
أتحرر بين آونة وأخرى من قراءة كتب الأدب والروايات أو الفلسفة، نحو كتب المذكرات أو الانطباعات الشخصية (التاريخية)، فأجدها عكس المطلوب؛ ترفعني إلى علو مناسب، هو، وهذه هي المفاجأة، يكفيني للنظر أعمق مقارنة، ولنقل أحياناً، بما تفعله الفلسفة والسياسة.
يساريتي وانتمائي الثوري، والتي تسري بدمي وانتهى الأمر، والتي أيضاً، وعلى ما يبدو، لم تجعلني أحول أو مغشياً عليه بغشاوة الانحياز، ربما العكس. ألست القائل أو المقتبس أو السارق لـ(حين يلعب القاتل والقتيل النرد على ضفاف نهر المجرة).
وفي تاريخ الدولة العراقية الحديث منذ العام 1921، هناك ثلاثة (رؤساء) فهموا السلطة بطريقتهم، وما بينهم من انقطاعات ودم لا يمنع من عقد المقارنات بينهم، ورغم العديد والكم الهائل من الدراسات عنهم، فما زالت هالات الغموض تحيط بمنطقتهم، وبدلاً عن ذلك استسلم الرأي العام لبعض الإطلاقات الساذجة عنهم. وأقصد بالطبع كلاً من نوري السعيد وعبد الكريم قاسم وصدام حسين.
أقرأ هذين اليومين كتابين من النوع الذي أشرت إليه أعلاه، الأول (مذكرات لم تكتمل) لـ(عباس بغدادي)، والثاني كتاب (أشخاص كما عرفتهم) لأحمد الحبوبي، كما سأستشهد بكتابين من ذاكرتي كنت قد قرأتهما سابقاً، (عمر أكلته الحروف) لنجيب المانع و(في أثر الهامش) لباسم عبد الحميد حمودي، رحم الله الجميع.
في العراق، تقع العشيرة أو القبيلة في مقابلة الدولة، ولم تكن للقبائل أو العشائر إلا ما يضر بالدولة أو يعرقل من ازدهارها وتطورها، وقد أدرك الثلاثة هذا الأمر. وقد يبدو للناظر سطحياً بالعهد الملكي أن هذا الأخير قرّب وتقرب، لكني وجدت في كتاب (مذكرات لم تكتمل) ما يثبت العكس؛ فكانت هذه القبائل وزعماؤها تتمرد على بسط الدولة لنفوذها، وقد تأثرت لقصص ضرب الدولة لهؤلاء المتمردين بقوة، بالمدافع وأحياناً بالطائرات، وإلقاء القبض عليهم واقتيادهم بإذلال يستحقونه نحو المحاكم والسجون.
وقد تكون فترة حكم بكر صدقي القصيرة هي الأقسى على هؤلاء، وللحق فإن بكر صدقي وحكمت سليمان كانا على وعي وتصميم بضرورة تحديث الدولة العراقية بكل الطرق، وربما قصر عمر تجربتهما الريادية تأثرهما بصعود النازية ونموذج هتلر الذي لم يقاوماه.
عبد الكريم قاسم تعامل باستعلاء يقترب من الاحتقار لهؤلاء، ولم يساوم أبداً على قوانين الدولة التي تهينها تلك القبائل، ويكفيه قانون الإصلاح الزراعي الذي سحب السلطة من تحت أقدامهم، فتآمروا عليه، وهذا هو ديدنهم.
صدام حسين، تعامل مع القبائل ببراغماتية، فقرّب قبيلته المتعطشة للسلطة، وقرّب وأبعد بقية زعامات القبائل حتى أحدث تغييرات في بنيتها، وما زالت تلك التغييرات سائدة وجارية، ولم تنفك تلك العشائر من عملها التخريبي للدولة وإعاقة ترسيخ الدولة المدنية، وهي تتخادم ضمن مثلث (الفساد ورجال الدين وزعماء القبائل).
ورغم المئات أو الآلاف من الكتب والدراسات حول الزعماء الثلاثة، فإن الثاني والثالث لم ينالا تلك الدراسات الجادة عنهما وعن مفهومهما للسلطة، بل ما يتوفر لدينا مجرد مجموعة أحكام عامة تقترب من السذاجة. بعبارة أخرى، هناك وفرة في الإخبار وندرة في التحليل.
يشترك الاثنان (عبد الكريم قاسم وصدام حسين) بإلمام شبه مطلق بالتفاصيل، مع اختلاف المنطلق. فالخصم الجيد بالنسبة لصدام حسين هو الخصم الميت، أما بالنسبة لعبد الكريم قاسم، صاحب (عفا الله عما سلف)، فلقد آثر تغليب نسبة الشك على وضوح المعلومة وقوة الحدس، وهذا يندرج مع نظرته الوطنية والسياسية الفلسفية، مع تدين غريزي.
لم يكن الزعيم غافلاً أبداً عما يدور حوله، وحاول إضعاف أعدائه بلعبة توازن مع (شركائه) الطامعين بالسلطة أو المتعالين عليه بحجة (سذاجته)، وهو الأعلم منهم بطبيعة ما تمر به البلاد.
سأورد روايتين أو حادثتين من ضمن المئات، والتي تثبت قوة إمساك الزعيم بالسلطة ومنابعها وفروعها وفلسفتها، وقبل كل شيء تؤكد أعلميته تلك، وكذلك قوة بأسه بفرض رؤيته.
في كتابه (عمر أكلته الحروف)، يذكر نجيب المانع كيف قام عبد الكريم قاسم، وبدون تردد، بنقله من وزارة الخارجية، حيث وجد نفسه بظرف ما مديراً عاماً للوزارة، نقلة إلى مديرية التأمين أو لا أعرف ماذا كان اسمها. أضعت كتاب المانع، ربما بين رفوف مكتبتي أو بإعارته إلى من لم يعده لصاحبه، لكن نجيب المانع، البعيد عن اليسار والأقرب إلى القوميين ربما، وجد نفسه تحت (مكبّرة) عبد الكريم قاسم، والتي لا تخطئ بفهم تأويلات المواقف، وهو المستهدف من الجميع ومن خصوم بلا ضمير. ربما تضرر نجيب المانع معنوياً، لكن الزعيم فرض رؤيته الخاصة عن السلطة، وهو العالم بأن الشيطان يكمن في التفاصيل.
وفي كتاب باسم عبد الحميد حمودي (في أثر الهامش)، يحاول حمودي النيل من عبد الكريم قاسم بذكر حادثة حصلت بين الزعيم ورئيس محكمة التمييز، القاضي محمد خالص كما أتذكر، ولم يكن هذا الأخير يود الزعيم وحاول عرقلة حكمه.
وفي خلاف علني بين الرجلين، حاول القاضي بتوقيت استقالته النيل من الزعيم، الذي كان حذراً في التعامل مع القضاء، فقام بدعوة القاضي إلى مقره في وزارة الدفاع ليشاركه غداءه البسيط، وليناقشه حول موضوع يعكس ذهنية الزعيم.
انتبه عبد الكريم قاسم إلى تهاون القضاء مع ما يسمى بـ(جرائم الشرف)، وهو ما درجت عليه الأعراف منذ العهد الملكي، فأصدر توصيات للقضاء بتشديد الأحكام على تلك الجرائم، فأخذت الجهات المعادية له بحملة تشويه للزعيم كونه يتدخل بشؤون القضاء. ولو انتبهنا لما يبتغيه الزعيم من ذلك فهي صفعتان في نفس الوقت؛ الأولى بالضد من المجتمع العشائري الذي كان يتعالى عليه ويعلم بتهديده لبناء الدولة، والثانية من أجل إعلاء دور المرأة وتحررها وتعزيز مكانتها في المجتمع.
من لم يكن مهنياً هو رئيس محكمة التمييز، الذي كان يتصل مع شخصية سياسية يرمز لها حمودي بالحرف (كاف) من أجل التنسيق بإحداث الضرر الأكبر للزعيم، وذلك عن طريق توقيت استقالة القاضي، ولا نحتاج كثير ذكاء لنعرف بأن المقصود بـ(كاف) هو كامل الجادرجي، الذي واجه الزعيم بعداء غريب لا يمكن تفسيره.
هاتان الحادثتان وغيرهما المئات تثبت بأننا ما زلنا بعيدين من الاقتراب من منطقة فهم الزعيم للسلطة والثورة والدولة.
لم يخصص أحمد الحبوبي في كتابه (أشخاص كما عرفتهم) لصدام حسين أكثر من 15 صفحة، لكنها كافية لذهابي إلى ما أريد قوله. فبالمقارنة بين صدام حسين وبقية رموز حزب البعث ومجمل التيار القومي، نجد أن صدام حسين ينفرد عن جميع هؤلاء بتصميمه، أولاً، على الوصول للسلطة مهما كان الطريق لذلك وكيفما كان ذلك أخلاقياً أو بطولياً، فكل شيء يبرره صدام ما دام ذلك يؤدي ويوصل لغايته.
أيضاً يشترك صدام حسين مع عبد الكريم، كما قلنا، بالاهتمام الأعلى بالتفاصيل، مع الافتراق بزوايا النظر بالطبع. لم يترك شيئاً للصدفة، وكانت الضرورة عنده مجموعة من الهوامش والهوامل ليهضمها في معدته المتعطشة بعد جوع ممتد، ولهذا تساقطت الرموز البعثية والقومية رغم نياشينها ورتبها العسكرية وطول باعها ومحتدها تحت اليد القوية لتصميمه، فسحقها بلا رحمة.
فليست صدفة أن يحكم العراق المعقد بخرائطه السياسية هذا الرجل المحدود الثقافة والقليل الجاذبية والإقناع. كان دخوله للمسرح السياسي (القومي) صدفة بحتة، عندما فقدت المجموعة البعثية المكلفة باغتيال عبد الكريم قاسم عام 1959 عنصراً منها بعد أن اعتذر (بعثي من سامراء) عن الاشتراك في تلك العملية، فتذكر أحدهم شخصية هامشية مغمورة ولا يعرفها أحد، حتى أنه لم يكن بعثياً بعد.
فأمسك صدام بهذه الصدفة ليجعلها ليست فقط ضرورة لحياته، بل ضرورة لقدر العراقيين. وإذا ما كانت السلطة فريسة أو غنيمة، فلا بد لها من حيوان جائع أو صياد لا يمل الصيد، فكان هو.
وفي كتاب أحمد الحبوبي أيضاً وجدت أو وقعت على صيد قديم أو صدى لهذا الصيد. كان أخي فوزي ينقل لي عن عوني القلمجي، رحمهما الله، حادثة لم أكن أصدقها داخلي، رغم أنها تشير لذلك التناقض في شخصية صدام حسين بين الجبن والجرأة.
ففي العام 1964 توجهت قوة عسكرية لاعتقال صدام حسين بعد اتهامه بمحاولة لاغتيال عبد السلام عارف، وكان صدام يختبئ في وكر حزبي يقع في شقة في طابق علوي لمبنى. عوني القلمجي في بداية حياته العسكرية، ومعه أيضاً في قوة المداهمة ضابط آخر (ملازم ثان) يصفه القلمجي بالرقة والوسامة، وكان من أهل الموصل.
ظلت القوة المداهمة تطلب من صدام المتحصن في الطابق العلوي، تطلب منه الاستسلام، فيرد عليهم بإطلاق النار نحو الأعلى. استمر الأمر على هذا المنوال لساعات، حتى نفد صبر الضابط المصلاوي، فقال بلهجته المحببة: إلى متى يستمر هذا الحال؟ فأخرج مسدسه وصعد نحو هدفه في الطابق العلوي.
يضيف القلمجي بأنهم توقعوا سماع أصوات اشتباك بالرصاص أو أن ترمى جثة صاحبهم المصلاوي من السطح، لكنهم فوجئوا بعد عشر دقائق بصوت خطى مرتبكة على السلالم. بعدها ظهر صدام حسين مطأطئ الرأس، مقيد اليدين، ذليلاً خانعاً، وخلفه الضابط المصلاوي وبيده سلاح صدام حسين المهان.
كنت في داخلي أشكك بتلك الحادثة حتى قرأتها بالأمس في كتاب (أشخاص كما عرفتهم)، لكن أحمد الحبوبي لم يؤكدها فحسب، بل ذكر اسم هذا الضابط، وهو (جرير الغلاي)، والذي، على ما يبدو، أفلت من قبضة صدام حسين وانتقامه بهروبه المبكر لاجئاً إلى مصر، وهو ما فعله القلمجي أيضاً باللجوء إلى سوريا ما أن رسخ صدام أولى خطواته في السلطة.
يضيف الحبوبي معلومة أخرى مهمة قالها له الضابط (جرير الغلاي)، حين سأل صدام حسين وهو يقيده: لماذا أطلقت رصاصتين في الهواء قبل أن تسلم لي مسدسك؟ فأجابه صدام على الفور: (حتى يقولوا عني أنني قاومت).
أما رشيد محسن، مدير الاستخبارات وقتها، فكان يتوقع تحقيقاً شاقاً مع صدام حسين للإدلاء بما عنده، لكنه فوجئ بطلب بسيط من صدام: (نفر كباب وبطل بيرة)، وأخذ بالتغريد بكل ما يعرف.
لا بأس بهذا بالنسبة له ما دامت السلطة في انتظاره بالنهاية، أما عبد الكريم قاسم فكان يعد المسرح باعتناء أخلاقي مرهف، مهما كانت دموية الدور الذي يؤديه، حيث بطولته تنبع من مكان آخر.