الحوار الصحفي ليس تلميعا للاسم – ضحى عبدالرؤوف المل

الحوار الصحفي الحقيقي ليس عملية تلميع للاسم

ضحى عبدالرؤوف المل

هناك كتاب يطلب منهم صحفي حوارا فيتصرفون للحظة كما لو ان الصحفي قد جاء يحمل مرآة لا سؤالا. لا يسألون: لماذا اخترتني؟ ماذا قرأت لي؟ ما الذي وجدته في تجربتي ويستحق ان يفتح امام القارئ؟ بل يقفز في ذهنهم سؤال اخر اكثر غرابة وهو ماذا يريد مني؟ وهل يريد ان يصنع شهرته من اسمي؟ هنا لا يعود الحوار مناسبة فكرية، بل يتحول الى امتحان للنوايا، ويصبح الصحفي متهما قبل ان يطرح سؤاله الاول. والمفارقة ان الكاتب، وهو يظن انه يدافع عن مكانته، قد يكشف من حيث لا يريد عن سلطنة الشهرة في داخله، لان من يعتقد ان مجرد محاورته معروفة بما يكفي ليكون مدخلا لشهرة الاخر، يكون قد جعل الاسم مركز العلاقة قبل الفكر، وجعل الحضور الاجتماعي اكثر وضوحا من التجربة الابداعية التي يفترض ان الحوار جاء من اجلها. ان الصحافة الثقافية، في افضل صورها، لا تأتي لتسرق من الكاتب شيئا، بل لتستخرج من عمله ما قد يبقى صامتا اذا ترك وحده داخل الكتاب. فالكتاب لا يتكلم دائما بكل ما يعرفه صاحبه، والكاتب لا يكتشف نفسه كاملة اثناء الكتابة، وقد يكون السؤال الجيد قادرا على فتح معرفة يجهلها المؤلف نفسه منذ سنوات.

إن الحوار الصحفي الحقيقي ليس عملية تلميع للاسم، ولا مناسبة يضع فيها الصحفي اسمه الى جوار اسم روائي او شاعر او فنان كي يستعير منه بريقا جاهزا. الصحفي الذي يفعل ذلك لا يحتاج الى حوار اصلا، تكفيه صورة، وعنوان لامع، وبعض العبارات القابلة للتداول. اما الحوار الذي يستحق ان يسمى حوارا فهو شيء مختلف تماما لإنه مواجهة معرفية هادئة بين تجربتين، تجربة الكاتب التي تكونت عبر السنوات، وتجربة الصحفي الذي جاء اليها محملا بالقراءة والشك والفضول. فالصحفي لا يقف امام الكاتب كمعجب يطلب توقيعا، ولا كخصم يريد اسقاطه، بل كقارئ محترف يحاول ان يعرف كيف ولدت الفكرة، ولماذا اتخذت هذا الشكل، وما الذي اخفاه النص، وما الذي لم ينتبه اليه صاحبه. ولذلك فان السؤال لا يكون دعاية للكاتب بقدر ما يكون اختبارا لقدرته على التفكير في تجربته من خارجها. قد يكون الكاتب مشهورا، لكن شهرته لا تعفيه من ان يكون محاورا جيدا، وقد يكون الصحفي مجهولا نسبيا، لكن اسئلته العميقة قد تجعل الحوار اهم من شهرة الطرفين.

المشكلة تبدأ حين تختلط لدى بعض الكتاب قيمة الاسم بقيمة الفكرة. فيصبح السؤال عن الكتابة سؤالا عن المكانة، والسؤال عن التجربة سؤالا عن الجمهور، والدعوة الى الحوار اشارة في نظرهم الى رغبة في الظهور. وهنا تنشأ علاقة مقلوبة. بدل ان يسأل الكاتب عن مضمون الحوار، يبدأ في تقدير حجمه في المشهد، وكأن الصحفي قد دخل سوقا للنفوذ لا فضاء للمعرفة. لكن الثقافة لا تعمل دائما بهذه المعادلة التجارية المباشرة. قد يقرأ صحفي كتابا لكاتب بعيد عن الضوء، ثم يشعر ان وراء الكتاب سؤالا اكبر من انتشاره، فيطلب الحوار. وقد يكتشف صحفي روائيا لا يعرفه الجمهور الواسع، لا ليمنحه شهرة مصطنعة، بل لانه وجد في عمله ما يستحق ان يصل الى قراء اخرين. فالصحفي هو وسيط بين تجربة وقارئ، لا مالكا للتجربة ولا شريكا في مجدها. ومن اكثر الاخطاء شيوعا ان ينظر الكاتب الى الوسيط باعتباره منافسا، مع ان وجود الوسيط قد يكون شرطا لكي يعبر النص من عزلته الى المجال العام.

ثم ان الصحفي نفسه ليس صفحة بيضاء. وراء السؤال قراءة، ووقت، وبحث، ومقارنة، واختيار، ومسؤولية تحريرية. حين يطلب صحفي من روائي حوارا، فانه غالبا لا يطلب منه ان يمنحه شيئا من شهرته، بل يضع امامه فرصة لانتاج كلام جديد حول عمل قد يكون استنفدته الاسئلة التقليدية. الصحفي الجيد قد يذهب الى الكاتب بعد قراءة اكثر من كتاب، ومراجعة سيرته، ومعرفة سياقه، والبحث في تناقضاته، ثم يبني حوارا لا يمكن اختزاله في عبارة من نوع: حدثنا عن تجربتك. ولذلك فالصحافة الثقافية الجادة تشبه احيانا عملا تنقيبيا، انها لا تكتفي بما يظهر على سطح الكتاب، بل تحاول معرفة البنية العميقة التي صنعت ذلك السطح. وفي هذه الحالة يصبح الصحفي قارئا ثانيا للكاتب، وقد يرى في عمله ما لم يره الكاتب بسبب قربه الشديد من تجربته. الكاتب يعيش داخل نصه، اما الصحفي فيأتي من خارجه، وهذه المسافة ليست نقصا بل ميزة، لانها تسمح له بطرح السؤال الذي لم يعد المؤلف قادرا على رؤيته.

والكاتب الذي يرفض الحوار خوفا من ان يكون الصحفي باحثا عن الشهرة قد يكون ضحية تصور ضيق للشهرة نفسها. فالشهرة ليست كمية تنتقل من شخص الى اخر كما تنتقل ملكية مادية. حين يظهر كاتب في صحيفة او منصة ثقافية محترمة، لا يفقد الصحفي شيئا من حضوره، ولا يحصل الكاتب على جزء من رصيد الصحفي. الذي يحدث هو خلق مساحة ثالثة بينهما هي القارئ. وهذا القارئ هو الطرف الذي كثيرا ما يغيب عن حسابات الطرفين. الصحفي يكتب لكي يفتح طريقا الى القارئ، والكاتب يتكلم لكي يعيد تقديم تجربته، والقارئ هو الذي يقرر في النهاية ما اذا كان الحوار قد اضاف شيئا ام كان مجرد تبادل للمجاملات. لذلك فان السؤال الصحفي لا ينبغي ان يقاس بعدد القراء الذين سيعرفون اسم الصحفي بعد نشره، بل بعدد القراء الذين سيدخلون الى عالم الكاتب من خلاله بطريقة مختلفة. فهل هذا الشك قد يحرم الكاتب من لحظة نادرة لمراجعة ذاته؟