عـاشت الوطنية… و لتسقط المولدة – شُـهب طـاقـة

د . شُـهب طـاقـة

الكهرباء ليست رفاهية، ولا خدمة إضافية يمكن للمواطن أن يتعامل معها بمنطق «إذا جاءت فالحمد لله، وإذا انقطعت فالصبر جميل». الكهرباء هي عصب الحياة، ومن دونها تتعطل عجلة الصناعة، وتتراجع الزراعة، ويتعثر الاستثمار، ويتحول الحديث عن التنمية المستدامة إلى شعار جميل يصلح للمؤتمرات أكثر مما يصلح للحياة اليومية.

ومع ذلك، ما زال المواطن العراقي، وبعد أكثر من عقدين على تغيير النظام السياسي، يعيش مع أزمة الكهرباء وكأنها أحد الثوابت الوطنية التي لا يجوز المساس بها!!.

لقد أنفقت الحكومات المتعاقبة، بحسب تقديرات وتصريحات متداولة على مدى السنوات الماضية، مئات المليارات من الدولارات على قطاع الكهرباء، ومع ذلك لم يصل إنتاج الطاقة إلى مستوى يغطي الطلب الفعلي بصورة مستقرة. وهنا يحق للمواطن أن يسأل، لا بوصفه خبيراً في الطاقة، وإنما بوصفه صاحب حق مكتسب لتوفير خدمة الكهرباء والطاقة: أين ذهبت كل هذه الأموال؟ ولماذا ما زال التيار الكهربائي مشروعاً مؤجلاً؟، ولأن المواطن العراقي يتمتع بقدرة استثنائية على التكيف، فقد وجد الحل بنفسه وهو المولدة.

المولدة وما ادراك ما المولدة، فهي التي ساهمت في تلوث البيئة، والتي تجني المبالغ الطائلة والأرباح لسنوات طويلة من ضلع الموطن، بلا حسيب ولا رقيب… فهي الشريك الذي لم نختره!، فالمولدة أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة العراقية اليومية، حتى بات المواطن يعرف مصطلحاتها وتفاصيل عملها أكثر مما يهتم بتفاصيل حياته اليومية، وأكبر مخاوف المواطن أصبحت أن الكيبل وبالمصطلح الدارج «واير السحب» يجب أن يكون في مكانه، وأن قاطع الكهرباء «الجوزة» قد تنزل بسبب الحمل الزائد، وعليه فإن الأحمال يجب أن تكون محسوبة، وأن تشغيل جهاز إضافي في المنزل قد يحتاج إلى دراسة جدوى اقتصادية!.

وللمفارقة، أصبح كل مواطن يملك بيتاً باسمه يشعر أحياناً أنه مستأجر؛ فإنه يدفع ثمن اشتراك المولدة الشهري (جباية مفروضة) مقابل كمية محدودة من الطاقة وكأنها قدرٌ محتوم، ثم يدفع مرة أخرى لقائمة الكهرباء الوطنية المفقودة، ثم يدفع ثالثاً فاتورة الانترنت والأعباء المالية الأخرى بشكل شهري لديمومة حياته ومتطلباته. وبذلك أصبح لدينا اقتصاد جديد يمكن تسميته اقتصاد «ادفع لكي تحصل على الكهرباء، وادفع لكي تحافظ على ديمومتها» والله يعينك يا مواطن… في بلد يملك ثاني احتياطي نفطي عالمي.

ولعل أجمل ما أنتجته أزمة الكهرباء هو أنها أعادت اكتشاف مواهب العراقيين. فالمواطن لم يعد مجرد مستهلك للكهرباء، بل أصبح خبيراً في الأحمال، ومراقباً للفولتية، ومتخصصاً في «الجوزة»، ومفاوضاً مع المولدة، ومحللاً لأوقات القطع والوصل والعطل. بل إن بعض المواطنين يستطيع أن يتنبأ بانقطاع الكهرباء قبل حدوثه بدقائق، ليس اعتماداً على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وإنما اعتماداً على خبرة تراكمت خلال أكثر من عشرين سنةً!! وهكذا، بينما يتحدث العالم عن الحكومات الالكترونية والمدن الذكية والطاقة النظيفة؛ نحن نعيش هذه الحالة المأساوية في البحث عن بعض الفولتية «الأمبيرات» لتشغيل أجهزتنا الكهربائية المنزلية!!.

واليوم نحن على مشارف انتهاء فصل الصيف اللاهب، وبدأ فصل الخريف يطرق الأبواب. يبقى السؤال الذي يؤرقنا ويطرح نفسه عن مستقبل الكهرباء وهو هل تنتهي الأزمة بانتهاء الحرارة؟، أم أننا سننتقل من مرحلة البحث عن برودة التكييف إلى مرحلة البحث عن الماء الساخن من الكيزر؟، أم أن الكهرباء العراقية لا تعرف الفصول، وأن الصيف والشتاء والربيع والخريف مجرد أسماء على التقويم، بينما تبقى «المولدة» هي الفصل الوحيد الثابت الجاثم على صدورنا والمرهق لجيوبنا؟!!، ويستمر مسلسل الأزمات المتتالية كل صيف بين انقطاع الكهرباء الوطنية، ومشكلات توفير الكاز المدعوم، وارتفاع الأحمال، ومشكلات اعطال المولدات، وتهديد المولدة بالاضراب، وكل هذا وذاك والمواطن هو الحلقة الأضعف بين الانطفاء المستمر للكهرباء الوطنية، وتمرد المولدة “المتخلفة”.
وهنا تظهر المفارقة التي يصعب على المواطن فهمها. وهي وجود وطن يمتلك موارد غازية ونفطية هائلة، ومع ذلك تستمر الحاجة إلى استيراد الغاز الذي يرهق ميزانيات الدولة لتشغيل محطات الكهرباء الوطنية، بينما تُهدر كميات من الغاز المصاحب الذي كان يمكن استثماره بدلاً من حرقه. أي أننا نعيش مع معادلة تبدو وكأنها مكتوبة خصيصاً في دفتر المفارقات والكوارث العراقية وهي غاز نحرقه، وغاز نستورده، وكهرباء لا تكفينا، ومولدات لا تفارقنا!

وعلى مدى السنوات الماضية، تكررت توقيع الاتفاقيات والمذكرات والخطط مع شركات عالمية كبرى، ومن بينها سيمينز الألمانية (التي ظلت حبراً على ورق)، وسماع المواطن كثيراً عن خطط لإعادة بناء قطاع الكهرباء وتطوير الإنتاج والشبكات. لكن المواطن، بطبيعته العملية، لا يريد أن يحتفظ بنسخة من الاتفاقية على جدار منزله؛ بل يريد أن يفتح المكيف عندما ترتفع درجات الحرارة، ويريد أن يشغل الثلاجة دون أن يفكر في «الجوزة»، ويريد أن ينام دون أن يضع جدولاً زمنياً لتشغيل الأجهزة الكهربائية.

ولعل الإنصاف يقتضي القول إن المولدة ليست أصل المشكلة؛ إنها نتيجة لمشكلة أكبر. فلو كانت المنظومة الوطنية قادرة على توفير الكهرباء بصورة مستقرة وكافية، لما كان المواطن أسيراً للمولدة. وبالتالي فإن إسقاط المولدة لا يكون بمحاربتها، ولا بتحميل المواطن والمولدات مسؤولية أزمة أكبر منهم، وإنما ببناء منظومة كهربائية قادرة على الاستغناء عن المولدة تدريجياً، وهذا واجب وطني أساسي يفترض أن تقدمه الدولة للموطن.

وفي الختام، سنظل نحب هذا الوطن، وسنظل نهتف للوطنية، ونحتفل بالثروات التي وهبها الله للعراق وشعبه. لكن الوطنية الحقيقية ليست أن نتعايش مع الظلام ونعتبره قدراً. الوطنية أن تتحول الثروة إلى خدمة ورفاهية، والغاز إلى كهرباء، والاتفاقيات إلى نتائج، والموازنات إلى مشاريع، والخطط إلى واقع، ونتخلص من الفساد. أما أن يبقى المواطن طوال أكثر من عشرين سنةً يتنقل بين الكهرباء الوطنية والمولدة وأزمة الكاز والأسلاك والقواطع، فهذا ليس نظاماً للطاقة بقدر ما هو دورة تدريبية طويلة في الصبر العراقي.
“حين يصبح المواطن خبيراً بالمولدة أكثر من خبرته بحقوقه، فاعلم أن أزمة الكهرباء لم تعد أزمة طاقة، بل أزمة إدارة، إلى متى… ألا يكفي؟”.