

أ. دكتورة سالمة العمامي للزمان :” أخطر مراحل التآكل الثقافي أن يصبح التصور الوافد مألوفًا إلى درجة أننا لا نعود نراه وافدًا”
حاورتها : ضحى عبدالرؤوف المل
لم تنمُ الحضارات في عزلة، وإنما تقدمت عبر الأخذ والعطاء والمراجعة والتجاوز، غير أن الاستفادة من تجارب الآخرين تظل مرتبطة بامتلاك القدرة على الاختيار وإعادة الصياغة وصناعة البدائل. ومن هنا تكتسب الترجمة بعداً يتجاوز وظيفتها الظاهرة، لأنها قد تفتح أمام القارئ عوالم جديدة، وقد تؤثر في ترتيب أولوياته وفي نظرته إلى الإنسان والمجتمع والمعرفة. وبين الانفتاح الذي يوسّع الأفق والانقياد الذي يضيّق مساحة الاختيار، توجد منطقة دقيقة لا تُحسم بالشعارات، بل بمدى قدرة المجتمع على إنتاج رؤيته الخاصة وهو يتفاعل مع العالم. ومن هذه المنطقة تحديدًا ينطلق هذا الحوار مع أ.د سالمة العمامي، في محاولة للاقتراب من الأسئلة التي تبقى مفتوحة بعد انتهاء النص والكلام.
– دكتورة سالمة ما المعيار الدقيق الذي يجعلنا نصف التأثر بثقافة أخرى بأنه “تآكل ثقافي” وليس مجرد تطور طبيعي للثقافة؟ وهل يمكن أن نتأثر بالآخر بعمق من دون أن نفقد هويتنا؟
المعيار الدقيق ليس التغير ولا الاختلاط، بل القدرة على الاستيعاب النقدي وإعادة الصياغة. التطور الطبيعي يعني أن ثقافة ما تستقبل عناصر جديدة، لكنها تحتفظ بسيادة السؤال والانتقاء، فتمتص الوافد وتصوغه وفق حاجاتها. أما التآكل الثقافي فيبدأ حين يتحول الوافد إلى بنية تحتية غير مرئية تحدد الأسئلة والمعايير والغايات، فتفقد الثقافة قدرتها على أن تقول: هذا لا يشبهني، أو سأعيد صياغته بطريقتي. إذن الفرق ليس في كمية التأثر، بل في موقع الفاعل: هل يبقى المتلقي قادرًا على الترجمة والرفض والتحويل، أم يصبح وعاءً يستقبل؟
يمكن أن نتأثر بعمق من دون أن نفقد هويتنا. اليونان تأثرت بالشرق القديم، والمسلمون ترجموا اليونان لكنهم أنتجوا فلسفة وكلامًا وأصول فقه وعلومًا خاصة. اليابان أخذت من الصين ثم من الغرب، وحافظت على نسقها الثقافي. التأثر العميق لا يمحو الهوية إذا مرّ بمرشحات: الترجمة، والتاريخ، والمصالح، والتقاليد، والنقد. أما إذا صار التأثر استبدالًا لمرجعياتنا بمرجعيات أخرى دون وعي، فهناك يبدأ التآكل.
– إذ كانت الترجمة تنقل أحياناً منظومة من القيم والتصورات، فهل المطلوب من المترجم أن يحمي ثقافة المتلقي من هذه التصورات، أم أن دوره أن ينقلها بأمانة ثم يترك للمجتمع مهمة نقدها وإعادة إنتاجها؟
المترجم ليس حامي حرم ولا ناقلًا محايدًا. الترجمة تفسير، ولا توجد ترجمة بريئة تمامًا. الأمانة لا تعني إخفاء القيم والتصورات، بل كشفها. فالأفضل ترجمة المصطلح مع حواشٍ، ومقابلات متعددة، وسياق تاريخي، ثم ترك المجتمع للنقد وإعادة الإنتاج. لكن على المترجم ألا يقدّم المنظومة الوافدة كبديهة أو كأنها اللغة الطبيعية للأشياء.
– عندما نترجم مصطلحا فلسفيا أو دينيا أو أخلاقيا، هل المشكلة في اختيار المقابل اللغوي، أم أن المشكلة الأعمق هي أننا قد نستورد السؤال والمنظومة الفكرية التي أنتجت المصطلح أصلًا؟ وهل نستطيع أن نترجم المصطلح دون أن نستورد معه رؤيته للعالم؟
عند ترجمة مصطلح فلسفي أو ديني أو أخلاقي، المشكلة أعمق من اختيار المقابل اللغوي. تفرض تقسيمًا حديثًا للمعرفة؛ تستدعي سارتر وهيدغر؛ «حرية» في الليبرالية غير «حرية» في الفقه والتصوف. لا نترجم المصطلح بمنأى عن السؤال الذي أنتجه. وهل يمكن نقل المصطلح دون استيراد رؤيته للعالم؟ جزئيًا نعم، لكن بشرط التأريخ والمقارنة وتوليد مصطلح عربي من مشكلاتنا، لا بالمساواة الزائفة. فالمصطلح ليس كلمة فقط، بل شبكة سؤال وجواب وسلطة.
– ذكرتِ عبارة لافتة جدا وهي “استيراد التصورات بدل إنتاجها’. لكن أليس إنتاج التصورات نفسه قائما تاريخيا على التفاعل مع الآخرين؟ فكيف نعرف أننا أعدنا إنتاج الفكرة داخل سياقنا، ولم نكتفِ بإعادة تدويرها بصياغة عربية؟
عبارة «استيراد التصورات بدل إنتاجها» صحيحة بشرط التمييز. فالإنتاج تاريخيًا تفاعلي، ولا توجد ثقافة أنتجت نفسها من الصفر. لكن نميز بين إعادة الإنتاج وإعادة التدوير. إعادة الإنتاج تعني أن الفكرة تولد أسئلة ومؤسسات ونقدٍ محليّ، وتغيّر شروط النقاش. ترجمة أرسطو عند ابن رشد أنتجت فلسفة جديدة؛ واستيراد «التنمية» كمسابقة قد يكرر التدوير. ماركس في سياقات عربية أنتج نقاشات طبقة ودولة، وأنتج أيضًا جمودًا حزبيًا. المعيار هو الأثر التوليدي والاختبار العملي.
– إذا اتفقنا أن أخطر مراحل التآكل الثقافي هي أن يصبح التصور الوافد مألوفا إلى درجة أننا لا نعود نراه وافدا، فكيف نطبق هذا المعيار على ثقافتنا نحن؟ بمعنى: كيف نتأكد أن دفاعنا عن الأصالة والهوية ليس هو أيضا تصورا انتقائيا صنعناه نحن، وأننا لا نستبدل هيمنة فكرية بهيمنة أخرى؟
أخطر مراحل التآكل الثقافي أن يصبح التصور الوافد مألوفًا إلى درجة أننا لا نعود نراه وافدًا. نطبّق هذا على ثقافتنا: «الدولة الوطنية»، «التقدم»، «التنمية»، «الفرد»، «السوق»، «القطاع العام والخاص»، وربما «الأصالة» و«الهوية» نفسها كمفاهيم حديثة. دفاعنا عن الأصالة قد يكون انتقائيًا: نخترع تقليدًا ثم نسميه أصيلًا. ولتفادي استبدال هيمنة بهيمنة، نحتاج تأريخ المفاهيم، وسؤال من يربح، وما البدائل المسكوتة، والاعتراف بالتعدد.
– دكتورة سالمة، لو افترضنا أن الثقافة لا تتآكل عندما تستقبل أفكارا جديدة، وإنما عندما تفقد القدرة على أن تقول هذا لا يشبهني أو سأعيد صياغته بطريقتي، فهل يمكن أن يكون أخطر ما تفعله الترجمة ليس أنها تُدخل إلينا أفكارا من الخارج، بل أنها قد تغيّر تدريجيا الطريقة التي نحدد بها ما نريد أصلا؟ وإذا صح ذلك، فكيف نكتشف أن السؤال الذي نطرحه اليوم هو سؤالنا نحن، وليس سؤالا ورثناه من عالم آخر ثم نسينا أنه كان غريبا عنا؟
وأخطر ما تفعله الترجمة أنها قد تغيّر تدريجيًا الطريقة التي نحدد بها ما نريد. فإذا صار السؤال «كيف نلحق؟» أو «كيف نكون حداثيين؟» فإن الغاية مُعرّفة سلفًا. لاكتشاف هل السؤال سؤالنا: اسأل هل ينبع من تجربتنا؟ هل يبقى ملحًا لو غاب المخاطب الأجنبي؟ هل يمكن ترجمته إلى مفرداتنا المحلية؟ هل ينتج ممارسات ونقدًا؟ إذا لم يبقَ إلا صياغة مستعارة، فهو موروث وغريب. وإذا بقي وله جذور محلية وإمكان تفريع، فهو سؤالنا وإن كانت أدواته مختلطة. الحل ليس الانغلاق، بل الوعي والانتقاء وإعادة الإنتاج. وأخيرا أقول أعجزت حروفنا على أن تمسّ المعاني على شفة الكلام.