زَخيخة.. حين يكتب المكان ذاكرته فينا

 

 

قتيبة الحميد

 

 

 

في «زَخيخة: الخيالُ وذاكرةُ المكان»، لا يعود طه جزاع إلى القرية ليستعيدها كما كانت، ولا ليكتب تاريخها أو يرصد تحولاتها، وإنما يعود إليها من جهة أكثر عمقاً: من الذاكرة. فالمكان الذي يقدمه الكتاب ليس موقعاً على خارطة، بل أثرٌ استقر في الوجدان، واحتفظ بما تركته الطفولة من صور وأصوات وروائح ومشاعر. ومن هنا تتجاوز زَخيخة حدودها الجغرافية لتصبح صورة للمكان الأول الذي يتشكل فيه وعي الإنسان بالعالم.

تبدأ التجربة من قرية في أعالي الفرات، لكنها سرعان ما تنفتح على سؤال إنساني واسع: ماذا يبقى من المكان بعد أن نغادره؟ وهل نستعيده كما كان، أم كما أعادت الذاكرة تشكيله؟ لا يبحث الكاتب عن إجابة نظرية بقدر ما يترك تجربته تقوده إليها، مستعيناً بجماليات غاستون باشلار بوصفها مفتاحاً لقراءة العلاقة الحميمة بين الإنسان وأمكنته الأولى.

في «جماليات المكان»، ينظر باشلار إلى البيت والأمكنة الحميمة بوصفها فضاءات تتشكل فيها الذاكرة والخيال والحلم. فالبيت الأول ليس بناءً فحسب، وإنما عالم صغير تتكون داخله مشاعر الأمان والخوف والانتماء، وتبقى صورته حاضرة حتى بعد الرحيل. ويجد طه جزاع في هذا التصور ما يفسر حضور زَخيخة في ذاكرته؛ فالمكان الذي عاشه طفلاً لم ينته بانتهاء الإقامة فيه، بل انتقل معه إلى مراحل عمره اللاحقة.

ولعل خصوصية الكتاب أنه لا يجعل النظرية نقطة البداية، وإنما يجعلها وسيلة لفهم تجربة سابقة عليها. لقد عاش الكاتب المكان بحواسه قبل أن يقرأه بمفاهيم الفلسفة، ولذلك تبدو أفكار باشلار في النص كأنها اكتشاف متأخر لمعنى كان كامناً في التجربة منذ طفولتها الأولى. وهذه العلاقة بين المعاش والنظري تمنح الكتاب توازنه، فلا يتحول إلى دراسة تطبيقية جافة، ولا يبقى مجرد حنين شخصي.

فالطفولة التي يستعيدها الكاتب لا تأتي في صورة سجل زمني مرتب، وإنما في صور متفرقة شديدة الكثافة. الماء في السواقي، النخيل الصاعد نحو الضوء، البساتين، أشجار البرتقال والليمون والنارنج والرمان والتفاح والسفرجل، رائحة القداح، خضرة النبات البري، أسراب الزرازير، ألوان الفراشات، وأصوات الليل؛ كلها تفاصيل صغيرة، لكنها تختزن عالماً بأكمله. فالذاكرة لا تحتفظ بكل شيء، وإنما تحتفظ بما اتصل بإحساس عميق، ولهذا قد تختصر رائحة واحدة سنوات كاملة، أو يعيد مشهد عابر زمناً ظنناه قد غاب.

ومن هنا يصبح المكان في الكتاب مدخلاً إلى فهم الطفولة نفسها. فالطفل لا يقيس أيامه بالتواريخ، وإنما بالأمكنة التي تحيط به؛ بالمسافة بين البيت والمدرسة، بالطريق المؤدي إلى النهر، بالغدير، بالبستان، وبالبيت الذي تتجمع فيه العائلة. ولهذا تبدو ذاكرة الطفولة أقرب إلى خريطة داخلية منها إلى سيرة زمنية، خريطة لا ترسم الحدود بقدر ما تحفظ الانفعالات التي صنعتها.

ويحتل بيت الجد مزبان الشوكة موقعاً لافتاً في هذه الخريطة. فهو ليس مجرد بيت عائلي، وإنما مركز رمزي تتقاطع فيه الهيبة والسلطة والحميمية والذاكرة. ومن خلاله يظهر المكان بوصفه حاملاً للقيم والعلاقات، لا مجرد فضاء للسكن. فالبيت الذي يترك أثراً في الطفولة لا يبقى في الذاكرة على هيئة جدران وأبواب، بل يتحول إلى إحساس بالأمان أو الخوف، وبالقرب والانتماء.

أما الفرات، فيحضر بوصفه أكثر من معلم طبيعي؛ إنه صورة للحركة والزمن. الماء يجري، والزمن يمضي، والأمكنة تتغير، لكن الذاكرة تستطيع أن تمنح اللحظة القديمة حياة جديدة. لذلك يتحول النهر إلى علامة تختصر علاقة الكاتب بالزمن، ويصبح استحضاره محاولة للقبض على شيء لا يمكن الإمساك به: زمن الطفولة وهو يتسرب بعيداً.

وفي هذا السياق لا يكون الفقد نقيضاً للذاكرة، بل أحد أسبابها. فالأمكنة تزداد حضوراً حين يتغير ما فيها أو يغيب أهلها. بعض الوجوه ترحل، وبعض البيوت تتبدل، وبعض التفاصيل تختفي، لكن أثرها يبقى. لذلك لا تبدو الكتابة هنا مجرد استعادة للماضي، وإنما محاولة للتصالح مع ما لا يمكن استعادته. فالكاتب يعرف أن العودة الفعلية لا تعيد الزمن، وأن المكان الذي يسكن الذاكرة ليس بالضرورة المكان الذي يمكن العثور عليه في الواقع.

ومن هنا تتضح دلالة العبارة: «المكان لا يُستعاد، بل يُكتب». فالكتابة لا تعيد المكان إلى صورته الأولى، وإنما تحفظ أثره في النفس. إنها لا توقف الزمن، لكنها تمنحه شكلاً جديداً، ولا تعيد الغائب، لكنها تستبقي صورته. وبهذا تتحول الكتابة إلى فعل مقاومة للنسيان، لا لأنها تحفظ الماضي كما وقع، بل لأنها تحفظ ما تركه الماضي في الإنسان.

ويأتي استحضار إدغار موران ليضيف إلى هذه الرؤية بعداً يتعلق بالتجربة الجمالية في بعدها المركب. فالجمال لا ينفصل عن الذاكرة والحس والثقافة والتجربة الشخصية.

وما يبدو مشهداً طبيعياً بسيطاً يمكن أن يتحول في الوعي إلى حامل لمعانٍ متعددة؛ فالنخلة قد تكون صورة لطفولة، والماء قد يستدعي زمناً، والبيت قد يختزن أصواتاً ووجوهاً غابت، والطبيعة كلها قد تصبح أرشيفاً حسياً لحياة كاملة.

وعلى المستوى الأسلوبي، ينجح طه جزاع في المزاوجة بين السرد والتأمل والوصف، من دون أن يفقد المكان حضوره الحسي. فالكتاب لا يكتفي بتسمية الأشياء، وإنما يستعيدها من خلال تفاصيلها، وهو ما يمنح الذاكرة مادتها الأدبية. وتكون اللغة أكثر توهجاً حين تترك الصورة تتقدم على التفسير، وحين يتحول الوصف إلى إحساس لا إلى مجرد تعداد للأشياء.

إن أهمية «زَخيخة» لا تنحصر في كونها تجربة شخصية، بل في قدرتها على تحويل هذه التجربة إلى معنى مشترك. فالقارئ لا يحتاج إلى أن يعرف القرية أو أن يكون قد عاش على ضفاف الفرات حتى يجد نفسه في صفحات الكتاب؛ يكفي أن تكون له ذاكرة مكانية خاصة، مكان ارتبط بطفولته وظل يحتفظ بشيء منه رغم مرور الأعوام. عندها تصبح زَخيخة مرآة لمكان آخر، وربما لذاكرة أخرى.

وهنا تكمن قيمة الكتاب: إنه لا يكتب المكان باعتباره خلفية للحياة، بل باعتباره أحد صانعيها. فالإنسان لا يغادر الأمكنة التي شكلته تماماً، لأنها تظل حاضرة في طريقته في النظر والشعور والتذكر. ومن خلال زَخيخة، يحاول طه جزاع أن يصغي إلى ذلك الأثر القديم، وأن يمنحه لغة تليق بما تركه في النفس.

في النهاية، تبدو «زَخيخة: الخيالُ وذاكرةُ المكان» رحلة من الجغرافيا إلى الوجدان، ومن الذاكرة إلى الخيال، ومن التجربة إلى الكتابة. إنها ليست محاولة لإعادة قرية مضت، بقدر ما هي محاولة لفهم ما الذي تفعله الأمكنة بنا حين نعبرها في طفولتنا. وحين تتحول زَخيخة إلى نص، لا تعود مجرد قرية في أعالي الفرات، بل تصبح صورة للمكان الأول الذي يسكن الإنسان قبل أن يعرف أنه سيحمله معه طوال حياته.