سيارة‭ ‬ومفارقة-عدنان أبوزيد

في‭ ‬مفارقة‭ ‬لافتة،‭ ‬حققت‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الغربية،‭ ‬الهولندية‭ ‬مثلاً،‭ ‬الشعارات‭ ‬الخمسة‭ ‬التاريخية‭ ‬للاشتراكية‭: ‬سكن‭ ‬للجميع،‭ ‬وعلاج‭ ‬للجميع،‭ ‬وعمل‭ ‬أو‭ ‬دخل‭ ‬للجميع،‭ ‬وتعليم‭ ‬مجاني‭ ‬للجميع،‭ ‬وألا‭ ‬ينام‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬جوعاً،‭ ‬لكن‭ ‬بآلية‭ ‬معاكسة‭ ‬تماماً‭.‬

الاشتراكية‭ ‬قالت‭: ‬نملك‭ ‬المصانع‭ ‬ونوزع‭ ‬الأرباح‭ ‬بالتساوي‭. ‬فكانت‭ ‬النتيجة‭ ‬السوفيتية‭ ‬مساواة‭ ‬في‭ ‬الفقر،‭ ‬لأن‭ ‬المصنع‭ ‬المملوك‭ ‬للدولة‭ ‬أصبح‭ ‬غير‭ ‬منتج‭ ‬ويعمل‭ ‬بخطة‭ ‬من‭ ‬موسكو‭ ‬لا‭ ‬بحسب‭ ‬حاجة‭ ‬السوق‭.‬

أما‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الهولندية‭ ‬فقالت‭: ‬نترك‭ ‬المصنع‭ ‬خاصاً‭ ‬ينافس‭ ‬ويحقق‭ ‬أرباحاً‭ ‬ضخمة،‭ ‬ثم‭ ‬نأخذ‭ ‬من‭ ‬ربحه‭ ‬ضريبة‭ ‬ونبني‭ ‬بها‭ ‬سكناً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬ومستشفى‭ ‬ومدرسة‭.‬

باختصار،‭ ‬الاشتراكية‭ ‬حاولت‭ ‬توزيع‭ ‬الثروة‭ ‬قبل‭ ‬خلقها،‭ ‬والرأسمالية‭ ‬الغربية‭ ‬خلقتها‭ ‬أولاً‭ ‬ثم‭ ‬وزعت‭ ‬جزءاً‭ ‬منها‭.‬

لهذا‭ ‬ترى‭ ‬العاطل‭ ‬لديه‭ ‬بيت‭ ‬ودخل،‭ ‬ومدمن‭ ‬المخدرات‭ ‬لديه‭ ‬عيادة‭ ‬ورعاية‭ ‬وراتب،‭ ‬لأن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ينتج‭ ‬فائضاً‭ ‬كافياً‭.‬

وهذا‭ ‬سبب‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الأحزاب‭ ‬الاشتراكية‭ ‬الهولندية‭ ‬نفسها،‭ ‬مثل‭ ‬PvdA‭ ‬GroenLinks،‭ ‬لا‭ ‬تطالب‭ ‬بإلغاء‭ ‬الرأسمالية،‭ ‬بل‭ ‬بزيادة‭ ‬الضرائب‭ ‬عليها،‭ ‬لأنها‭ ‬تعلم‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬شركات‭ ‬خاصة‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬مال‭ ‬للتوزيع‭.‬

نفس‭ ‬المنطق‭ ‬يفسر‭ ‬نجاح‭ ‬الصين‭ ‬وفشل‭ ‬روسيا‭.‬

الصين،‭ ‬مع‭ ‬الزعيم‭ ‬بينغ،‭ ‬منذ‭ ‬1978،‭ ‬طبقت‭ ‬شعار‭: “‬ليس‭ ‬مهماً‭ ‬لون‭ ‬القطة،‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬تصطاد‭ ‬الفأر‭”‬،‭ ‬وأطلقت‭ “‬اشتراكية‭ ‬بخصائص‭ ‬صينية‭”: ‬سمحت‭ ‬بالملكية‭ ‬الخاصة‭ ‬والشركات‭ ‬الأجنبية‭ ‬ومناطق‭ ‬خاصة‭ ‬مثل‭ ‬شنتشن،‭ ‬واحتفظت‭ ‬الدولة‭ ‬بالقطاعات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬فقط‭.‬

انفتحت‭ ‬على‭ ‬الغرب‭ ‬لتصبح‭ ‬مصنع‭ ‬العالم،‭ ‬مع‭ ‬إصلاح‭ ‬اقتصادي‭ ‬دون‭ ‬إصلاح‭ ‬سياسي،‭ ‬وحزب‭ ‬متماسك‭ ‬قمع‭ ‬معارضة‭ ‬1989،‭ ‬فمنح‭ ‬استقراراً‭ ‬للمستثمر‭.‬

بينما‭ ‬بقي‭ ‬السوفييت‭ ‬في‭ ‬تخطيط‭ ‬مركزي‭ ‬وسباق‭ ‬تسلح‭ ‬وحرب‭ ‬أفغانستان،‭ ‬وحاول‭ ‬غورباتشوف‭ ‬الإصلاح‭ “‬بريسترويكا‭”‬،‭ ‬فانهار‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي،‭ ‬وانقسم‭ ‬الجيش‭ ‬والحزب،‭ ‬وطالبت‭ ‬الجمهوريات‭ ‬الـ15‭ ‬بالاستقلال‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬بدأت‭ ‬زراعية‭ ‬فقيرة‭ ‬بعمالة‭ ‬رخيصة‭ ‬سهلة‭ ‬النمو،‭ ‬بينما‭ ‬روسيا‭ ‬كانت‭ ‬قوة‭ ‬صناعية‭ ‬عسكرية‭ ‬متخمة‭ ‬يصعب‭ ‬تفكيكها‭.‬

هولندا‭ ‬إذن‭ ‬ليست‭ ‬اشتراكية،‭ ‬بل‭ ‬دولة‭ ‬رفاه‭ ‬رأسمالية،‭ ‬بشركاتها‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬Philips‭ ‬Shell‭ ‬Heineken،‭ ‬حيث‭ ‬السوق‭ ‬يحدد‭ ‬الأسعار‭ ‬والرواتب،‭ ‬والملكية‭ ‬الخاصة‭ ‬مقدسة‭.‬

هولندا‭ ‬تمول‭ ‬شبكتها‭ ‬على‭ ‬ثلاث‭ ‬قواعد‭ ‬رأسمالية‭: ‬ضرائب‭ ‬عالية‭ ‬جداً‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬37‭%‬،‭ ‬وإنتاجية‭ ‬فردية‭ ‬عالية،‭ ‬وفكرة‭ ‬التأمين‭ ‬لا‭ ‬الصدقة‭.‬

حتى‭ ‬علاج‭ ‬المدمن‭ ‬ليس‭ ‬منطقاً‭ ‬اشتراكياً،‭ ‬بل‭ ‬رأسمالي‭ ‬براغماتي،‭ ‬مبدؤه‭ “‬تقليل‭ ‬الضرر‭”‬،‭ ‬لأنه‭ ‬أرخص‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬تركه‭ ‬يسرق‭ ‬ويمرض‭ ‬ويدخل‭ ‬الشرطة‭ ‬والمستشفى‭ ‬والمحاكم‭.‬

إنه‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الاشتراكية‭ ‬بسيارة‭ ‬الرأسمالية‭.‬