
الدموع لن تعيد البكري – محمد رشيد
حين يترجل الكبار عن صهوة الحياة لا تمر رحلتهم بصمت بل تزلزل جدران الذاكرة وتترك في الأرواح فراغاً لا يملؤه سوى صدى الكلمات واليوم ترتجف القوافي ويخضل الورق حزناً على رحيل قامة ثقافية سامقة، وسارد وناقد مبدع استثنائي، هو الأستاذ سليمان البكري الذي شكل برحيله غياباً موجعاً لواحدة من أبرز الرموز التي أضافت غصناً نضراً لشجرة الإبداع الإنساني والعالمي.
قلما يمنحنا القدر فرصة لقاء شخصية تجمع بين عبقرية المبدع ونبل السلوك الإنساني والاجتماعي الراقي والمتحضر. فقد كان الراحل أباً حانياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى لولديه وسيم و وميض وابنته المحامية المتألقة وسن ورمزاً للدفء والأخلاق الرفيعة التي نفتقدها اليوم بشدة.
وفاء مستحق وذكراه الخالدة
«حسناً فعلت إدارة دار القصة العراقية حين انتقلت إلى محل سكنه في ديالى – المقدادية وكرمته بـ (قلادة الإبداع) عام 2002 في مقر اتحاد الأدباء والكتاب».
لقد شهد ذلك التكريم حضوراً لشخصيات أدبية رفيعة المستوى، ضمّت الكاتب المسرحي الراحل محي الدين زنكنه والكاتب عبد الحليم المدني رئيس اتحاد الأدباء والدكتور عناد غزوان والدكتور معتز عناد ، وغيرهم ممن أدركوا قيمة هذا الإبداع المتميز.
تلك الروح العالية والسلوك الفريد هما ما دفعاني لزيارته مرة أخرى في ظروف قاهرة وصعبة للغاية أعقبت الاحتلال حيث كان شبح القتل على الهوية والطائفية يخيم على البلاد فجئتُه محبةً وتقديراً لقامته الشامخة التي تبدو كنخل العراق الباسق الذي لا ينحني.
رحيل صامت وحزن فريد
اليوم فقط عرفت أنه غادرنا.. غادر بصمت ووجهه الضاحك يخفي في دواخله حسرات عديدة وكبيرة بحجم العراق الجريح، كونه فارق أحب الناس إلى قلبه.. زوجته الغالية أم وسيم، وفراق أولاده. وابنته و… و…
اليوم أعلن عن حزن فريد من نوعه، حزن لم أحزنه من قبل، ودموع تزخ على وجنتي كالمطر الساخن.. لكنها مهما تبتل بها الخدود تبقى حقيقة مؤلمة ومرة:
دموع لم تنصف ولن تعيد البكري.