‬عوني‭ ‬القلمجي،‭ ‬رحمهما‭ ‬الله،‭ ‬حادثة‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أصدقها‭ ‬داخلي،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬تشير‭ ‬لذلك‭ ‬التناقض‭ ‬في‭ ‬شخصية‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬بين‭ ‬الجبن‭ ‬والجرأة‭.‬

ففي‭ ‬العام‭ ‬1964‭ ‬توجهت‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬لاعتقال‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬بعد‭ ‬اتهامه‭ ‬بمحاولة‭ ‬لاغتيال‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬عارف،‭ ‬وكان‭ ‬صدام‭ ‬يختبئ‭ ‬في‭ ‬وكر‭ ‬حزبي‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬شقة‭ ‬في‭ ‬طابق‭ ‬علوي‭ ‬لمبنى‭. ‬عوني‭ ‬القلمجي‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬حياته‭ ‬العسكرية،‭ ‬ومعه‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬قوة‭ ‬المداهمة‭ ‬ضابط‭ ‬آخر‭ (‬ملازم‭ ‬ثان‭) ‬يصفه‭ ‬القلمجي‭ ‬بالرقة‭ ‬والوسامة،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬الموصل‭.‬

ظلت‭ ‬القوة‭ ‬المداهمة‭ ‬تطلب‭ ‬من‭ ‬صدام‭ ‬المتحصن‭ ‬في‭ ‬الطابق‭ ‬العلوي،‭ ‬تطلب‭ ‬منه‭ ‬الاستسلام،‭ ‬فيرد‭ ‬عليهم‭ ‬بإطلاق‭ ‬النار‭ ‬نحو‭ ‬الأعلى‭. ‬استمر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المنوال‭ ‬لساعات،‭ ‬حتى‭ ‬نفد‭ ‬صبر‭ ‬الضابط‭ ‬المصلاوي،‭ ‬فقال‭ ‬بلهجته‭ ‬المحببة‭: ‬إلى‭ ‬متى‭ ‬يستمر‭ ‬هذا‭ ‬الحال؟‭ ‬فأخرج‭ ‬مسدسه‭ ‬وصعد‭ ‬نحو‭ ‬هدفه‭ ‬في‭ ‬الطابق‭ ‬العلوي‭.‬

يضيف‭ ‬القلمجي‭ ‬بأنهم‭ ‬توقعوا‭ ‬سماع‭ ‬أصوات‭ ‬اشتباك‭ ‬بالرصاص‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬ترمى‭ ‬جثة‭ ‬صاحبهم‭ ‬المصلاوي‭ ‬من‭ ‬السطح،‭ ‬لكنهم‭ ‬فوجئوا‭ ‬بعد‭ ‬عشر‭ ‬دقائق‭ ‬بصوت‭ ‬خطى‭ ‬مرتبكة‭ ‬على‭ ‬السلالم‭. ‬بعدها‭ ‬ظهر‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬مطأطئ‭ ‬الرأس،‭ ‬مقيد‭ ‬اليدين،‭ ‬ذليلاً‭ ‬خانعاً،‭ ‬وخلفه‭ ‬الضابط‭ ‬المصلاوي‭ ‬وبيده‭ ‬سلاح‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬المهان‭.‬

كنت‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ ‬أشكك‭ ‬بتلك‭ ‬الحادثة‭ ‬حتى‭ ‬قرأتها‭ ‬بالأمس‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ (‬أشخاص‭ ‬كما‭ ‬عرفتهم‭)‬،‭ ‬لكن‭ ‬أحمد‭ ‬الحبوبي‭ ‬لم‭ ‬يؤكدها‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬ذكر‭ ‬اسم‭ ‬هذا‭ ‬الضابط،‭ ‬وهو‭ (‬جرير‭ ‬الغلاي‭)‬،‭ ‬والذي،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو،‭ ‬أفلت‭ ‬من‭ ‬قبضة‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬وانتقامه‭ ‬بهروبه‭ ‬المبكر‭ ‬لاجئاً‭ ‬إلى‭ ‬مصر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬القلمجي‭ ‬أيضاً‭ ‬باللجوء‭ ‬إلى‭ ‬سوريا‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬رسخ‭ ‬صدام‭ ‬أولى‭ ‬خطواته‭ ‬في‭ ‬السلطة‭.‬

يضيف‭ ‬الحبوبي‭ ‬معلومة‭ ‬أخرى‭ ‬مهمة‭ ‬قالها‭ ‬له‭ ‬الضابط‭ (‬جرير‭ ‬الغلاي‭)‬،‭ ‬حين‭ ‬سأل‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬وهو‭ ‬يقيده‭: ‬لماذا‭ ‬أطلقت‭ ‬رصاصتين‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تسلم‭ ‬لي‭ ‬مسدسك؟‭ ‬فأجابه‭ ‬صدام‭ ‬على‭ ‬الفور‭: (‬حتى‭ ‬يقولوا‭ ‬عني‭ ‬أنني‭ ‬قاومت‭).‬

أما‭ ‬رشيد‭ ‬محسن،‭ ‬مدير‭ ‬الاستخبارات‭ ‬وقتها،‭ ‬فكان‭ ‬يتوقع‭ ‬تحقيقاً‭ ‬شاقاً‭ ‬مع‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬للإدلاء‭ ‬بما‭ ‬عنده،‭ ‬لكنه‭ ‬فوجئ‭ ‬بطلب‭ ‬بسيط‭ ‬من‭ ‬صدام‭: (‬نفر‭ ‬كباب‭ ‬وبطل‭ ‬بيرة‭)‬،‭ ‬وأخذ‭ ‬بالتغريد‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭.‬

لا‭ ‬بأس‭ ‬بهذا‭ ‬بالنسبة‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬انتظاره‭ ‬بالنهاية،‭ ‬أما‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم‭ ‬فكان‭ ‬يعد‭ ‬المسرح‭ ‬باعتناء‭ ‬أخلاقي‭ ‬مرهف،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬دموية‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬يؤديه،‭ ‬حيث‭ ‬بطولته‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭.‬