

فاروق الدباغ
في الثلاثين من أيلول، يصل العراق إلى محطة سياسية وأمنية انتظرها طويلاً: انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي وفق الجدول المتفق عليه بين بغداد وواشنطن.
الحكومة العراقية قدّمت هذا الموعد باعتباره بداية مرحلة جديدة، تنتقل فيها العلاقة مع الولايات المتحدة ودول التحالف من الوجود العسكري إلى الشراكات الثنائية، وتصبح فيها مؤسسات الدولة العراقية مسؤولة بصورة أكبر عن أمن البلاد وحدودها وقرارها العسكري.
لكن قبل أيام قليلة فقط من هذا الموعد، جاءت حادثة لتطرح سؤالاً أكثر تعقيداً من مشهد مغادرة الجنود الأجانب.
ففي أيلول، تعرض خط أنابيب النفط السعودي شرق–غرب لهجمات بطائرات مسيّرة. أعلنت الرياض أن المسيّرات جاءت من الأراضي العراقية، ثم أكدت السلطات العراقية بعد التحقيق أن الهجمات انطلقت بالفعل من داخل محافظة ميسان. وأعلن مكتب رئيس الوزراء إعفاء قائد عمليات المحافظة وتشكيل مجلس تحقيقي، فيما عثرت الأجهزة الأمنية لاحقاً على موقع ومنصة استخدمت لإطلاق المسيّرات. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.
الحادثة لم تكن مجرد مشكلة أمنية عابرة بين العراق والسعودية.
لقد أعادت إلى الواجهة السؤال الذي سيصبح أكثر إلحاحاً بعد 30 أيلول:
من يملك قرار استخدام القوة داخل العراق؟
فالسيادة لا تُقاس فقط بعدد الجنود الأجانب الموجودين على الأرض، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على معرفة من يحمل السلاح، ومن يأمر باستخدامه، ومن يستطيع إطلاق صاروخ أو طائرة مسيّرة، ومن يتحمل المسؤولية عندما تعبر هذه الأسلحة الحدود.
وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات المرحلة العراقية الجديدة وضوحاً.
فبينما يقترب موعد انتهاء مهمة التحالف، ما زال مشروع حصر السلاح بيد الدولة في بدايته.
وفي آب الماضي، اضطر مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي إلى توضيح مسألة أثارت كثيراً من الالتباس. قال إن 30 أيلول هو موعد انتهاء وجود التحالف الدولي، وليس الموعد النهائي لتسليم الفصائل أسلحتها. وأضاف أن هذا التاريخ يمثل بداية مرحلة التفاهمات المتعلقة بحصر السلاح، وأن العملية تحتاج إلى وقت وحوار.
ثم ظهر في أيلول جدول زمني أطول.
رئيس الوزراء علي الزيدي طرح خطة مرحلية تستهدف الوصول إلى حصر السلاح بحلول 30 حزيران 2027. وتشمل الخطة، وفق ما أعلن، مرحلة أولى من التهدئة لمدة تسعين يوماً، تعقبها خطوات تدريجية تتعلق بالسلاح والجماعات المسلحة.
هذا لا يعني أن الحكومة تخلت عن هدف حصر السلاح.
لكنه يعني أن هناك فارقاً واضحاً بين موعد خروج التحالف وبين موعد اكتمال سيطرة الدولة على السلاح.
وهذا الفارق هو جوهر اختبار السيادة القادم.
لأن خروج القوة الأجنبية يزيل جزءاً من المشكلة، لكنه يضع على الدولة العراقية مسؤولية أكبر.
فمنذ سنوات، بررت بعض الجماعات المسلحة احتفاظها بالسلاح بوجود القوات الأجنبية وبالحاجة إلى «المقاومة». ومع انتهاء مهمة التحالف، تقول الحكومة إن هذا المبرر يفترض أن يتراجع، وإن مؤسسات الدولة يجب أن تصبح المرجعية الوحيدة لاستخدام القوة. رئيس الوزراء نفسه سبق أن أكد أن حكومته لا تريد قبول وجود «دولة داخل الدولة»، وأن احتكار الاستخدام الشرعي للقوة جزء أساسي من برنامجها.
لكن هذا الاختبار لا يتعلق بالفصائل وحدها.
ففي إقليم كردستان يظهر سؤال آخر: هل تستطيع الدولة العراقية أن تملأ الفراغ الأمني الذي يتركه التحالف؟
رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني عبّر عن قلقه من أن يؤدي الانسحاب إلى ترك كردستان من دون منظومات دفاع جوي كافية أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة. وقد اعترض مكتبه على بعض الصياغات التي استخدمتها صحيفة Financial Times في عرض مقابلته، لكنه أكد جوهر موقفه: أن ترك الإقليم من دون دفاع مناسب يجعله أكثر عرضة للهجمات.
وهنا يصبح مفهوم السيادة أوسع من مجرد مغادرة آخر جندي أجنبي.
السيادة تعني أن تستطيع الدولة حماية أجوائها.
وأن تمنع استخدام أراضيها لضرب جيرانها.
وأن تعرف من يمتلك الصواريخ والمسيّرات.
وأن تستطيع التحقيق والمحاسبة عندما تستخدم.
وأن يكون قرار الحرب والسلم صادراً عن مؤسسة دستورية واحدة، لا عن عدة مراكز تمتلك كل منها أدواتها العسكرية وحساباتها وتحالفاتها.
لهذا فإن 30 أيلول يمكن أن يكون بالفعل يوماً مهماً في التاريخ السياسي العراقي.
لكنه ربما لا يكون نهاية اختبار السيادة، بل بدايته.
لأن السؤال الأصعب لن يُطرح في اللحظة التي يغادر فيها التحالف، وإنما في اليوم التالي.
في الأول من تشرين الأول، عندما لم يعد بالإمكان تفسير وجود السلاح الموازي بوجود قوات أجنبية، وعندما تصبح حماية الحدود والأجواء ومنع الهجمات مسؤولية عراقية مباشرة، سيبدأ اختبار أكثر عملية.
ليس السؤال عندها:
هل غادر التحالف؟
بل:
هل أصبحت الدولة العراقية قادرة على أن تكون صاحبة القرار الوحيد عندما يُستخدم السلاح باسم العراق أو من فوق أرضه؟
قد تكون السيادة سهلة الاحتفال في يوم محدد من التقويم.
أما تحويلها إلى مؤسسات وقانون وحدود محمية وقرار أمني واحد، فهو المشروع الذي سيبدأ عندما تنتهي الاحتفالات.
المصادر :
1. وكالة الأنباء العراقية «واع» – تأكيد انتهاء مهمة التحالف الدولي في 30 أيلول 2026: “وكالة الأنباء العراقية” (https://reference-url-citation.invalid/6)
2. وكالة الأنباء العراقية – تصريحات رئيس الوزراء بشأن حصر السلاح ومرحلة ما بعد التحالف: “تصريحات رئيس الوزراء” (https://reference-url-citation.invalid/7)
3. Reuters – الهجمات على خط الأنابيب السعودي وانطلاق المسيّرات من العراق: “Reuters – الهجوم على خط شرق–غرب” (https://reference-url-citation.invalid/8)
4. 964media – توضيح قاسم الأعرجي أن 30 أيلول يتعلق بالتحالف وليس الموعد النهائي لتسليم السلاح: “964media – تصريحات الأعرجي” (https://reference-url-citation.invalid/9)
5. Kurdistan24 – الخطة المرحلية لحصر السلاح حتى 30 حزيران 2027: “Kurdistan24 – خطة حصر السلاح” (https://reference-url-citation.invalid/10)
6. Shafaq News – توضيحات مكتب مسرور بارزاني بشأن الانسحاب والدفاع الجوي: “Shafaq News – موقف حكومة إقليم كردستان” (https://reference-url-citation.invalid/11)