أمريكا بين “محو العراق” و “محو إيران” – فارس الخطاب

 فارس الخطاب

بدى تعبير الرئيس الأمريكي الأخير حول الخيار العسكري المتصاعد تجاه حسم الحرب مع إيران والذي كرر فيه عبارة “سنمحو إيران”، بدى وكأنه قادم من خطط الولايات المتحدة تجاه حربها على العراق 2003 والتي وضعت فارقاً كبيراً بين إسقاطها النظام السياسي هناك وإعادة تشكيل الدولة وبين أن تهزم جيشاً ثم تترك بلداً كاملاً يبحث، وسط الركام، عن مؤسساته وذاكرته وتوازنه الاجتماعي.

من خيار إسقاط النظام وتفكيك الدولة في العراق عام 2003، انطلق كتاب “محو العراق” (Erasing Iraq: The Human Costs of Carnage) لمؤلفيه الأمريكي مايكل أوترمان، والأستراليين ريتشارد هيل وبول ويلسون، والصادر عن دار Pluto Press في لندن عام 2010.

العنوان وحده ربما يكفي لبيان ماهية مغزى هذه التسمية فهل المقصود منها احتلال أرضه؟ أم إسقاط نظامه؟ أم أن المؤلفين يتحدثون عن شيء أعمق وأبلغ تمثل في إضعاف البنية التي تجعل من العراق دولة قوية ومجتمعاً واعيا متمسكاً باستقلاله وإنجازاته وهوية متصلة بتاريخها؟

الكتاب لا يروي تاريخ حرب 2003 بالمعنى التقليدي، ولا يضع مرآةً للعمليات العسكرية الأمريكية، بل يحاول النظر إلى ما حدث من الجهة الأخرى لهذه المرآة أي من جهة الثمن الذي دفعه، وما زال شعب العراق. ولهذا جاءت فصوله بعناوين دالة: “العراقيون تحت الحصار”، “أصوات اللاجئين”، “إسكات المدنيين”، “الجثث الميتة التي لم تُحص، “،تكريس الطائفية والمحاصصة” ثم الفصل الأكثر ارتباطاً بعنوان الكتاب: “الإبادة الاجتماعية العراقية” – Iraqi Sociocide.
اثبت المؤلفون بالوثائق أن مأساة العراق المعاصر لا يمكن اختزالها في يوم سقوط بغداد، بل هي مرتبطة بمسار الأحداث إلى حرب الخليج عام 1991، ثم سنوات العقوبات الدولية الطويلة، وصولاً إلى غزو عام 2003 والاحتلال وما أعقبه من عنف ونزوح واضطراب مؤسسات الدولة.

وبذلك تصبح المأساة، في قراءة الكتاب، عملية تراكمية: حروب، حصار، تدهور اقتصادي واجتماعي، ثم غزو واحتلال وانهيار أمني وصراع داخلي. لكنهم وحتى لا تبدو طروحاتهم وكأنها غير محايدة يرون أن مسؤولية ما أصاب العراق لا يمكن تحميلها لطرف واحد؛ فالقوى السياسية العراقية التي حكمت بعد 2003 مسؤولة عما وقع لاحقاً من فساد وصراع طائفي وسوء إدارة.
وبدلاً من تكرار أدوار البيت الأبيض والبنتاغون ومجلس الأمن في جريمة إحتلال العراق بحرب غير قانونية، ركز الكتاب على اللاجئين العراقيين في سوريا والأردن والغرب، وإلى المدنيين الذين عاشوا الحرب من الداخل. ونقل مقابلات معمقة مع لاجئين عراقيين، وهو ما يجعل الشهادة الإنسانية جزءاً رئيسياً من بناء الكتاب، إلى جانب الدراسات والتقارير والإحصاءات.

الحرب، من منظور الكتاب، ليست بياناً عسكرياً يعلن السيطرة على مدينة، وإنما ماذا خلفت هذه الحرب؛ منزل مهجور، وأسرة مشتتة، وطفل انقطع عن مدرسته، وطبيب غادر بلده، وأستاذ جامعي يبحث عن مكان آخر يعيش فيه. من هنا يبدأ مفهوم “المحو” في اكتساب معناه الأخطر؛ فالبلد لا يفقد سكاناً فحسب عندما يهاجر أبناؤه؛ إنه يفقد معهم خبرات تراكمت على مدى عقود: أطباء ومهندسين وأساتذة جامعات وعلماء وفنانين وأصحاب مهن وكفاءات وهجرة هؤلاء ليست رقماً ديموغرافياً فقط، بل خسارة في رأس المال البشري والاجتماعي للدولة.
كم عراقياً مات؟

يخصص فصلاً كاملاً لمسألة أعداد الضحايا، وهي واحدة من أكثر قضايا حرب العراق إثارة للجدل. واللافت أن الخلاف لم يكن حول وجود كارثة إنسانية، بل حول حجمها وكيفية قياسها حيث ظهرت بعد الغزو تقديرات مختلفة جداً لعدد العراقيين الذين لقوا حتفهم، بسبب اختلاف المناهج المستخدمة: بعض الدراسات اعتمدت المسوح الأسرية والعينات الإحصائية، بينما اعتمدت مشاريع أخرى توثيق الوفيات التي أمكن التحقق منها من مصادر صحفية وطبية ورسمية ولهذا لا يمكن علمياً أخذ الرقم الأعلى باعتباره الحقيقة المطلقة، مثلما لا يمكن أخذ الرقم الأدنى باعتباره الحصيلة النهائية فالضحايا الذين لا يدخلون الإحصاءات لا يعودون إلى الحياة بسبب غياب أسمائهم عنها.

أخطر ما يساعد على فهم عنوان الكتاب ربما لا يوجد في أرقام الضحايا وحدها، بل في القرارات التي اتخذت في الأيام الأولى للاحتلال؛ ففي 16 مايو/أيار 2003 أصدر الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر الأمر رقم (1) لسلطة الائتلاف المؤقتة بعنوان “اجتثاث البعث من المجتمع العراقي”.

كان الهدف المعلن منع عودة قيادات حزب البعث إلى مواقع السلطة. ونص القرار على إبعاد كبار أعضاء الحزب عن وظائف القطاع العام، وعلى فحص كبار المسؤولين في مؤسسات الدولة بشأن ارتباطهم بالحزب. وبعد سبعة أيام فقط صدر الأمر رقم (2): “حل الكيانات”. وهذه المرة كان القرار أوسع؛ فقد شمل حل وزارة الدفاع ووزارة الإعلام وأجهزة الأمن والاستخبارات والمخابرات، وحل الجيش والقوة الجوية والبحرية والدفاع الجوي والحرس الجمهوري والحرس الجمهوري الخاص، إضافة إلى مؤسسات وتشكيلات أخرى تابعة للنظام السابق. ومن هنا يبرز السؤال الذي يجعل العودة إلى “محو العراق” ضرورية: هل كان المطلوب إسقاط نظام صدام حسين، أم إزالة جزء كبير من البناء المؤسسي للدولة التي كان ذلك النظام يحكمها؟ والفرق كبير بين الأمرين؛ فحل مؤسسات كاملة قبل وجود بدائل مستقرة، فقد فتح نقاشاً تاريخياً واسعاً حول أثر تلك القرارات في الفراغ الأمني والإداري الذي أعقب الغزو.
لجنة التحقيق البريطانية في حرب العراق، المعروفة بلجنة تشيلكوت، أكدت أن الأمر رقم (1) صدر في 16 مايو 2003، وأنه أخرج كبار أعضاء حزب البعث من وظائف القطاع العام ومنعهم من العودة إليها، وشمل التدقيق في كبار المسؤولين داخل المؤسسات العامة. وهذا يعطينا أساساً وثائقياً مهماً لفهم ما حدث، بعيداً عن الشعارات المؤيدة للحرب أو المعارضة لها.

عنوان الكتاب، ووثائقه تقود إلى استنتاج أن الولايات المتحدة وضعت مسبقاً خطة متكاملة هدفها محو العراق. وأهم هذه الوثائق تلك المتعلقة

في الفصل الأخير عندما استخدم المؤلفون مصطلح Sociocide والذي فسروه على أنه يقصد: تدمير البنية التي تجعل المجتمع العراقي قادراً على إعادة إنتاج نفسه والاستمرار: التعليم، الثقافة، الطبقة الوسطى، المؤسسات، الأقليات، العلاقات الاجتماعية، التراث والذاكرة الجمعية. وفي هذا الفصل يتوسع المؤلفون فتناولوا الأطفال والنساء والأقليات والنزوح ونهب التراث والاضطراب الاجتماعي والثقافي وكيف إنه انتقل من حساب عدد الأبنية التي دُمرت خلال الحرب وبعدها إلى السؤال عن الإنسان والمجتمع اللذين كانا يسكنان تلك الأبنية. فإعادة بناء جسر قد تستغرق أشهراً، وإعادة بناء وزارة ربما تستغرق سنوات، لكن إعادة تكوين طبقة علمية وثقافية ومهنية هاجرت أو تشتتت قد تحتاج جيلاً كاملاً.

الكتاب لم يعف العراقيين الذين تولوا السلطة بعد احتلال العراق من مسؤولياتهم. فالولايات المتحدة مسؤولة عن قرارات اتخذتها بصفتها قوة احتلال، وعن السياسات التي أدارت بها المرحلة الأولى بعد سقوط النظام.

لكن مرور السنوات نقل قدراً متزايداً من المسؤولية إلى النخب العراقية التي أمسكت بمؤسسات الدولة. ويطرح سؤالاً مفاده: ماذا فعل العراقيون الذين ارتضوا احتلال بلادهم بالعراق الذي تسلموه بعد الاحتلال؟ فالفساد والمحاصصة وإضعاف المؤسسات وهدر المال العام والصراعات السياسية والطائفية والتفريط بالسيادة الوطنية لا يمكن تفسيرها إلى الأبد بقرار أصدره بول بريمر عام 2003 فالاحتلال أسهم في تشكيل البيئة الجديدة، لكن القوى العراقية التي حكمت داخل هذه البيئة أصبحت هي الأخرى طرفاً في صناعة النتائج، وهذه الحقيقة تجعل مأساة العراق أكثر تعقيداً، لأنها تمنع اختزال التاريخ في جلاد، واحد، وضحية، واحدة.

الآن، وبعد 23 عاماً على إحتلال العراق من الجانبين الأمريكي ثم القوى السياسية الموالية بإغلبها لإيران ينظر إليها من زاويتين الأولى أن الحرب بوجهها العسكري قد تنتهي وتغادر الجيوش الغازية، وقد تتغير الحكومات. لكن نتائج الحرب قد تبقى في المدرسة والجامعة والمستشفى، وفي هجرة الكفاءات، وفي علاقة المواطن بالدولة وفي ولادة فصائل مسلحة ولائها لدولة أخرى، تحمي وتسيطر على أكثر الحكومات ومجالس النواب المتعاقبة وتؤمن الخوف بين مكونات المجتمع وبينها، وفي ذاكرة جيل كامل وربما أكثر.
إذن الحرب على العراق لم تمُحه من الخريطة فالعراق أقدم وأعمق من أن تمحوه حرب، لكن نتائجها المدروسة تضع أمامنا سؤالا: كم

من العراق الذي كان قائماً قبل تلك الحروب بقي بعدها، وكم منه ضاع، ومن يتحمل مسؤولية ما ضاع؟

ترى هل وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقناعة نهائية بــ(محو إيران)؟ وهل أكملت المخابرات المركزية الأمريكية بناء قناعاتها أن هناك ممن هم داخل وخارج إيران مستعدين لتولي إدارة شؤون البلاد تماما كما فعل المعارضون العراقيون الذين جمعتهم واشنطن ولندن من هنا وهناك ليشكلوا واجهة الحكم التي تستّر خلفها قادة الغرب، ثم هل أكملت وزارة الدفاع ما يشبه خطط “الصدمة والترويع” التي مارست فيها أمريكا أشد وأعنف الصواريخ والأسلحة الفتاكة على مدن آمنة في مدن العراق بتوجيهات من رامسفيلد وكونداليزا رايس؟ قادم الأيام ربما ستكون حبلى بالتطورات بأشكال قد تتجاوز إيران إلى محيط أوسع وأشمل.