بقايا نياندرتال في كهف بحلب

دمشق‭-‬سانا‭ : ‬قبل‭ ‬عقود،‭ ‬كشفت‭ ‬أعمال‭ ‬التنقيب‭ ‬في‭ ‬كهف‭ ‬الديدرية‭ ‬شمال‭ ‬غرب‭ ‬حلب‭ ‬عن‭ ‬بقايا‭ ‬بشرية‭ ‬عائدة‭ ‬إلى‭ ‬إنسان‭ ‬نياندرتال،‭ ‬وهو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬القدماء‭ ‬عاش‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وأجزاء‭ ‬من‭ ‬آسيا‭ ‬قبل‭ ‬عشرات‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬وأسهمت‭ ‬تلك‭ ‬الاكتشافات‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬حضور‭ ‬الموقع‭ ‬ضمن‭ ‬الدراسات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالعصر‭ ‬الحجري‭ ‬القديم‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الشام‭.‬

واليوم،‭ ‬تعود‭ ‬هذه‭ ‬البقايا‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬بفضل‭ ‬تقنيات‭ ‬تحليل‭ ‬متطورة‭ ‬أتاحت‭ ‬للباحثين‭ ‬قراءة‭ ‬تفاصيل‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬متاحة‭ ‬عند‭ ‬استخراجها‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭.‬

وخلال‭ ‬المؤتمر‭ ‬السنوي‭ ‬للجمعية‭ ‬الأوروبية‭ ‬لدراسة‭ ‬تطور‭ ‬الإنسان‭ ‬※ESHE‭ ‬2026″،‭ ‬الذي‭ ‬عقد‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬بورغوس‭ ‬الإسبانية‭ ‬بين‭ ‬17‭ ‬و19‭ ‬أيلول‭ ‬الجاري،‭ ‬عُرضت‭ ‬دراستان‭ ‬تناولتا‭ ‬أسناناً‭ ‬نياندرتالية‭ ‬من‭ ‬الكهف،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إعادة‭ ‬فحص‭ ‬بقايا‭ ‬طفل‭ ‬ثالث‭ ‬عثر‭ ‬عليه‭ ‬عام‭ ‬2009،‭ ‬في‭ ‬نتائج‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬المجموعات‭ ‬الأثرية‭ ‬المحفوظة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تواصل‭ ‬إنتاج‭ ‬معرفة‭ ‬جديدة‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬اكتشافها‭.‬

‭ ‬تناولت‭ ‬الدراسة‭ ‬الأولى،‭ ‬بمشاركة‭ ‬ماجد‭ ‬الجابر‭ ‬أبو‭ ‬فخر‭ ‬وهبة‭ ‬عاصي‭ ‬وكاترينا‭ ‬هارفاتي‭ ‬وسيرين‭ ‬الزعتري،‭ ‬أربع‭ ‬أسنان‭ ‬استخرجت‭ ‬خلال‭ ‬حفريات‭ ‬عامي‭ ‬1997‭ ‬و1998‭ ‬من‭ ‬طبقات‭ ‬موستيرية،‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬مستويات‭ ‬أثرية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالعصر‭ ‬الحجري‭ ‬القديم‭ ‬الأوسط،‭ ‬ويقدّر‭ ‬عمرها‭ ‬مبدئياً‭ ‬بنحو‭ ‬50‭ ‬إلى‭ ‬70‭ ‬ألف‭ ‬سنة‭. ‬وتشمل‭ ‬العينة‭ ‬ضرساً‭ ‬لبنياً‭ ‬سفلياً‭ ‬وضاحكين‭ ‬سفليين‭ ‬وضرساً‭ ‬دائماً،‭ ‬وأظهر‭ ‬تحليل‭ ‬نمو‭ ‬الأسنان‭ ‬ودرجة‭ ‬تآكلها‭ ‬أن‭ ‬الضرس‭ ‬اللبني‭ ‬يعود‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬إلى‭ ‬طفل‭ ‬تراوح‭ ‬عمره‭ ‬بين‭ ‬السادسة‭ ‬والتاسعة،‭ ‬فيما‭ ‬ترجح‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬الأسنان‭ ‬الدائمة‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬بالغ‭ ‬شاب‭ ‬واحد،‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لفردين‭.‬

واعتمد‭ ‬الباحثون‭ ‬على‭ ‬الفحص‭ ‬التشريحي‭ ‬والتصوير‭ ‬المقطعي‭ ‬لدراسة‭ ‬الشكل‭ ‬الخارجي‭ ‬والبنية‭ ‬الداخلية،‭ ‬وأظهرت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الصفات‭ ‬انتماء‭ ‬الأسنان‭ ‬إلى‭ ‬إنسان‭ ‬نياندرتال،‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬اختلافات‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القياسات‭ ‬مقارنة‭ ‬بعينات‭ ‬معروفة‭ ‬من‭ ‬أوروبا‭ ‬وبلاد‭ ‬الشام‭.‬

كما‭ ‬كشفت‭ ‬الدراسة‭ ‬عن‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬تشكل‭ ‬مينا‭ ‬الضرس‭ ‬اللبني،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بإجهاد‭ ‬فسيولوجي‭ ‬تعرض‭ ‬له‭ ‬الطفل‭ ‬أثناء‭ ‬نموه،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إمكان‭ ‬تحديد‭ ‬سببه‭ ‬بدقة،‭ ‬ورصد‭ ‬الباحثون‭ ‬أيضاً‭ ‬أخدوداً‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬الأضراس‭ ‬الدائمة‭ ‬يرتبط‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الأثرية‭ ‬باحتمال‭ ‬استخدام‭ ‬أدوات‭ ‬رفيعة‭ ‬لتنظيف‭ ‬الأسنان،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضيف‭ ‬بعداً‭ ‬يومياً‭ ‬وإنسانياً‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬هذه‭ ‬البقايا‭.‬

أما‭ ‬الدراسة‭ ‬الثانية،‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬أوسامو‭ ‬كوندو‭ ‬بمشاركة‭ ‬يوسف‭ ‬كنجو‭ ‬ويوشيهيرو‭ ‬نيشياكي‭ ‬وهيروتو‭ ‬ناكاتا‭ ‬وتاكيرو‭ ‬أكازاوا،‭ ‬فأعادت‭ ‬فحص‭ ‬بقايا‭ ‬طفل‭ ‬نياندرتالي‭ ‬ثالث‭ ‬استخرج‭ ‬من‭ ‬الكهف‭ ‬عام‭ ‬2009‭.‬

وعثر‭ ‬على‭ ‬البقايا‭ ‬في‭ ‬الطبقة‭ ‬الثالثة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أدوات‭ ‬حجرية‭ ‬موستيرية،‭ ‬وفي‭ ‬المستوى‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬اكتشف‭ ‬فيه‭ ‬الطفل‭ ‬الثاني،‭ ‬حيث‭ ‬تمكن‭ ‬الباحثون‭ ‬بعد‭ ‬إزالة‭ ‬الرواسب،‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬الجمجمة‭ ‬والأسنان‭ ‬والأضلاع‭ ‬والفقرات‭ ‬والحوض‭ ‬وعظام‭ ‬الطرفين‭ ‬السفليين،‭ ‬كما‭ ‬تأكدوا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬البقايا‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬فرد‭ ‬مختلف‭ ‬عن‭ ‬الطفل‭ ‬الثاني‭.‬

وباستخدام‭ ‬التصوير‭ ‬المقطعي،‭ ‬أعاد‭ ‬الفريق‭ ‬بناء‭ ‬عظم‭ ‬الفخذ‭ ‬افتراضياً،‭ ‬ما‭ ‬سمح‭ ‬بتقدير‭ ‬طوله‭ ‬ودراسة‭ ‬بنيته،‭ ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬المقارنات‭ ‬أن‭ ‬متانة‭ ‬العظم‭ ‬تقع‭ ‬بين‭ ‬القيم‭ ‬المسجلة‭ ‬لدى‭ ‬الطفلين‭ ‬الأول‭ ‬والثاني‭ ‬المعروفين‭ ‬من‭ ‬الموقع،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬فروق‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬خصائص‭ ‬العظام‭ ‬والأسنان‭ ‬والحوض‭ ‬مقارنة‭ ‬بأطفال‭ ‬الإنسان‭ ‬الحديث‭.‬

‭ ‬تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬الدراستين‭ ‬في‭ ‬أنهما‭ ‬لا‭ ‬تقدمان‭ ‬اكتشافاً‭ ‬أثرياً‭ ‬جديداً‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تعيدان‭ ‬قراءة‭ ‬مواد‭ ‬محفوظة‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬بأدوات‭ ‬أكثر‭ ‬تقدماً،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬النتائج‭ ‬لا‭ ‬تسمح،‭ ‬في‭ ‬وضعها‭ ‬الحالي،‭ ‬بافتراض‭ ‬وجود‭ ‬مجموعة‭ ‬بشرية‭ ‬مستقلة‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬الاختلافات‭ ‬التشريحية‭ ‬وحدها،‭ ‬فيما‭ ‬يبقى‭ ‬تقدير‭ ‬50‭ ‬إلى‭ ‬70‭ ‬ألف‭ ‬سنة‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بالطبقات‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬منها‭ ‬الأسنان،‭ ‬ولا‭ ‬يمثل‭ ‬تأريخاً‭ ‬مستقلاً‭ ‬لبقايا‭ ‬الطفل‭ ‬الثالث‭.‬

ويقع‭ ‬كهف‭ ‬الديدرية‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬60‭ ‬كيلومتراً‭ ‬شمال‭ ‬غرب‭ ‬حلب،‭ ‬واكتشف‭ ‬خلال‭ ‬أعمال‭ ‬المسح‭ ‬الأثري‭ ‬عام‭ ‬1987،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬فيه‭ ‬بعثة‭ ‬سورية‭-‬يابانية‭ ‬مشتركة‭ ‬أعمال‭ ‬التنقيب‭ ‬عام‭ ‬1989‭ ‬وتواصلها‭ ‬حتى‭ ‬2011‭.‬

وتتجاوز‭ ‬أهمية‭ ‬الديدرية‭ ‬حدود‭ ‬موقع‭ ‬أثري‭ ‬منفرد،‭ ‬إذ‭ ‬يقع‭ ‬ضمن‭ ‬منطقة‭ ‬بلاد‭ ‬الشام‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬عبر‭ ‬عصور‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ‭ ‬ممراً‭ ‬جغرافياً‭ ‬بين‭ ‬إفريقيا‭ ‬وآسيا‭ ‬وأوروبا،‭ ‬وجسراً‭ ‬لانتقال‭ ‬الجماعات‭ ‬البشرية‭ ‬وتفاعلها‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬الموقع،‭ ‬تكتسب‭ ‬المكتشفات‭ ‬السورية‭ ‬قيمة‭ ‬تتصل‭ ‬بتاريخ‭ ‬أوسع‭ ‬لحركة‭ ‬الإنسان‭ ‬القديم‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وتؤكد‭ ‬أهمية‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المواقع‭ ‬والمجموعات‭ ‬الأثرية‭ ‬بوصفها‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬سجل‭ ‬إنساني‭ ‬عالمي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬صفحاته‭ ‬قابلة‭ ‬للقراءة‭ ‬وإعادة‭ ‬التفسير‭.‬