بين ما انقضى وما بقي في قصيدة ارتياب للشاعر محمود عثمان

 

ضحى عبدالرؤوف المل

ينزل المطر في قصيدة الشاعر محمود عثمان في طبقات الذاكرة نفسها، فيكشف ما كان مطموراً تحت تراب الزمن. فمنذ الاستهلال “سقى الله قبرك في المنحنى / فأحيا بك الغيث موتا بنا” تنشأ المفارقة المؤسسة للقصيدة من الغيث، رمز الإحياء، لا يحيي الراحل، بل يحيي في الأحياء موتهم القديم. وهذه المفارقة تنقل القصيدة منذ بيتها الأول من الرثاء إلى التأمل الوجودي، فالموت ليس واقعة تخص من غادر، بل تجربة تتجدد داخل الذين بقوا كلما استدعاهم شيء من الماضي. ولعل اختيار “المنحنى” بدلا من مكان محايد للقبر ذو دلالة عميقة، فالمنحنى هو موضع تغير الاتجاه، وكأن القبر نفسه يقف عند منعطف في طريق الذات، حيث لا يعود الماضي خلفها تماما، ولا المستقبل أمامها خالصا، بل يتقاطع الزمنان في نقطة واحدة. لذلك يبدو المطر في هذه القصيدة كأنه لا يسقي القبر، وإنما يسقي الذاكرة التي ظل القبر يحرسها. ونتأكد من هذا في “سقى الله قبرك أسقيتنا / عذاب المنون وعذب المنى”. إذ تتجاور مفردتان متباعدتان ظاهريا: “المنون” و”المنى”، الموت والرغبة، النهاية والتطلع، الفناء والأمل. وهذا التجاور ليس مجرد محسّن لفظي، بل هو منطق القصيدة الداخلي، فالراحل لا يُستعاد بوصفه صورة مكتملة من الماضي، وإنما بوصفه جرحا يختلط فيه ما فقدناه بما تمنيناه، وما حدث بما كان يمكن أن يحدث. ولعل “عذب المنى” أكثر إيلاما من “عذاب المنون”، لأن الموت، مهما كان قاسيا، حقيقة محسومة، بينما الأمنية تظل معلقة في فضاء الاحتمال. ولهذا يصبح الحنين في القصيدة إلى زمن كانت فيه الإمكانات مفتوحة. إن الشاعر لا يبكي ميتا فقط، بل يلمس من خلاله موت احتمالات كاملة من حياته. فهل الطاقة العاطفية في القصيدة في استعادة الماضي ليكتشف مقدار ما تغيّر فيه هو نفسه؟

ثم ينتقل الشاعر محمود عثمان بالقصيدة انتقالا بارعا من رثاء الغائب إلى اغتراب الحاضر. “أمامي الشوارع مثل الوهاد / وإني هناك… وإني هنا” فالشوارع التي يفترض أن تكون فضاء للحركة والامتداد تتحول إلى وهاد، أي إلى منخفضات ومسافات تهبط فيها النفس بدلا من أن تعبرها. إن المكان الخارجي لم يعد مستقلا عن الحالة الداخلية، لقد أعادت الذات تشكيل المدينة وفقا لما يحدث في أعماقها. أما في قوله “وإني هناك… وإني هنا” فهي ربما المفصل التأويلي الأشد أهمية في القصيدة. فـهناك ليست مكانا فقط، وهنا ليست مكانا مقابلا، إنهما زمنان ووجهان للذات. هناك يقيم من كان، وهنا يقيم من صار، وبينهما إنسان واحد عاجز عن أن يكون كاملا في أي منهما. وحتى علامات الحذف بعد هناك… تؤدي وظيفة شعرية، فهي ليست فراغا طباعيا، وإنما مسافة صمت بين ذاتين، بين حضورين، بين زمنين. كأن اللغة نفسها تعجز لحظة عن وصل ما انقطع، فيأتي الصمت ليقول ما لا تستطيع العبارة قوله.

كما أن البرق في القصيدة هو ومضة معرفة”وبرق وراء الجدار القريب / تلألأ منه الجبال سنا” إنه يكشف الجبال للحظة، كما تكشف الذاكرة فجأة مشهدا قديما ثم تحجبه. فيؤسس لتشابه خفي بين البرق والذاكرة: كلاهما لا يمنح رؤية دائمة، بل ومضة خاطفة. إن الإنسان لا يستعيد الماضي كله، وإنما تلمع في داخله صور مفاجئة، وربما كان هذا هو سبب قوة الذكريات المرتبطة بالمطر، فهي لا تأتي في هيئة سرد مرتب، وإنما في هيئة ومضات حسية متقطعة. والجدار القريب بدوره ليس تفصيلا مكانيا بريئا، إنه حد فاصل بين الرؤية والحجب، بين الداخل والخارج، وبين الذات والعالم. وما إن يأتي البرق حتى يخترق هذا الحد، فيجعل البعيد مرئيا من خلال القريب. وهذه واحدة من جماليات البناء التصويري في القصيدة كالجبال البعيدة لا تظهر مباشرة، وإنما تظهر انعكاسا لضوء عابر خلف جدار قريب، كما أن الماضي البعيد لا يعود مباشرة، بل من خلال علامة صغيرة في الحاضر.
. أما التداخل بين الحواس والزمن يظهر في قوله “يزيد ارتيابي فطعم الشتاء / عجين الوجاق وخبز الهنا” فالشتاء يصبح له طعم، والطعم يستدعي العجين والخبز، والخبز يستدعي دفء المكان وطمأنينة البيت، وربما الطفولة كلها. وهذه النقلة مهمة للغاية، لأنها تجعل الذاكرة ذاكرة جسد قبل أن تكون ذاكرة عقل. إن الإنسان قد ينسى تفاصيل سنوات كاملة، لكن رائحة خبز أو طعم طعام أو صوت مطر يستطيع أن يعيد إليه زمنا بأكمله. ولذلك فإن “عجين الوجاق” و”خبز الهنا” لا يعملان كزخرفة تراثية، بل بوصفهما خزانتين للذاكرة الحسية. والأجمل أن الشاعر يقول “يزيد ارتيابي”، لا “يزيد حنيني”، لأن ما يستيقظ داخله ليس مجرد حنين، وإنما شك في حقيقة الزمن نفسه. إذا كان الماضي يستطيع أن يعود بهذا الوضوح عبر طعم الشتاء، فأين انتهى الماضي فعلا؟ وأين يبدأ الحاضر؟

بعد سلسلة من الاستدعاءات الماضية، يحاول محمود عثمان أن يثبت نفسه في الحاضر فيقول “أنا الآن وحدي وقلبي العصي / يسابقني والأفول دنا”. لكنه لا ينجح تماما، لأن قلبه يسابقه. القلب ليس تابعا للذات، بل قوة مستقلة عنها، يسبقها إلى شيء لا نعرفه. وفي يسابقني حركة زمنية شديدة الكثافة الشاعر واقف في لحظة، بينما القلب يتقدم نحو الأفول. ولا يخلو وصف القلب بـالعصي من دلالة، فهو القلب الذي لا يطيع منطق العقل، ولا يقبل أن ينسى ويرفض الارتياب أو يقبله، ولا يخضع للزمن كما ينبغي له. إنه قلب يقاوم الارتياب حتى حين يصبح الارتياب ربما نوعا من النجاة. أما “الأفول” فهو أوسع من غروب الشمس، إنه غروب مرحلة، وربما غروب العمر ذاته. ولذلك لا يبدو اقتراب الأفول في القصيدة حدثا خارجيا، بل إحساسا داخليا بأن الزمن الذي كان يسمح للذات بأن تعود إلى طفولتها بدأ يضيق. لكن هل الارتياب هو جوهر القصيدة ومفتاحها الأساسي؟ أم أن هذه الكلمة الجافة والمقتضبة أغرقتنا بين سيولة المطر وثبات الكلمة ؟

تمنح الأبيات الأخيرة من القصيدة أفقها التأويلي الكامل في “تساءلت هل كنت ذاك الصبي / أم الكهل يحلم أم ذا أنا؟”. السؤال المهم هو من أنا حين أنظر إلى الطفل الذي كنت، وإلى الكهل الذي أصبحت، وإلى الوعي الذي يراقبهما معا؟ إن الشاعر لا يكتفي بالقول إنه كان صبيا وصار كهلا، بل يشكك في استمرارية الذات بين المرحلتين. “هل كنت ذاك الصبي” تجعل الطفل شخصا يكاد يكون آخر، و”أم الكهل يحلم” تجعل الحاضر نفسه موضع شك، ثم تأتي “أم ذا أنا؟” لتنسف اليقين كله. الضمير هنا يتحول إلى سؤال. وهذه من أكثر اللحظات الشعرية عمقا، فهل القصيدة التي بدأت بقبر تنتهي بالبحث عن صاحب القبر الحقيقي ؟
لا نرى في قصيدة محمود عثمان تراكما وصفيا يثقل المشهد، بل سلسلة من الصور التي تتولد إحداها من الأخرى مثل القبر يولد المطر، والمطر يولد الشوارع، والشوارع تقود إلى الانقسام بين هناك وهنا، والبرق يفتح الجبال، والشتاء يفتح الذاكرة الحسية، ثم الذاكرة تفتح القلب، والقلب يفتح سؤال الهوية. وهذا يمنح القصيدة بنية تصاعدية خفية، فكل بيت ليس منفصلا عما قبله، وإنما يدفع القصيدة خطوة أعمق إلى الداخل. حتى الموسيقى تخدم هذا الانحدار النفسي، فالقافية المتكررة في “المنى، هنا، سنا، الهنا، دنا، أنا” تصنع دائرة صوتية مغلقة، وكأن القصيدة مهما حاولت السير إلى الأمام تعود إلى أنا. وهذا أمر لافت: أن تبدأ القصيدة بالآخر، بالقبر والغائب، وتنتهي بالأنا. كأن الغائب لم يكن سوى الطريق الذي اضطر الشاعر إلى عبوره لكي يصل إلى نفسه. فهل اللغة تجمع بين فصاحة ذات نبرة تراثية وبين حس وجودي معاصر.؟

يستدعي تقاليد الرثاء العربي في “سقى الله قبرك”، بينما “وإني هناك… وإني هنا” و”هل كنت ذاك الصبي” تفتحان النص على أسئلة حديثة تتصل بالذاكرة والهوية والزمن. لذلك لا تبدو القصيدة أسيرة الرثاء التقليدي، رغم أنها تستثمر بعض مفرداته، بل تعيد استخدامه كعتبة فلسفية. حتى “المنحنى” و”الوهاد” و”الوجاق” تمنح القصيدة جغرافيا وذاكرة محلية، لكن هذه المحلية لا تغلق المعنى على العكس، تجعل السؤال الكوني أكثر تجسدا. فكل إنسان يستطيع أن يجد في “خبز الهنا” خبزه الخاص، وفي المطر صباحه القديم، وفي “ذاك الصبي” طفولته التي لم تعد قابلة للاسترداد. فهل نجح شاعرنا في تحويل التفاصيل الصغيرة إلى أسئلة تتجاوز أصحابها؟ . وهل الماضي لا يغادرنا بالقدر الذي نتوهمه.؟ أم يكفي أن يهطل المطر حتى يعود القبر حيا، وتعود الشوارع وهادا، ويضيء البرق جبالا بعيدة، ويتحول الشتاء إلى خبز، ويتقدم القلب على صاحبه؟

قصيدة الشاعر محمود عثمان
ارتياب
سقى الله قبرَكَ في المنحنى
فأحيا بكَ الغيثُ موتًا بنا

سقى الله قبرَكَ أسقَيتَنا
عذابَ المَنون وعذبَ المُنى

أمامي الشوارعُ مثل الوهادِ
وإنِّي هناك … وإنِّي هنا

وبرقٌ وراء الجدار القريبِ
تلألَأُ منه الجبالُ سنا

يزيدُ ارتيابي فطعمُ الشتاءِ
عجينُ الوِجاقِ وخبزُ الهنا

أنا الآن وحدي وقلبي العَصِيُّ
يسابقني والأفولُ دنا

تساءلتُ هل كنتُ ذاك الصَبِيَّ
أمِ الكهلَ يحلمُ أم ذا أنا ؟