

إطلالة على كتاب (الهُوية السردية/ دراسات في روايات فاتح عبد السلام)

د. مروة الأسدي
تُفصح مقدمة كتاب “الهوية السردية لفاتح عبد السلام”، الصادرة عن المشغل السردي العراقي، عن مشروع نقدي يتجاوز التوثيق إلى استبطان التجربة السردية وإبراز فرادتها. وتعدّ هذه المقدمة بمثابة رؤية لثلاث قامات لها مكانتها المعروفة في السرد العراقي- إبراهيم سبتي، وعَبّاس خلف، وعلي حسين عبيد – الذين جمعهم المنجز الأدبي الممتد لأكثر من أربعة عقود ليتفقوا على إكمال تجاربهم تحت مظلة المشغل السردي العراقي، وجعل نقد النتاج المحلي هماً جماعياً مشفوعاً بالحوار الأسبوعي والاشتراك الإبداعي.
تتحدد الغاية الرئيسة للكتاب في إضاءة الهوية السردية للروائي والقصاص فاتح عبد السلام من خلال تفكيك أربعة من أعماله: روايتَيّ (الطوفان الثاني) و(عندما يسخن ظهر الحوت)، والمجموعتين القصصيتين (عين لندن) و(قطارات تصعد نحو السماء). وتكشف التقسيمات القائمة بين الكتّاب الثلاثة عن منهجية تلتزم بتكريس “التكليف الجماعي” المعتمَد في المشغل السردي.

وتُضيء المقدمة مفهوم “الهوية السردية” بوصفها ليس مجرد تعاقب زمني للأحداث، بل اقتناصاً لاستبصار إنساني ووجودي يتجاوز الأطر المكانيّة والزمانية الضيقة. كما تُبيّن أن عوالم عبد السلام تُقدّم صياغة فنية تجريبية للواقع، تتجلى فيها ثيمات التراث، والاغتراب، والصدمة الحضارية، وتداعيات الغربة، مصحوبة بنقاء لغوي، وتدفق زمني يعتمد التداعي والوعي بالحداثة.
وتستعرض المقدمة صلة هذه الهوية بالهم الإنساني العميق والمفارقات الاجتماعية والذاتية؛ إذ يتحول النتاج الأدبي لدى فاتح عبد السلام إلى بحث فكري وفلسفي يرتدي حلة القص والتدفق الروائي. وبذلك تحث المقدمة القارئ والمحلل على التسلح بالبصيرة والوعي للاستغراق في هذه التجربة التي كُتبت بأناة وصبر، لتسجل نموذجاً لنقد أدبي عراقي يتولاه كتابٌ يقرأون أقرانهم بروح الشراكة والاستكشاف الجمالي المتجدد.
العوالم المتشابكة لرواية الطوفان الثاني:
بعد المقدمة نطالع دراسة الكاتب عباس خلف علي المندرجة ضمن كتاب “الهوية السردية: دراسات في روايات فاتح عبد السلام”، العوالم المتشابكة لرواية (الطوفان الثاني). وتتخذ الدراسة من إشكالية “نوستالجيا المنافي والاغتراب وأثرها في الانتماء” مدخلاً نقدياً لتفكيك بنيات السرد، في محاولة للإجابة عن السؤال المحوري: كيف يتحول النص الأدبي من مجرد توثيق انفعالي للأحداث والمآسي إلى خطاب جمالي متماسك ينقب عن الوجود الإنساني وعن جوهر الهوية السردية؟
ينطلق الباحث من رؤية نقدية ترفض الاقتصار على الوصف المجرد، بل تسعى لاستكشاف “جمرة النص”؛ حيث يُؤطّر رواية (الطوفان الثاني) بوصفها تجسيداً فنياً وتاريخياً متخيراً لواقع الحرب العراقي الممتد، وما أحدثه الاحتلال الأمريكي لعام 2003 والتداعيات القاسية التي أعقبته. ويستعين الباحث بطروحات فيلسوف الهوية السردية بول ريكور، إضافة إلى السيميائيات العواملية عند غريماس ومفاهيم ميلان كونديرا، ليبرهن أن السرد لا يكتفي بعكس المأساة بل يعيد صياغتها عبر خيال ينشئ زماناً ومكاناً داخليين كفيلين بإقناع القارئ وتفكيك أزمة الذات المشتتة.

تتقاطع أحداث الرواية حول شخصيتين محوريتين في منفى لندن: “كمال” (إدغار) الناجي من غرق مركب المهاجرين، و”سالي” الناجية من خطورة الرحلة البرية عبر أوروبا والهاربة من أهوال الحروب. ويرصد عباس خلف كيف تتشكل دراما “النوستالجيا” والحنين لدى الشخصيتين؛ فكمال يسعى للفكاك من أسر الهوية البديلة والعودة إلى جذوره العائلية والوطنية بالرغم من خطر الحرب، وسالي تعاني مرض عينها الغريب والرمزية الأسطورية الخافية وراء حيازة خاتم الموتى والتأرجح بين ذكريات الوطن الحزينة وقسوة الغربة.
كما توضح الدراسة أن “الانتماء” يتجاوز كونه مجرد شعور عابر ليصبح الحافز المحرك للهوية والموجه لسلوك الشخصيات؛ سواء عبر رحلة كمال الشاقة إلى بغداد والرمادي للقاء عمه الطيار المعاق إدريس وعمته الشيخة نوال، أو في مواقف المقاومين العراقيين كأبي جابر، أو حتى في حوارات سالي مع العجوز صاحب مصنع الخياطة الفيكتوري. كل هذه النماذج تؤكد أن الانتماء يعيد وصل الفاعل الإنساني المتألم بقضاياه الأخلاقية والوجودية.
وفي قراءته للبناء الفني، يتوقف الناقد عند تداخل أبعاد الخيال، والحلم، والأسطورة، والتهيؤات الواقعية داخل السرد؛ حيث تُستدعى العجائبيات والعقد النفسية لتتكامل مع الواقع المادي، مما يمنح اللغة السردية قوة إقناع وتعبير عن مساحة المتعاليات والتحولات الذاتية. ويخلص عباس خلف إلى أن رواية (الطوفان الثاني) استطاعت عبر أسلوب “الفلاش باك” والوعي المتدفق أن تبني هوية سردية متفردة، جعلت من الذاكرة الشخصية مرآة شفافة تعكس المأساة الجماعية للوطن والمغتربين في نفس الوقت.
التفرّد الأسلوبي لفاتح عبد السلام
في القسم الثاني من كتاب الهُوية السردية لفاتح عبد السلام، تتأسس دراسة الكاتب علي حسين عبيد على مقولة نقدية جوهرية مفادها أن طريقة الكتابة وصياغة الجملة السردية هي المقوم الأساسي لبناء هوية الكاتب وتفرده الأسلوبي. وفي قراءته لمجموعتيّ (عين لندن) و(قطارات تصعد نحو السماء) للقاص والروائي فاتح عبد السلام، يرصد الناقد تجليات لغة السرد القائمة على قوة الإيحاء وعمق الترميز، مشيراً إلى قدرتها العالية على ردم “الفجوة الوجودية” بين واقع القارئ والواقع القرائي، بأسلوب يستقطب الحواس ويشحن المتلقي بالشغف لمواصلة القراءة.

ينطلق الباحث من تجاربه القرائية ذات التأثير الوجداني الضاغط ليؤكد أن الجملة القصصية عند فاتح عبد السلام تتميز ببلاغة مكثفة وشحنات إيحائية تُقربها من الفن السينمائي. ويتجلى ذلك بوضوح في قصة (عين لندن)؛ إذ تتحول “العين” الشاهقة في الدولاب إلى بؤرة ثاقبة تستبطن التحولات النفسية والاجتماعية لرواد المكان. عبر تقنية الحوار السلس والمكثف بين الأم وابنتها، تتكشف الرؤى المتصارعة حول المدن وطبائعها؛ بين نزوع الشباب نحو الصخب المعاصر والحكمة العميقة الرامية إلى فهم بواطن الأشياء وتجاوز النظرة المتعالية.
كما يسلط علي حسين عبيد الضوء على توظيف التراث والذاكرة العراقية الشفاهية في السرد؛ إذ تتشابك رموز الصراع الأزلية بين القوة والمكر- كما في حكايات الأسد والثعلب- لتعكس الهزائم النفسية والانكسارات التي تخلفها الخيبات والحروب. وفي قصة (الشظية لا تزال في ساقي)، ترتفع وتيرة الإيحاء المؤلم لتجسد سطوة الحنين ومرارة الشتات؛ فالمقارنة الشفيفة بين ماء الوطن والمنافي، واحتدام ألم الشظية النائمة في ساق البطل مع تقلبات الطقس، تحوّل الجسد إلى وثيقة إدانات ضد بشاعة الحرب ومقذوفاتها الطائشة.
ويتتبع عبيد في قصة (الناقوس لا يقرع في الآحاد) استراتيجية تأجيل الإيحاء وتراكم الرموز لتشييد نهاية مفتوحة تحث المتلقي على خوض مغامرة التأويل. يمثل الناقوس بؤرة فزع وترقب دائم لثلاثة مسنين يعيشون على هامش الحياة؛ إذ ترتبط قرعه في غير أيام الآحاد بفاجعة فقد الأبناء في الحروب البعيدة، مما يضفي على النص بعداً تراجيدياً يشي بمصير الإنسان المعذب.
أما قصة (لحظة الاستنساخ البشري)، فيرى فيها الناقد استنساخاً سردياً للذاكرة والمشاعر؛ حيث يتم إحياء شخصية المعلم (ذو النون) والتقاط تفاصيلها الحركية والنفسية بين الموصل ولندن، متقاطعة مع رؤية “أمبرتو إيكو” في تمرير الفلسفة والأسئلة الوجودية عبر متعة التخييل الأدبي. وتكتمل هذه الرؤية في قصة (حديقة عباس في ساوث هول)، التي تبحث في لغة التواصل السرية بين الإنسان والأرض؛ فالفلاح العراقي العجوز يبادر بحرث الأرض فور وصوله، مؤكداً أن الأرض تشعر وتتبارك بلمسة مزارعها، ليقدم السرد عمقاً إنسانياً يربط الجذور بالهوية.
يخلص علي حسين عبيد في دراسته إلى أن فاتح عبد السلام يمتلك زمام جملته السردية باقتدار؛ فيصوغ من هندسة اللفظ، وموسيقى اللغة، وعمق الترميز عوالم قصصية آسرة تفرض حضورها المستدام في ذاكرة النقاد والقراء على وجه الخصوص.
تأطير الانتماء الحضاري
يستعرض النقاد والباحثون توظيف التراث في السرد المعاصر بوصفه مرتكزاً محوريّاً لبناء الهوية الثقافية وتأطير الانتماء الحضاري، وهو ما يتجلّى في الدراسة النقدية التي قدّمها الكاتب والناقد إبراهيم سبتي حول رواية «عندما يسخن ظهر الحوت» للروائي العراقي الدكتور فاتح عبد السلام.

تندرج هذه الدراسة ضمن كتاب «الهوية السردية: دراسات في روايات فاتح عبد السلام»، حيث يُسلّط إبراهيم سبتي الضوء على أبعاد النص الروائي من خلال تشريح العلاقة التأويلية بين الماضي الحاضر والتراث المعيش. وينطلق الباحث من رؤية نقديّة تُبرز التراث ليس مجرّد استذكار تاريخيّ سكوني، بل بوصفه ذاكرةً متوهجةً ووعاءً معرفيّا تتداخل فيه الأسئلة الجمالية مع الفلسفية.
تتبّع الدراسة البنية السردية للرواية من خلال التركيز على عنصرين أساسيين: المكان واللغة. فالمكان – المتمثّل في مدينة نينوى الشاخصة بآثارها الآشورية والبابليّة – يتحوّل في السرد من حَيّز واقعيّ محدَّد إلى فضاء متخيَّل يوجّه مسارات الأحداث ويرسم تمظهرات الصراع المعرفي والنفسي. أمّا اللغة، فيراها الناقد مفتاحاً سرديّاً يمارس لعبة التخاتل والتشويق بين الكاتب والقارئ؛ إذ تُشحَن المفردات بدلالات إيحائية تلزم القارئ بالإسهام في تفكيك الشفرات وتأويل النص.
تتدرج الدراسة في تحليل شخصيات الرواية، وفي مقدمتها شخصية الراوي- الطبيب النفسي والباحث المعاصر- الذي يسعى لربط
الأمراض النفسية الجارية بالأصول التاريخية والحضارية لبلاد آشـور، بتوجيه من والده الثمانيني الذي يمثّل الحكمة والإرث التاريخي. ويعرج الباحث على الانعطافات الغرائبية والسريالية داخل السرد، كتغيّر خصائص الأرض وانخساف السور الآشوري وظهور النفق الغامض وتجسّد الدمية إلى امرأة، مشيراً إلى أن هذه التوظيفات الفنية تعزز منسوب التشويق والإثارة وتدفع بالبناء الهيكلي نحو معالجة أزمة الوجود والانتماء.

وتخلص دراسة إبراهيم سبتي إلى أنَّ فاتح عبد السلام نجح في جعل التراث مكوّناً سرديّاً وركيزةً معرفية تتجاوز البعد الجمالي الصرف لتخاطب قضايا العصر. فقد استطاع العمل الروائي تقديم رؤية نقدية متماسكة تبرز قدرة الأدب على استيعاب العلوم والفلسفة وتطويعهما لخدمة الحكاية، محقِّقاً بذلك التوازن الدقيق بين المتعة الجمالية والفائدة الفكرية.
هذه إطلالة مبتسرة على تجربة الكاتب المتفرد فاتح عبد السلام، وحسنا فعل المشغل السرد العراقي حين ضيّف هذا الكاتب المختلف في واحته الاستقرائية لكي يستغور أعماق عبد السلام منجزه السردي المتواصل منذ عقود بعيدة وحتى اللحظة، ويؤشر بقوة إلى تجربته الكتابية الإبداعية وهويته السردية التي لا تشبه غيرها من الهُويات.
- دكتوراه في الإعلام – جامعة بغداد