30 أيلول .. ينتهي الإحتفال وتبدأ السيادة – علي عامر خليفة

30 أيلول .. ينتهي الإحتفال وتبدأ السيادة – علي عامر خليفة

اليوم يدخل العراق عطلة أيام السيادة، لكن 30 أيلول هذه المرة لا يبدو مجرد تاريخ يضاف إلى روزنامة العطل الرسمية، بل محطة سياسية تحمل معها أسئلة أكبر من مراسم الاحتفال. فالعراق ينتقل من مرحلة ارتبط فيها أمنه بوجود التحالف الدولي إلى مرحلة يفترض أن تكون فيها الدولة العراقية أكثر قدرة على إدارة ملفها الأمني وعلاقاتها الخارجية.لكن السؤال الأهم ليس ماذا سيقال في يوم السيادة، وإنما ماذا سيحدث في اليوم الذي يليه؟ فالسيادة لا تقاس بالخطابات، وإنما بقدرة الدولة على اتخاذ القرار وتحمل مسؤولياته. والعراق اليوم أمام فرصة لإعادة تعريف علاقته بالعالم، بعيداً عن منطق المحاور والاستقطاب. انتهاء المهمة العسكرية للتحالف لا يعني انتهاء العلاقات الدولية، بل يمكن أن يفتح الباب أمام علاقات ثنائية أوسع، تقوم على المصالح المشتركة في الأمن والاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا.ومن هنا، أعتقد أن المرحلة المقبلة ستدفع الحكومة إلى إعطاء الملف الاقتصادي مساحة أكبر. فالعراق بحاجة إلى تحويل علاقاته الدولية من علاقات يغلب عليها الطابع الأمني إلى شراكات اقتصادية طويلة الأمد، خصوصاً في الطاقة والاستثمار والنقل والبنية التحتية. فالدولة التي تريد حماية قرارها السياسي تحتاج إلى اقتصاد قادر على حماية هذا القرار.وفي الجانب الأمني، فإن انتهاء مهمة التحالف لا يعني انتهاء الحاجة إلى تطوير المؤسسة الأمنية، بل يرفع مسؤوليتها.

مواجهة تحديات

فالعراق بحاجة إلى مواصلة بناء قدراته في الاستخبارات وحماية الحدود والدفاع الجوي والتدريب والتسليح، بما يجعل الدولة أكثر قدرة على مواجهة التحديات المقبلة.ويبقى ملف القرار الأمني والسلاح من الملفات الحساسة التي تحتاج إلى معالجة هادئة ومتدرجة، بعيداً عن لغة التصادم.

فالعراق لا يحتاج إلى معركة داخلية جديدة، وإنما إلى ترسيخ مبدأ واضح: أن يكون القانون والمؤسسات الدستورية هما الإطار الذي ينظم القرار الأمني ويحفظ استقرار البلاد.أما العلاقة مع الولايات المتحدة، فمن المرجح أن تنتقل إلى مرحلة مختلفة؛ أقل ارتباطاً بالوجود العسكري وأكثر ارتباطاً بالمصالح السياسية والاقتصادية والأمنية. وفي المقابل، سيبقى العراق بحاجة إلى علاقات متوازنة مع محيطه العربي والإقليمي والدولي، من دون أن يتحول إلى ساحة صراع بين الآخرين.وهنا تكمن قيمة السياسة الخارجية العراقية: أن يتحدث العراق مع الجميع، ويتعاون مع الجميع، لكنه لا يسمح بأن تكون مصلحته الوطنية رهينة لأحد.ومع ذلك، تبقى كل هذه الملفات ناقصة إذا لم يشعر المواطن بأن السيادة انعكست على حياته اليومية. فالمواطن لا يقيس قوة الدولة بالبيانات، وإنما بحضور القانون، وتحسن الخدمات، ومحاربة الفساد، وفرص العمل، وكفاءة مؤسسات الدولة.لهذا أرى أن 30 أيلول يجب ألا يكون نهاية قصة، بل بداية اختبار.غداً تنتهي مراسم الاحتفال، وتعود المؤسسات إلى عملها، وتبدأ الأسئلة الحقيقية: هل يستطيع العراق أن يحمي قراره؟ هل يستطيع تحويل علاقاته الدولية إلى مصالح اقتصادية؟ وهل يستطيع بناء دولة يكون القانون فيها هو المرجعية الجامعة؟فالسيادة ليست أن تمتلك الدولة قرارها فقط، بل أن تمتلك القدرة على إدارته وتحمل نتائجه.

ولهذا، فإن أهمية 30 أيلول لن تظهر في يوم الاحتفال، وإنما في اليوم الذي يليه. هناك يبدأ الامتحان الحقيقي للعراق.

  باحث قانوني