تجاني حبشي لـ الزمان :العالم الذي يتكون فيه النص هو عالم ذهني

 

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل

 

لم تعد اللغة، في الفكر اللساني الحديث، مجرد مجموعة من الكلمات والقواعد التي تنتظم داخل جمل يمكن وصفها وتحليلها، بل أصبحت واقعة إنسانية أكثر تعقيدا؛ فهي نظام، واستعمال، وسياق، وقصد، وذاكرة، وتواصل، وتأويل، وربما قبل ذلك كله طريقة يتشكل بها وعينا بالعالم. ولعل تاريخ اللسانيات نفسه يمكن أن يقرأ بوصفه تاريخا متدرجا لاكتشاف ما كان مختبئا خلف الجملة: فكلما بدا أن اللغة قد أمكن الإمساك بها داخل قاعدة، ظهر سؤال جديد يكشف أن ما تركناه خارج القاعدة هو بالضبط ما يمنح الكلام حياته.

 

إن الحوار مع مع الأستاذ الدكتور تجاني حبشي \جامعة الجلفة /الجزائر هومحاولة للعودة إلى الأسئلة التي دفعت اللسانيات إلى تغيير موضوعها وأدواتها وحدودها. فإذا كانت الجملة قد شكلت زمنا طويلا وحدة أساسية في التفكير اللغوي، فماذا يحدث حين نكتشف أن الجملة لا تقول كل شيء، وأن معناها كثيرا ما يتوقف على ما يسبقها وما يليها، وعلى من قالها، ولمن قيلت، ولماذا قيلت، وفي أي لحظة ومقام؟ هل كان ظهور لسانيات النص مجرد توسعة طبيعية لمجال البحث، أم أنه كان إعلانا عن تحول أعمق في تصورنا للغة نفسها؟

 

لكن الانتقال من الجملة إلى النص لا ينهي السؤال؛ بل يضاعفه. فالنص، مهما بدا مكتفيا بذاته، لا يعيش في فراغ. وراءه مؤلف بقصد أو بغير قصد، وأمامه قارئ بتجربته وانتظاراته ومعرفته، وحوله سياق اجتماعي وثقافي وتاريخي. ومن هنا تتقدم التداولية لتسأل عما تفعله اللغة حين تستعمل، ويتقدم التأويل ليسأل عما يمكن أن يعنيه ما قيل، بينما تفتح الجماليات سؤالا آخر أكثر مراوغة: كيف تتحول البنية اللغوية إلى أثر جمالي، ولماذا يستطيع نص واحد أن يقول شيئا مختلفا لكل قارئ من دون أن يفقد هويته؟

 

ولعل الأدب هو المختبر الأكثر قسوة لهذه الأسئلة؛ لأنه لا يستعمل اللغة لكي يقول فقط، وإنما يستطيع أن يخفي وهو يقول، وأن يوحي بما لا يصرح به، وأن يخرق توقعات القارئ عمدا، وأن يجعل الصمت جزءا من الكلام، والفراغ جزءا من البنية، والانقطاع طريقة في بناء الاستمرار. فهل يستطيع التحليل اللساني أن يلاحق هذه المستويات كلها؟ وأين تنتهي قدرة اللسانيات على الوصف، ويبدأ دور التأويل والنقد والجماليات؟ وهل كل خرق لقواعد النصية علامة على فشل في بناء النص، أم أن الأدب العظيم قد يكون، في بعض لحظاته، هو الفن الذي يعرف أي قاعدة ينبغي أن يكسر، ومتى، ولماذا؟

 

ثم هناك السؤال الأهم هل المعنى موجود في الكلمات، أم أن الكلمات لا تفعل شيئا إلا حين تدخل في علاقات؟ هل تحمل الكلمة معناها معها كما يحمل الإنسان اسمه، أم أنها لا تعرف معناها الكامل إلا عندما تصل إلى جملة وسياق وذاكرة وقارئ؟ وإذا كان المعنى وليد شبكة من العلاقات، فهل يمكن أن نتحدث أصلا عن معنى ثابت ومستقل، أم أننا لا نملك إلا إمكانات دلالية تتحول إلى معان بحسب الاستعمال والمقام والتأويل؟

 

وعندما نصل إلى هذه النقطة، لا يعود ممكنا أن نتحدث عن النص وحده. فالنص يخرج من ذهن، ويدخل إلى ذهن آخر، وبين الذهنين تقع اللغة بكل تاريخها وثقافتها وإشاراتها وذاكرتها. وهنا تفتح اللسانيات العرفانية بابا جديدا: ماذا يحدث للغة قبل أن تصبح كلاما؟ وكيف تتفاعل الكلمات مع الصور الذهنية والإدراك والذاكرة والخبرة الحسية؟ وهل نفهم العالم ثم نعبر عنه باللغة، أم أن اللغة نفسها تشارك في تشكيل الطريقة التي يصبح بها العالم قابلا للفهم؟

 

لهذا يبدأ هذا الحوار من سؤال يبدو لغويا في ظاهره، لكنه سرعان ما يتحول إلى سؤال عن الإنسان. من الجملة إلى النص، ومن النص إلى السياق، ومن السياق إلى المتكلم والقارئ، ومنهما إلى التأويل، ثم من التأويل إلى الذهن والعالم، تتحرك الأسئلة كما لو أن اللغة ترفض في كل مرة أن تقيم في الحدود التي رسمناها لها. وكلما حاول العلم أن يحدد موضعها، كشفت هي عن منطقة أخرى تتصل بالفكر أو المجتمع أو النفس أو الأدب أو الفلسفة.

 

ولذلك فإن هذا الحوار لا يسأل فقط: كيف تعمل اللغة؟ بل يحاول أن يذهب إلى السؤال الأبعد: ماذا تكشف الطريقة التي تعمل بها اللغة عن الطريقة التي يعمل بها الإنسان؟ فإذا كانت الجملة قد عجزت عن أن تكون الوحدة النهائية للمعنى، وإذا كان النص لا يكتمل إلا بسياقه وقارئه، وإذا كان المعنى لا يستقر إلا داخل ذهن يؤوله، فربما لم تكن رحلة اللسانيات من الجملة إلى النص مجرد توسع في موضوع العلم، بل رحلة اكتشاف متدرج لحقيقة أكثر عمقا: أن اللغة ليست شيئا نملكه ونستعمله فحسب، وإنما فضاء نوجد داخله، ونفكر من خلاله، ونرى العالم عبره، ونحاول به أن نقول للآخر ما نعجز أحيانا عن قوله لأنفسنا.

ومن هنا يبدأ الحوار مع الأستاذ الدكتور تجاني حبشي \جامعة الجلفة /الجزائر

إذا كانت الجملة قد عجزت عن أن تكون الوحدة النهائية لفهم المعنى، فهل كان ظهور لسانيات النص مجرد توسعة لموضوع اللسانيات، أم أنه انقلاب على تصورنا القديم لماهية اللغة نفسها؟

ننطلق في الإجابة عن هذا السؤال بالقول أن اللغة البشرية حظيت بنصيب وافر من الاهتمام والدراسة، وظهرت مدارس عديدة عبر فترات زمانية م ختلفة تسعى لفهم نظامها، ومعرفة خصائصها وميزاتها، غير أن الثورة الحقيقية التي شهدها التفكير اللغوي المعاصر كانت على يد فردناند دي سوسير، الذي أرسى قواعد اللسانيات ، وتضمن موضوعها دراسة اللسان . واتجهت الدراسات والأبحاث في مجال اللسانيات نحو التألق والازدهار . وقد ظلت اللسانيات خلال فترة طويلة من الزمن تكتفي بقسمين تقليدين أساسيين هما: النحو التركيبي؛ الذي يدرس علاقة العلاقات اللغوية بعضها ببعض . والدلالي؛ الذي يبحث في علاقات العلامات اللغوية بالمعاني التي تدل عليها، وهي على رأي عبد السلام المسدي تعتـزم الولوج إلى بنـية النص الدلالية من خلال بنيـته التركيبية. ومهما يكن فقد كان هذان الفرعان يطمحان إلى وصف كل اللغة البشرية.. غير أن ما يلاحظ هو أنها أقصت من دراستها الجانب الحي في اللغة، وهو الاستعمال المتمثل في الكلام  واهتمت أساسا بدراسة نظام اللغة دون الاعتداد بنوايا المتكلم وسياق التلفظ . ومعنى هذا أن المنطلقات النظرية في النظريات اللسانية المختلفة كانت تعد الجملة الوحدة اللغوية الكبرى للدراسة، مما جعل هذه النظريات تغيب المبحث المتمثل في تحليل النص، وتغفـل الطرائق الإجرائية في بيان الحدود الفاصلة بين الجمل المكونة للنـص. وبقـى بـذلك البحث النصي ردحا طويلا من الزمن حبيسا عندها من حيث أنها ذات علاقات محدودة بين عناصرها، لا تؤدي إلى معنى يرتبط بمفهوم التخاطب .

وقد ظهر قصور هذه النظريات اللغوية في كونها تجاوزت الظروف النفسية والاجتماعية للمتكلم والمخاطب، وتجاوزت ما يسمى بالمعنى غير الطبيعي الذي قامت عليه فيما بعد نظرية الاتصال عند غرايس بل إن معظم التفسيرات اللسانية التي قدمتها تلك الاتجاهات و النظريات اتجهت إلى داخل اللغة، الأمر إلى أدى بالدراسات اللسانية إلى أن تسير نحو تغيير جذري في مسار البحث اللساني ، وبدأ تبرز اتجاهات لسانية مختلفة اهتمت بالجانب التبليغي في اللغـة والبحث في حقيـقة المعنى ، بصورة لم تعرف من قبل ضمن الأنظمة الفكرية والفلسفية واللغوية والأدبية، ومنها ما قدمته اللسانيات الوظيفية بدءا بما قـدمه الشكلانيون الروس بأبحاثهم في الإنشائية وأعلام مدرسة براغ والمدرسة النسقية الذين اهتـموا جميعا بالوظيفية انطلاقا من مفهوم التواصل ، أضـف إلى ذلك ما كان من دور لبعض علماء الاجتماع وعلماء النفس وعلماء البلاغة وعلماء تحليل الخطاب وهاليدي ونظريته الاجتماعية للغة الأمـر الذي أعـاد للغة ديناميتها بشكل جديد بعيدا عن التحليل الفيـلولوجي أو البنوي أو المنطقي الشكلي. وقد نـتج عن ذلك نشوء اللسانيات التداولية.

ومن هؤلاء اللسانيين نذكر منهم فان دايك حيث ألف (some expects of texte grammer) سنة 1972م، وكتابه ( Text and context ( سنة1977م، واقترح فيهما تأسيس نحو عــام للنص، يأخذ بعين الاعتبار كل الأبعاد التي لها صـلة بالخطاب، بما في ذلك الأبعاد البنوية والسياقية والثقافية، وهـو ما جسده في كتاب ( علم النص مدخل متداخل الاختصاصات( حاول الدفاع عن أنحاء للنص بعـد مـقارنة بين نحـو الجملة ونحـو النص، فكما أن هناك بـني سطحية في الجمل هـي التــمظهر لبنـية عميقة فكذلك للنص بنية عميقة وبنية سطحية، هي مجال دراسة العلاقات بين الجمل.

كما نذكر منهم أيضا دي بوجراند وصديقه دريسلر، اللذان بلغت الدراسة النصية على أيديهما غاية الكمال، حيث ويتضح ذلك جليا من خلال طرحهما البديل وهو علم لغة النص بدلا من علم لغة الجملة. واقترحا المعايير النصية السبعة التي تعد أدوات أساسية في التفريق بين النص واللانص، وهـدفا من ورائها إلى جعل النصية أساسا مشروعا لإيجاد النصوص واستعمالها .

إلى أي حد يستطيع التحليل اللساني أن يفسر الأدب؟ وأين يصطدم بحد لا يمكن تجاوزه إلا بالانتقال من اللسانيات إلى التأويل والجماليات والنقد؟

هنا لابد من التذكير بأن هناك مدارس لسانية متنوعة ومتعددة، ولكل مدرسة منهجها الخاص بها، فالبنيوية مثلا تعتمد على المنهج الوصفي، والوظيفية تتبنى المنهج الوظيفي، والتداولية ترتكز على المنهج التداولي، وفي حين النصية تعتمد على المنهج النصي . وعليه يمكن القول أن هذه المناهج اللسانية يتعمد عليها للقيام بوظيفة تحليل النصوص . غير ما يلاحظ هنا أن في كل الأنحاء السابقة على نحو النص وصف للأبنية اللغوية، ولكنه لم يعن بالجوانب الدلالية عناية كافية مما جعل علماء النص يرون أن البحث الشكلي للأبنية اللغوية ما يزال مقتصرا على وصف الجملة بينما يتضح من يـوم إلى آخـر جوانب كثيـرة لهـذه الأبنية – وبخاصة الجوانب الدلالية- لا يـمكن أن توصف إلا في إطار نحو النص . وهنا لابد من التذكير بأن هناك اتجاهين -حسب ما ذهب إليه برينكر- في تحديد هدف نحو النص، أحدهما قائم على النظام اللغوي، والآخر قائم على النظام التواصلي . وبناء على الاتجاه الأول فإن هـدف نحو النص هو اكتشاف تلك المبادئ العامة ووصفها وصفا منظما، وهو رجع في ذلك سواء من الناحية النظرية المفهومية أو المنهجية إلى تحديدات علم لغة للجملة ذات الأصل البنوي أو التوليدي التحويلي…، والنتيجة الأهم لهذا التصور هو أن مفهوم التماسك النصي بالنسبة لعلم لغة النص قد فهم فهما نحويا محضا، فهو لا يسم إلا العلاقات النحوية – الدلالية – بين الجمل، أو بين عناصر لغوية في جمل متعاقبة. أما الاتجاه الثاني فإنه قائم على نظرية التواصل، ويعيب على الاتجاه الأول عدم اهتمامه بها وهـو يجعل هدفه إلى جانب الهدف الأول مراعاة أن النصوص متضمنة دائما في سياق التواصل، وأنها توجد دائما في عـملية تـواصل معـينة ، يـمثل فيها المتكلم والسامع أو المؤلف و القارئ بشروطهم وعلاقاتهم الاجتماعية والموقفية أهم العوامل .

غير أن مهمة هذا العلم في الحقيقة لا تقف عند الكشف عن القوانين والمعايير التي يستقيم بها النص، بل إن له هدفا أعمقا ، يتمثل في محاولة تحديد مختلف البنيات المجردة التي تتولد وفقها مختلف أنواع النصوص، ويكون ذلك بدراسة كـل نـوع ورصد ما فيه من عناصر بنائية وشكلية قارة . على أن يفضي ذلك حسب تون فان دايك إلى تشكيل نظرية عامة تصنف على أساسها مختلف النصوص وطرائق بنائها، وكذلك بيان وظائفها وأنواع العلاقات المتبادلة بينها.

أما الشق الثاني من السؤال فهو مرتبط بداية بالتداولية . هذه المدرسة تـكمن أهـمیتها في كــونها تجاوزت اللسانیات التي كانت تـقتـصر أبحاثها على الجانبین البنوي والتولیدي ، وتهتم بدراسة مستویات اللغة، وكذا وصف وتفسیر النظام اللغوي ، ودراسة المـلكة اللسانیة المتحكمة فیه في إطار ما أصـطلح علیه بـــ : لسانیات الوضع ، في حین اهتـمت التداولیة بدراسة اللغة على أساسها أثناء الاتصال اللساني، أي دراسة اللغة قیـد الاستعمال ، فتجعل المتلفظ بالخطاب یرتبط بالمقام، وبذلك یغدو معنى الملفوظات هو القیمة التي یكتسبها الخطاب في سیاق التلفظ. وإ ضافة إلى هذا ؛ فإن أهمیتها تظهر في كونها حاولت الإجابـة عن أسئلة كثیرة لم تستطیـع المناهج الأخـرى الإجابة عنها، ومن بینها: ماذا نصنع حیــن نتكلم.؟ ماذا نقول بالضبط حین نتكلم .؟ فمن یتكلم إذن ؟ وإ لى من یتكلم .؟ من یتكلم ومع مـن.؟ من یتكلم ولأجـل من.؟ كیـف یمكننا قول شيء آخر غیر ما كنا نرید قوله. ؟ هل یمكن أن نركن إلى المعنى الحرفي لقصد ما.؟

والسؤال الأخير هو الذي فتح باب التأويل على مصرعيه، وهنا نستحضر مقولة -فان دایك بأن أحد مهام التداولیة أن تتیح صیاغة شروط إنجاح إنجاز العبارة، وبیان أي جهة یمـكن بها أن یكون مثـل هذا الإنجاز عنصرا في اتجاه مجرى الفعل المتداخل الإنجاز، الذي یصبح بـدوره مقبولا أو مرفوضا عند فاعل آخـر. … والمهمة الثانية أنه لما كانت معطیات التجربة متاحة بأوسع ما تكون في صورة العبارة فقـط، فیجب أن یكون من الواضح في التداولیة كیف تترابط شروط نجـاح العبارة كفعل إنجازي ، وكمبادئ فعل مشترك الإنجاز التـواصلي مع بنـیة الخطاب وتـأویلـه .

ماذا يحدث عندما يتعمد الكاتب إرباك توقع القارئ؟ هل يكون خرق قواعد النصية فشلا في بناء النص، أم يمكن أن يكون استراتيجية جمالية واعية؟

نطلق في الإجابة عن هذا السؤال بالتذكير بأنه إذا كانت الجملة تتحدد بمعيار أحادي، من نظام ىمعرفي وحيد علم اللغة، فإن نصية النص تحدد بمعايير عدة من مختلف الأنظمة المعرفية . وأن النص يتأثر بالحالات النفسية وبالأعراف الاجتماعية، في حين يضعف تأثر الجملة بهذه المؤثرات، فيمكن مثلا إطالة الجملة بوصفها نظاما افتراضيا بدون حد، في حين يفرض الموقف قيودا بالغة الأهمية على النص وشكل إخراجه. كما أن بنيته تتشكل بحسب ضوابط المشاركين والمستقبلين على حد سواء. فهو يعد حدثا يقصد به شخص إلى توجيه المستقبل صوب بناء علاقات متنوعة لا تقتصر على العلاقات القواعدية، وكذلك إلى التأثير في مواقف بشرية.

وإذا كان دي بوجراند قد بين بدقة متناهية معايير النصية ، التي تعد أدوات أساسية في التفريق بين النص و اللانص وهـدف من ورائها إلى جعل النصية أساسا مشروعا لإيجاد النصوص واستعمالها. فإنه لا يعني ضرورة تحقق هذه المعايير السبعة في كل نص ، وإنما يتحقق الاكتمال النصي بوجودها، وأحيانا تشكل نصوص بأقل قدر منها . وقد لفت النظر إلى أن من هذه المعايير السبعة معيارين تبدو لهما صلة وثيقة بالنص وهما السبك و الالتحام، واثنين نفسيين بصورة واضحة وهما رعاية الموقف والتناص ، أما المعيار الأخير وهو الإعلامية فهو بحسب التقدير.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن خرق قواعد النصية، والإكتفاء بأقل قدر منها في بناء نصوص لا يفسر البتة بأنه فشل في بناء النص ، بل يمثل استراتيجية تقوم على فكرة إعطاء الحرية للمؤلف، دونما تقييده بالمعايير كاملة في نص واحد وهذا ما يجعله يركز على الطابع الجمالي للنص .

إذا كان المعنى نتيجة شبكة من العلاقات، فهل توجد كلمة ذات معنى مستقل فعلا، أم أن معنى الكلمة هو دائما نتيجة موقعها داخل شبكة أكبر؟

وهنا لابد من التميز بين مصطلحين هما الدلالة والمعنى، فعلم الدلالة هو العلم الذي يدرس قضية المعنى، أو ذلك الفرع الذي يدرس الشروط الواجب توافرها في الرمز حتى يكون قادراً على حمل المعنى. يقول د هادي نهر في هذا الشأن فالدلالة تنتمي للغة أو الكفاءة والمعنى ينتمي للكلام أو الأداء، فالمعنى هو الاستعمال الفردي للدلالة ، وبصياغة أخرى: الدلالة مايفرضه المجتمع والمعنى ماتوحي به للمتلقي. فالدلالة بهذا المنظور أعم من المعنى، إذ يدخل ضمن الدلالة الرموز اللغوية (الألفاظ) وغيرها من أدوات الاتصال كالإشارات والرموز والعلامات . كما ينبغي التميز أيضا بين نوعين من المعنى المعنى الدلالي، وهو ما يفرضه المعجم، وتأخذه الكلمة مستقلة أو داخل النص إذا توافق مع المعنى الحرفي للعبارة . وهناك المعنى التأويلي وهو الذي يفرضه السياق، ويصل إليه المتلقي باعتماد التأويل والاستدلال ومعرفة العالم. وعليه فإن الكلمة ذات المعنى المستقل هي التي تاخذ معناها المعجمي، سواء أكانت منفردة أو داخل النص، وقد تنتقل إلى معنى ثان يقوم على التأويل،يخرجها من الحقيقة إلى المجاز ، أو قل يخرجها من المعنى المباشر إلى المعنى غير المباشر. وهذا يرجع بالضرورة إلى رغبة صاحب النص وأهدافه المرجوة من وراء بناء نصه .

إذا كان الانتقال من الجملة إلى النص قد وسع مجال اللسانيات، فهل ستكون الخطوة المقبلة هي الانتقال من النص إلى العالم الذي ينتج فيه النص ويُقرأ؟ أم أننا عندها نكون قد غادرنا اللسانيات إلى علم آخر؟

يحيلنا هذا السؤال إلى الحديث عن آخر منهج تحليلي ، وهو اللسانيات العرفانية، التي تهدف إلى تقصي البنية الذهنية والإدراكية، وتنظيمها بتحليل الإستراتيجيات العرفانية التي يستخدمها البشر في التفكير، وتخزين المعلومات وفهمها، وإنتاج اللغة . وكل هذه العمليات الذهنية التي تعالجها في بناء المعرفة اللغوية تعتمد على معطيات الفلسفة وعلوم الذهن، واللسانيات، وعلم النفس العرفاني…إلخ. فالذهن نظام شامل ونشاط كامل لاكتساب المعارف والمعلومات والعمل على تخزينها وتنظيم بنياته الإدراكية، وتشغيل برامجها المعرفية قصد توظيفها متى استدعت الحالة الذهنية لذلك ، ويتحدث جاكندوف عن التفاعل الحادث في الذهن البشري بين مجموعة من المدخلات التي تتم بواسطتها

عملية التفكير داخل الذهن بما يعرف “بالتمثيل الذهني فيقول: ” فنحن لا نفهم الأشياء ولا نفكر فيها، ولا نراها إذا كانت غائبة عنا إلا إذا كانت لها صورة تماثلها أو تمثلها في الذهن ، إذ لابد من مستويات من التمثيل الذهني تكون فيها المعلومة التي تؤديها اللغة منسجمة، والمعلومة الآتية من الأنظمة المحيطة، مثل : الرؤية ، والسماع غير اللغوي والشم والشعور بالحركة، وهكذا، إذا لم يوجد مثل هذه المستويات، يكون من المستحيل استعمال اللغة في الإخبار عن المدخلات الحسية (..). وينبغي على نحو مماثل أن يوجد مستوى تكون فيه المعلومات اللسانية والمعلومات التي يحتمل أن ينقلها النظام الحركي منسجمين، كي نتمكن من تمثيل قدرتنا على تنفيذ الأوامر و التعليمات . وهذا يدل على أن للذهن دورا هاما في فهم الأشياء وفق مستويات التمثيل الذهني، وأن إهمال هذه المستويات من شأنه أن يجعل استعمال اللغة مستحيلا في إيصال المعلومات والإخبار عنها.

وهنا نؤكد على أن العالم الذي يتكون فيه النص ويكتمل فيه هو عالم ذهني بالدرجة الأولى ، وهذا لا يدل البتة على التخلى على اللسانيات ، بل هي تفرض قواعدها وآلياتها ومؤشراتها على صاحب النص، على مستوى الذهن أولا، ثم على مستوى الكفاءة اللغوية ثانيا ، ثم مستوى الأداء ثالثا ، وأخيرا على مستوى التواصل رابعا .