عام كارثي للأنهر الجليدية

ليه‭ ‬ديابلوريه‭ (‬سويسرا‭) (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬تواجه‭ ‬الأنهر‭ ‬الجليدية‭ ‬السويسرية‭ ‬عاما‭ “‬كارثيا‭” ‬جديدا،‭ ‬إذ‭ ‬سجلت‭ ‬ثاني‭ ‬أكبر‭ ‬خسارة‭ ‬سنوية‭ ‬في‭ ‬حجمها‭ ‬بعد‭ ‬العام‭ ‬2022،‭ ‬وفق‭ ‬دراسة‭ ‬،‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬فقدت‭ ‬نحو‭ ‬20%‭ ‬من‭ ‬حجمها‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الخمس‭ ‬الفائتة‭.‬

وبحسب‭ ‬بيانات‭ ‬شبكة‭ ‬مراقبة‭ ‬الأنهر‭ ‬الجليدية‭ ‬السويسرية‭ (‬غلاموس‭)‬،‭ ‬خسرت‭ ‬الأنهر‭ ‬الجليدية‭ ‬السويسرية‭ ‬5‭,‬5‭% ‬إضافية‭ ‬من‭ ‬حجمها‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬شهدت‭ ‬صيفا‭ ‬كان‭ ‬الأكثر‭ ‬حرّا‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬وشتاء‭ ‬قليل‭ ‬الثلوج‭.‬

يقول‭ ‬رئيس‭ “‬غلاموس‭” ‬ماتياس‭ ‬هوس‭ ‬وهو‭ ‬يتأمل‭ ‬بأسف‭ ‬نهر‭ “‬سيكس‭ ‬روج‭” ‬الجليدي‭ ‬البالغ‭ ‬ارتفاعه‭ ‬3‭ ‬آلاف‭ ‬متر،‭ “‬إنّه‭ ‬يختفي‭ (…) ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬منه‭ ‬شيء‭ ‬خلال‭ ‬عشر‭ ‬إلى‭ ‬خمس‭ ‬عشرة‭ ‬سنة‭”.‬

ثم‭ ‬يسحب‭ ‬أنبوبا‭ ‬من‭ ‬الألمنيوم‭ ‬طوله‭ ‬أربعة‭ ‬أمتار،‭ ‬كانت‭ ‬شبكة‭ “‬غلوموس‭”  ‬ثبتته‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬النهر‭ ‬الجليدي‭. ‬وبعدما‭ ‬كان‭ ‬بالكاد‭ ‬يظهر‭ ‬فوق‭ ‬سطح‭ ‬الجليد‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬تموز‭/‬يوليو،‭ ‬بات‭ ‬يظهر‭ ‬منه‭ ‬حاليا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬أمتار‭ ‬فوق‭ ‬سطح‭ ‬النهر‭.‬

ويقول‭ ‬هوس‭ “‬لسنا‭ ‬متفاجئين‭ ‬لأننا‭ ‬نعلم‭ ‬مدى‭ ‬سرعة‭ ‬ذوبان‭ ‬الأنهر‭ ‬الجليدية‭. ‬لكن‭ ‬رؤية‭ ‬هذه‭ ‬الجبال‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الثلج،‭ ‬بصخورها‭ ‬الداكنة‭ ‬أمر‭ ‬مؤثر‭”.‬

بين‭ ‬عامي‭ ‬2022‭ ‬و2026،‭ ‬ذابت‭ ‬الأنهر‭ ‬الجليدية‭ ‬السويسرية‭ ‬بمعدل‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬ضعف‭ ‬المعدل‭ ‬المُسجّل‭ ‬خلال‭ ‬أي‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬فقدانها‭ ‬نحو‭ ‬20‭% ‬من‭ ‬حجمها‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬2021‭.‬

ويشهد‭ ‬ذوبان‭ ‬هذه‭ ‬الأنهر‭ ‬تسارعا،‭ ‬ففي‭ ‬تسعينات‭ ‬القرن‭ ‬الفائت‭ ‬خسرت‭ ‬10‭% ‬من‭ ‬حجمها،‭ ‬مقارنة‭ ‬بـ27‭% ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الممتد‭ ‬من‭ ‬2016‭ ‬إلى‭ ‬2026،‭ ‬وفق‭ ‬قياسات‭ ‬أُجريت‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬عشرين‭ ‬نهرا‭ ‬جليديا،‭ ‬وتم‭ ‬تعميمها‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الأنهر‭ ‬الجليدية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬سويسرا،‭ ‬والتي‭ ‬يبلغ‭ ‬عددها‭ ‬نحو‭ ‬1300‭.‬

تشير‭ ‬هيئة‭ ‬الأرصاد‭ ‬الجوية‭ ‬السويسرية‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬معدل‭ ‬الاحترار‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬يبلغ‭ ‬ضعف‭ ‬المتوسط‭ ‬العالمي‭. ‬شهدت‭ ‬سويسرا‭ ‬من‭ ‬حزيران‭/‬يونيو‭ ‬إلى‭ ‬آب‭/‬أغسطس‭ ‬أعلى‭ ‬درجات‭ ‬حرارة‭ ‬مسجلة‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬القياسات‭ ‬عام‭ ‬1864،‭ ‬متجاوزةً‭ ‬بذلك‭ ‬الرقم‭ ‬القياسي‭ ‬المسجل‭ ‬في‭ ‬صيف‭ ‬2003‭.‬

تقول‭ ‬هيئة‭ ‬الأرصاد‭ ‬الجوية‭ ‬السويسرية‭ “‬في‭ ‬عالم‭ ‬ترتفع‭ ‬فيه‭ ‬درجة‭ ‬الحرارة‭ ‬بمقدار‭ ‬3‭ ‬درجات،‭ ‬ستكون‭ ‬فصول‭ ‬الصيف‭ ‬المقبلة‭ ‬أكر‭ ‬حرّا‭ ‬بنحو‭ ‬3‭,‬6‭ ‬درجة‭ ‬مئوية‭ ‬من‭ ‬الفترة‭ ‬المرجعية‭ ‬1991‭-‬2020‭”.‬

أما‭ ‬في‭ ‬الجبال،‭ ‬فالوضع‭ ‬مُقلق،‭ ‬إذ‭ ‬ذاب‭ ‬قسم‭ ‬من‭ ‬الثلج‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يحمي‭ ‬الأنهر‭ ‬الجليدية‭ ‬في‭ ‬حزيران‭/‬يونيو،‭ ‬واختفى‭ ‬تماما‭ ‬في‭ ‬أيلول‭/‬سبتمبر،‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬ارتفاع‭ ‬3500‭ ‬متر‭.‬

تقول‭ ‬شبكة‭ “‬غلاموس‭” ‬إنّ‭ “‬الأنهر‭ ‬الجليدية‭ ‬في‭ ‬جبال‭ ‬الألب‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬بأي‭ ‬فرصة‭ ‬للبقاء‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭”.‬

ونظرا‭ ‬إلى‭ ‬الذوبان‭ ‬الكبير‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬اضطر‭ ‬الباحثون‭ ‬إلى‭ ‬نقل‭ ‬نقاط‭ ‬القياس‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاعات‭ ‬أعلى،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أعلى‭ ‬القمم،‭ ‬بسبب‭ ‬ذوبان‭ ‬الجليد‭ ‬المحيط‭ ‬بها‭.‬

وانخفض‭ ‬متوسط‭ ‬سماكة‭ ‬الجليد‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأنهر‭ ‬الجليدية‭ ‬بمقدار‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬2‭,‬5‭ ‬و4‭ ‬أمتار،‭ ‬وفي‭ ‬ألسنة‭ ‬الأنهر‭ ‬الجليدية‭ ‬انخفض‭ ‬أحيانا‭ ‬بمقدار‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬10‭ ‬أمتار‭ ‬خلال‭ ‬فصل‭ ‬الصيف‭.‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬الخسائر‭ ‬الى‭ ‬المستوى‭ ‬المسجل‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2022،‭ ‬إذ‭ ‬ان‭ ‬عددا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬الأنهر‭ ‬الجليدية‭ ‬كانت‭ ‬مغطاة‭ ‬بكمية‭ ‬من‭ ‬الثلوج‭ ‬تفوق‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭.‬

بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬انخفضت‭ ‬كمية‭ ‬غبار‭ ‬الصحراء‭ ‬الكبرى‭ ‬المتراكمة‭ ‬على‭ ‬الثلج‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬انعكاس‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬لكمية‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬بدل‭  ‬امتصاصها‭ ‬من‭ ‬الثلج‭.‬

مع‭ ‬ذلك،‭ ‬شهدت‭ ‬أربعة‭ ‬أنهر‭ ‬جليدية‭ ‬رئيسية‭  ‬ذوبانا‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬نهر‭ ‬رون‭ ‬ونهر‭ ‬أليتش‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬جبال‭ ‬الألب‭.‬

ومع‭ ‬تراجع‭ ‬حجم‭ ‬الأنهر‭ ‬الجليدية،‭ ‬تتزايد‭ ‬المخاوف‭ ‬بشأن‭ ‬مدى‭ ‬توافر‭ ‬موارد‭ ‬المياه‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

فبين‭ ‬شهري‭ ‬حزيران‭/‬يوليو‭ ‬وأيلول‭/‬سبتمبر،‭ ‬خسرت‭ ‬الأنهر‭ ‬الجليدية‭ ‬ما‭ ‬مجموعه‭ ‬2‭,‬2‭ ‬تريليون‭ ‬لتر‭ ‬من‭ ‬المياه‭. ‬ويشير‭ ‬هوس‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ “‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يُصدَّق،‭ ‬إذ‭ ‬يتخطى‭ ‬الاستهلاك‭ ‬السنوي‭ ‬للمياه‭ ‬العذبة‭ ‬للأسر‭ ‬السويسرية‭ ‬بأربع‭ ‬مرات‭”.‬